
السقوط الأخلاقي في مستنقع الطائفية: قراءة في خطاب مي شدياق الإقصائي
وطنٌ لا يُختزل... والكرامةُ لا تُنظّف
كتبت انتصار ماضي مازح *
عندما تصبح اللغة السياسية أداة للاستعلاء والفرز البشري، وعندما تُستحضر مصطلحات “التنظيف” و”الإقصاء” للحديث عن مكوّنات أساسية من نسيج هذا الشرق، فإننا لا نكون أمام خلاف سياسي مشروع، بل أمام سقوط قيمي وأخلاقي مريع. إن من يتحدث بذهنية “نظفناهم” أو “لم نستطع وصفهم” يثبت بلا شك أنه هو من يحتاج إلى تنظيف ذاكرته من رواسب الأحقاد والعقد الطبقية والطائفية.
من هم أصحاب الأرض؟
الطائفة الشيعية في هذا الشرق لم تكن يوماً طارئة، ولا هي مضافة على جدران الوطن ينتظر أبناؤها إذناً بالدخول أو صكّ غفران من أحد. إنهم من صلب هذه الأرض، ملحها وترابها. تاريخهم لم يُكتب بالحبر المستورد، بل بعرق الفلاحين وتضحيات المقاومين، وبعقول العلماء والأدباء الذين ملأوا الدنيا علماً وفكراً.
حين نتحدث عن الدولة ومؤسساتها، وعن سوريا ولبنان والمنطقة، نجد أن:
بناة المؤسسات ودعائم القضاء: لم يكن الشيعة يوماً عالة على الدولة، بل كانوا وما زالوا عصب إداراتها، وقضاتها النزهاء، وحماتها في السلك العسكري والأمني.
النخب العلمية والفكرية: من رحم هذه البيئة خرج كبار الأطباء والمهندسين والعلماء الذين يشار إليهم بالبنان في الشرق والغرب، محققين حضوراً علمياً لا يحتاج لشهادة من حاقد أو واهم.
العمق الحضاري: ليسوا أتباعاً أو متغلغلين؛ بل هم شركاء حقيقيون أصيلون، يملكون من الوعي والعقيدة والمبادئ ما يجعلهم يتسامون فوق الصغائر والخطابات الهابطة.
مأساة “الزهايمر السياسي”
يا لمرارة المشهد عندما يسقط بعض الرموز في فخ الهذيان السياسي والافتراء البصري، مدفوعين بعقد الماضي وفشل الحاضر. إن إطلاق صفات “الشوائب” أو الحديث بلغة “التنظيف” تجاه طائفة بأكملها يعكس إفلاساً فكرياً وإنسانياً تاماً. إنه “زهايمر سياسي” يعجز صاحبه عن قراءة التاريخ القريب والبعيد، فيتوهم أن الأوطان تُدار بعقلية الإقصاء أو بنبرة الفوقية البائدة.
المبادئ النظيفة والعقيدة الراسخة لا تحتاج إلى تلميع من شاشات أو منابر اعتادت بث السموم. النظافة الحقيقية هي نظافة الكف والضمير، ونقاء الهوية الوطنية التي لا ترى في الشريك في الوطن عدواً أو كائناً يجب “تنظيفه”.
سيبقى أبناء هذه الطائفة، إلى جانب كل الشرفاء والأحرار من مختلف الطوائف، منارة للعلم، والكرامة، والوفاء للأرض، عصيين على الإلغاء، وأكبر بكثير من أن تطالهم كلمات عابرة لسياسيين يعيشون على هامش التاريخ ويقتاتون على إثارة الفتن.
* كاتبة انسانية



