
صَبرُ الأرواحِ وعَدلُ السماء: نداءٌ من قَلبِ الجَنوبِ إلى رَبِّ المَظلومين
كتب محمد ع.درويش
حوار بين العبد وخالقه
في حضرة العدل الإلهي ، مناجاة الجنوبي بين الصبر واليقين
هذا حوار فلسفي يلامس الوجدان، يجمع بين تساؤلات الإنسان اللبناني في الجنوب وبين تجليات الإيمان بالعدل الإلهي في ظل ما يشهده الواقع من عدوان ومآس :
الإنسان: يا رب، الجنوب يحترق.. أطفالنا يرحلون تحت الركام، وأرضنا التي باركتها تغسلها الدماء لا الماء. أين عدلك من صرخات الأمهات في النبطية وصور وبنت جبيل ومرجعيون…؟
صوت اليقين (الإلهي): يا عبدي، هل ظننت أن دمعة سقطت من عين أمٍّ تائهة قد ضاعت عندي؟ إنني أرى ما لا ترون. أنا الذي جعلت الأرض لتعمر، ومن يزرع الموت فيها فحصاده هشيم. ألم أقل لك أنني “مُنتقم” من الظالمين؟
الإنسان: لكننا نرى الظلم يتجبر، والطائرات تمزق السكون، والمواثيق تُسحق أمام أعين العالم الصامت. لماذا يطول ليلنا هكذا؟
صوت اليقين: إن الحق يحتاج إلى شهود، والجنوب اليوم هو الشاهد على صدق الانتماء. الليل مهما طال، فإنني جعلت معه فجراً لا يخلف ميعاده. الصبر ليس استسلاماً، بل هو ثباتُ الجذور في الأرض التي تأبى الاقتلاع. أنا مع المنكسرة قلوبهم، وفي كل بيت دُمّر، أنا أبني في الأرواح قصوراً من كرامة لا تنهدم.
الإنسان: نخشى أن ننسى ملامح الفرح، وأن تطغى رائحة البارود على عطر الزيتون.
صوت اليقين: الزيتون شجرتي المباركة، وجذوره تضرب في عمق التاريخ أبعد من عمر المعتدي. دموعكم ليست ضعفاً، بل هي غيثٌ يروي بذرة الحرية. تذكروا أن الظلم ساعة، وأن الحق إلى قيام الساعة. إنني لا أغفل عما يعمل الظالمون، وكل جرحٍ في جنوبكم هو صرخة حق ستدوي في أركان الكون حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً.
الإنسان: هبنا القوة لنتحمل، واليقين بأن التضحيات لن تذهب سدى.
صوت اليقين: استمدوا القوة من إيمانكم بأنكم أصحاب الأرض. في كل مرة تنهضون فيها من بين الحطام، فإنكم تهزمون الموت بالحياة. كونوا صابرين، مرابطين، واعلموا أن “نصر الله” ليس مجرد وعد، بل هو حتمية لكل من تمسك بحقه وتوكل على خالقه.
المحطة الأولى: تساؤل الانكسار.. لماذا نحن؟
يُفتح الحوار بقلبٍ مثقل، يتساءل فيه الإنسان عن سر البلاء:
الإنسان: “يا رب، هل كُتب على هذه الأرض أن تكون قرباناً دائماً؟ لماذا يختبر الصبرُ فينا أقصى حدود الطاقة، بينما ينام الظالمون في دفء صمت العالم؟”
صوت اليقين: “يا عبدي، إن أشد الناس بلاءً هم الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل. ما كان البلاء يوماً علامة هوان، بل هو اصطفاء لتظهر معادن الأرواح. الصبر في وجه الظلم ليس قدراً محتوماً فحسب، بل هو عبادة الصمود التي تجعل من جرحكم منارةً للحق.”
المحطة الثانية: مواجهة الظلم.. فلسفة القوة والضعف
ينتقل الحوار لمواجهة جبروت المعتدي:
الإنسان: “نراهم يملكون السماء بالحديد والنار، ونحن لا نملك إلا أجسادنا وأرضنا. أين تذهب صلواتنا أمام أزيز الطائرات؟”
صوت اليقين: “هم يملكون الأسباب، وأنا مسبب الأسباب. حديدهم يفنى، وحقكم باقٍ بقائي. الظلم الذي ترونه اليوم هو سحابة صيف عابرة في ميزان الخلود. إن صرخة المظلوم التي تخترق الحجب هي أقوى من كل ترساناتهم. الصبر الذي تتحصنون به هو السلاح الذي لا يملكون له مضاداً.”
المحطة الثالثة: الوعْدُ والحتمية الروحية
يختتم الحوار بالبحث عن بارقة الأمل:
الإنسان: “متى يدركنا العدل يا الله؟”
صوت اليقين: “العدل آتٍ لا محالة، تارةً في نصرٍ يثلج الصدور، وتارةً في خزيٍ يلاحق الظالم في نومه وصحوته. ثباتكم في أرضكم هو أول فصول النصر. لا تقيسوا الأمور بمعايير الأيام، بل بمعايير الخلود؛ فكل بيتٍ هُدم سيُبنى في الروح مكانه حصنٌ من كرامة لا تطالها قذائفهم.”
الخاتمة:
إن هذا الحوار ليس مجرد كلمات، بل هو حال لسان كل لبناني يزرع التبغ بيمينه ويحمل جرحه بيساره، مؤمناً بأن نداء الخالق هو الملاذ الأخير الذي لا يخيب، وأن الصبر في وجه الظلم هو أقصى درجات الإيمان وأسمى صور المقاومة الروحية.



