لماذا يريد سياسو لبنان أصوات المغترب اللبناني- الأجنبي؟

أجواء برس

كتب صباح الشويري

كلما اقترب استحقاق ترتفع وتيرة الحرب الكلامية والاختلاف على قوانين تطبيقية، البعض يريد منها باطلاً، إن لم نقل الكل، وأكثر صراع يحتدم في لبنان هو الصراع الانتخابي الذي يخرج عن اخلاقيات المرشحين الذين يتهافتون للحصول على مقعد “طائفي” وليس مقعد وطني. وهذا معلوم جهاراً. فالوطن لا يعني لمعظمهم شيئاً، سوى أنه لقمة يستفذون منها ويقتاتون من فتات طائفيتهم، المهم أن الانتخابات اقتربت والجميع يستعد لخطط تصيغ برامجهم الانتخابية (الاصلاحية وطنية) بغلاف (طائفي).

والأهم أنه خلال أكثر من خمسين عاماً هرب اللبنانيون من أرض التصارع والنيران، تركوا الطوائف لأنها جوعتهم وتركوا الأرض لأنها دمرت منازلهم، وتركوا المدارس لأنها جعلتهم أميين، وهاجروا الى أرض عرف فيها للإنسان كرامة، بنوا فيها الحياة، اقترنوا بالاحياء والبشر، تزوجوا وأنجبوا أطفالاً نالوا تلك الجنسيات، تربوا على قيم إنسانية وأخلاقية بعيداً عن العنصرية والطائفية والطبقية،اعتقدنا أن تلك البلاد نزعت منهم فتيل الطوائف والعنصرية، ولكن… جاء رواد السياسة في لبنان واوهموهم التطور والرقي، عادوا الى لبنان ناخبين وليس مواطنين، ابتكروا لهم قانوناً انتخابياً إسوة بالبلدان الحضارية- ظاهرياً- ولكن ضمنياً اعادوهم الى مستنقع الطائفية التي زادت بتغذية الغرائز. واليوم يطالبون بمن لا يعرف لبنان سوى على الخارطة التي بدأت تندثر بالعودة والانتخاب.

 

سأبدأ برواية من زميلتي التي قالت لي “لماذا سينتخب أولاد اخوتي وهم لا يعرفون لبنان ولا يتكلمون لغته ولن يعيشوا فيه؟” سؤال جعلني أكتب مقالتي هذه… فعلاً لماذا؟

البعض يريد ان ينتخب من أجل استثمار في لبنان (ربما تبييض أمواله) أو انجاح مشاريع مشارك فيها، ولكن الكثير ماذا يريدون؟

تذكرت مشهد الانتخابات النيابية عام 2009 حيث استحضر الى لبنان أكثر من 120 ألف مواطن أجنبي من أصول لبنانية، فاجأني لقاء سريع مع سيدة من تحمل جواز سفر لبناني تحمل طفلاً جلبت الى لبنان لتنتخب، لا تعرف اللغة العربية لانها ولدت في الخارج وتعلمت وتربت وتزوجت (لا يربطها في لبنان سوى جذورها) وحين سؤلت هل ستترك بلدها وتعيش في لبنان، لم ترد قالت جئت لأنتخب.

وبفضل سياسو لبنان بات للمغترب حق الانتخاب، وهو حق وطني مشروع، ولكنه من دون شروط، وهنا ما يطرح تساؤلات عدة، حق مشروع لكل لبناني وجذور لبنانية لا يعرفون بلدهم، فهل الهدف هو اعادتهم الى وطنهم الراقي، أم لأصوات انتخابية تمرر لمشاريع السياسيين. فنعيد طرح السؤال من هم الأحق في الاقتراع؟ فالقانون الانتخابي للمغتربين قيس على مقاس الساسة، كما كل القانون الاخير، وليس على قياس الوطن.

فمن الناحية القانونية، أشار الخبير الدستوري “رئيس جمعية جوستيسيا” الحقوقية بول مرقص الى إن القانون ينص على حق لكل لبناني أو لبنانية أكمل السن المحددة في الدستور سواء كان مقيماً أم غير مقيم على الأراضي اللبنانية أن يمارس حقه في الاقتراع. ويوضح “في الانتخابات يجري الاقتراع قبل 15 يوماً على الأكثر من الموعد المعين في لبنان، ما يدحض فرضية الإطاحة بانتخابات المغتربين بحال تم تقريب موعد الاقتراع المحدد للمقيمين في لبنان، إذ بحال تم التقريب إلى ما قبل يوم الأحد الواقع في 8 أيار 2022 يجب أن يحدد موعد اقتراع المغتربين قبل 15 يوماً على الأكثر من التاريخ الجديد.

ولفت مرقص إلى أن تقريب موعد الانتخابات يجب أن يأخذ بالاعتبار المهلة الأقصى المعطاة للتسجيل للمقترعين في الخارج أي ألا تتجاوز 20 تشرين الثاني من السنة التي تسبق موعد الانتخابات النيابية، حيث يسقط بعدها حق الاقتراع في الخارج، بحيث إنه يجب على السفارات إرسال هذه القوائم تباعاً إلى المديرية العامة للأحوال الشخصية قبل 20 كانون الأول.”

وما كان يحذر منه المغتربون يبدو أنه سيحصل بحسب ما تحذر الناشطة في مجموعة “شبكة الاغتراب اللبناني” نانسي ستيفان، وقالت لـ”الشرق الأوسط”: نعلم أن السلطة تدرك أن أصوات المغتربين حرة ومستقلة وسيفعلون ما بوسعهم لمنعنا من الاقتراع ولكن لا أظن أن مليوناً ونصف مليون لبناني سيرضون بذلك.

 

أما من الناحية الإجتماعية، فنسأل لماذا المغترب اللبناني الذي يحمل جنسية أجنبية منذ أكثر من 20 عاماً ولم يزر لبنان وليس له في لبنان “مرقد عنزة” بل هو من أصحاب الأموال والمشاريع في الخارج، وأولاده لا يعرفون البلد ولا يستثمرون فيه ولا يريدون العودة “الى أرض الحضارة” ويعيشون في بلد لا يفرق بين الطبقات والطوائف ويعتمد على الكفاءات والانسان، يريدون الاقتراع الطائفي والمذهبي والحزبي، ويغذون المشاعر الطائفية والمناطقية، وفي النهاية سيعودون الى ابراجهم واعمالهم وحياتهم ويتركون من انتخبوهم يسرحون ويمرحون في لبنان.

شهدنا سابقاً تجارباً لا أراها سوى فاشلة وطنياً وناجحة طائفياً، لماذا من يعيش في ارض ممنوع عليهم التعاطي الطائفي يأتون الى صناديق الاقتراع لتقوية النعرات الطائفية انتخابياً؟ فهل الوطنية تحتم عليهم هكذا؟

ليقوم المغتربون بتجربة صغيرة، يوحدون كلمتهم بطرح قانون انتخابي على اساس لبنان دائرة انتخابية واحدة، ويقترعون لمن سيؤمن مستقبل أولادهم في لبنان، ليهاجروا من سويسرا والنمسا واميركا وفرنسا وروسيا وغيرها من الدول الى لبنان حاملين معهم كل كفاءاتهم وأموالهم ويؤسسون لوطن، فهل سيقبل ساساتهم؟ بالتأكيد لا. لأنهم لو أرادوا أن يعودوا سيجدون مافيات الكهرباء والمازوت والخبز وكل أنواع “تجارة الوطن”.

باختصار من سيقترع من المغتربين ولا نية له بالعودة بعد الانتخابات الى لبنان ليعيش كمواطن، هو مشارك في الفساد والطائفية وبيع الوطن، لأنه يدرك أن لا أمل في وطن تحكمه زعامات الحرب والسلم والطائفية نفسها، وان تغيرت بعض الأسماء، هم هربوا منهم وينتخبونهم. فسياسيو لبنان لا يريدون من المغتربين سوى أصواتهم وأموالهم وهم يدركون ذلك، ولكن التجذر الطائفي لا يزال يعيش مع بعضهم في اغترابهم… فأي تزلف تعيشون؟

 

 

 

 

 

أجواء برس

“أجواء” مجموعة من الإعلام العربي المحترف الملتزم بكلمة حرّة من دون مواربة، نجتمع على صدق التعبير والخبر الصحيح من مصدره، نعبّر عن رأينا ونحترم رأي الآخرين ضمن حدود أخلاقيات المهنة. “أجواء” الصحافة والإعلام، حقيقة الواقع في جريدة إلكترونية. نسعى لنكون مع الجميع في كل المواقف، من الحدث وما وراءه، على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى