
لقاءٌ عبر آلاف الأميال: معرضٌ في مدينة صغيرة بالصين يكشف قيمة التبادل الحضاري
بقلم: سو ياشوان *
خلال عطلتي في مسقط رأسي هذا الشهر، زرتُ متحف أوردوس البلدي في منطقة منغوليا الداخلية ذاتية الحكم بشمال الصين، لمشاهدة المعرض الخاص “على ضفاف النيل: الحياة اليومية وما بعد الموت في مصر القديمة”، وشاهدتُ لقاءً حضارياً عابراً للحدود، قطع آلاف الأميال.
يُقام المعرض بالتعاون بين متحف أوردوس والمتحف المصري- أقدم متحف مصري في العالم بتاريخ يمتد لأكثر من قرنين – ويضم 178 قطعة أثرية مصرية قديمة نفيسة. وعلى مدار خمسة أشهر، تحولت هذه المدينة الواقعة شمال الصين إلى مسرحٍ تتفاعل فيه حضارات النيل والنهر الأصفر في حوارٍ صامتٍ وعميق.
لقد فوجئتُ عندما علمتُ أن مثل هذا المعرض عن مصر القديمة يُقام في مسقط رأسي. لطالما إعتقدتُ أن المعارض الدولية للحضارات القديمة تقتصر إلى حد كبير على المدن الكبرى، مثل بكين أو شنغهاي. ومع ذلك، ها هي ذي – آثارٌ عمرها آلاف السنين من نهر النيل – تعبر القارات والمحيطات لتصل إلى مدينة صغيرة شمال الصين. جعلني هذا أدرك أن الإهتمام بالحضارة المصرية قد تجاوز الأوساط الأكاديمية والمراكز الحضرية الكبرى في الصين. فالتبادل والتعلم المتبادل بين الحضارات الصينية القديمة والأجنبية يتجذر في جميع أنحاء البلاد.
داخل قاعة العرض، وقفت المومياوات وتماثيل المعابد والمسلات الحجرية المنقوشة في هدوء، يحمل كل منها ثقل التاريخ. أبطأ العديد من الزوار من وتيرة سيرهم، يتأملون بعناية ويقرأون كل قطعة باهتمام. خلال الزيارة، التقيتُ بمعلم لغة إنكليزية في مدرسة إعدادية محلية، كان يشرح المعروضات بحماس للغرباء. اخبرني أنه كان مفتوناً بالحضارة المصرية القديمة منذ أيام دراسته، فقد رافقته أساطير تلك الحضارة طويلاً. واليوم، أصبح هذا الشغف جزءاً من تدريسه. فهو يُدمج قصص مصر القديمة فى دروسه، مستخدماً صور الأهرامات ونهر النيل والهيروغليفية لإضفاء الحيوية على دروس اللغة.
قال لي: “يُثير حضور دروسى فضول العديد من الطلاب تجاه مصر”. يبدأ بعضهم البحث في تاريخ مصر القديمة بأنفسهم، بينما يحلم آخرون سراً بزيارة مصر يوماً ما، ليروا بأم أعينهم ما قرأوه في الكتب الدراسية وقاعات المحاضرات. بالنسبة إليهم، الأمر يتجاوز مجرد توسيع معارفهم، فهو بداية تواصل حقيقى مع حضارة عريقة. هذا التفاعل الثقافي يغرس بذور التفاهم بين حضارتين قديمتين في قلوب الجيل الشاب.
أُعجبتُ أيضاً بزوجين قطعا كل هذه المسافة من شيآن، في مقاطعة شنشي شمال غرب الصين، خصيصاً لزيارة المعرض. وباعتبارهما من عشاق الحضارة المصرية القديمة، فقد زارا مصر وشاهدا الأهرامات عن كثب. كما يحرصان على حضور معارض مماثلة في أنحاء الصين.
وعندما عبّرا عن شغفهما، قالا: “الصين ومصر حضارتان عريقتان، رُعيتا على ضفاف أنهار عظيمة، وتتمتعان بتاريخ يمتد لآلاف السنين وتراث ثقافي عالمي”. ويرى هؤلاء أن تزايد عدد المعارض ذات الطابع المصري في المدن الصينية يحمل دلالة عميقة. “يتزايد عدد المهتمين بمصر في الصين. فالناس لا يحركهم الفضول فحسب، بل يقارنون بين حضارتين عريقتين لفهم التاريخ بشكل أفضل واحترام التنوع الثقافي”.
يُجسّد هذا اللقاء الحضاري المُؤثر، الذي جرى في مدينة صينية عادية، رؤية مبادرة الحضارة العالمية التي طرحتها الصين خير تجسيد. فانطلاقاً من مبادئ المساواة والتعلم المتبادل والحوار والشمول بين الحضارات، تدعو المبادرة إلى إحترام تنوع الحضارات، والقيم الإنسانية المشتركة، وأهمية الحفاظ على التراث الحضاري وتطويره، وتعزيز التبادل والتعاون الدولي بين الشعوب.
لا توجد حضارة على وجه الأرض تتفوق على غيرها، فالتنوع هو جوهر سحر الحضارة الإنسانية. تزدهر الحضارات من خلال التبادل، وتتقدم من خلال التعلم المتبادل. ويُعدّ التبادل الثقافي المتكرر بين الصين ومصر مثالاً رائعاً للتفاعل الحضاري العالمي. فبإعتبارهما حضارتين عريقتين أغنتا البشرية لآلاف السنين، تحمل حضارة النهر الأصفر الصينية وحضارة النيل المصرية ذكريات تاريخية فريدة وخصائص ثقافية مميزة. وبدلاً من الإنعزال أو التنافس، تتناغم هاتان الحضارتان وتُكمّل كل منهما الأخرى من خلال حوار متكافئ. تُساهم هذه الأنشطة الثقافية الشعبية، التي تُركز على الناس، في كسر الحواجز الجغرافية والزمنية، وتحويل التعاون الثقافي على مستوى الدولة إلى تجربة عامة ملموسة، وجعل التبادل الثقافي الحضاري في متناول عامة الناس.
كل قطعة أثرية في قاعة العرض بمدينتي صمدت أمام تقلبات الزمن وعوامل التعرية على مرّ آلاف السنين، وقطعت مسافات شاسعة. إنها تتجاوز حدود الجغرافيا والزمن، لتصبح جسوراً رقيقة للحوار بين الحضارات. يجمع هذا المعرض، الذي يُقام في مدينة صغيرة، بين تفاني الباحثين، وشغف المعلمين، وفضول الجمهور، مما يُتيح لحضارتين عظيمتين الإلتقاء والتفاهم والتفاعل. يُعجب الناس بروعة الحضارات البعيدة، بينما يُعيدون إكتشاف ثراء حضارتهم. ومن خلال المقارنة والتناغم المشترك، تتضح معالم التنوع والتعايش بين الحضارات الإنسانية.
يُجسد هذا اللقاء، الذي إمتد عبر آلاف الأميال، الرابطة العميقة بين الصين ومصر. من الاستكشاف الأكاديمي إلى الحماس الشعبي، ومن فضول الشباب إلى الإعجاب المتبادل، تجد الحضارات القديمة حيوية جديدة من خلال التبادل والتقدير المتبادل. هذا الصدى العابر للزمان والمكان يتجاوز المسافات والجغرافيا، ليصبح رابطاً رقيقاً ومتيناً في آنٍ واحد، يُقرّب بين الشعبين ويُبقى روابطهما الحضارية حية، مما يسمح لهذه الثقافات القديمة بالتألق أكثر فأكثر في العالم الحديث.
وإنطلاقًا من مبادرة الحضارة العالمية، ستواصل الصين دعم أنشطة حضارية أكثر شمولاً وشعبية وتنوعاً، تُمكّن الثقافات المختلفة من التواصل بحرية، والتعلم من بعضها البعض، والإزدهار معاً. وفي عصر التغيرات العالمية العميقة، سيُعزز الحوار الحضاري المستمر والتعلم المتبادل التضامن العالمي، ويُضفي حيوية دائمة على التقدم البشري، ويبني عالماً أكثر انسجاماً وترابطاً للبشرية جمعاء.
* كاتبة ومراسلة في صحيفة غلوبال تايمز الصينية



