قبيل نهاية قمة غلاسكو: بيان ختامي قاتم

غلاسكو | قبيل نهاية أعمال مؤتمر غلاسكو، تم التداول أمس بأول مسودة للبيان الختامي التي اقترحتها رئاسة المؤتمر، وهي كما كان متوقعاً، لا تعدو عن كونها مجرد «إعلان ختامي» وليس قرارات محددة أو ملزمة للدول المشاركة. المسودة تتحدث عن «تخفيضات سريعة وقوية ومستدامة» في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، مما يعني الفشل في البدء بتطبيق اتفاقية باريس، التي كانت في الأصل غير ملزمة.

بعد عشرة أيام من المناقشات في غلاسكو ، دعت المسودة الأولى للإعلان الختامي لمؤتمر الأطراف الـ 26 الدول إلى «مراجعة وتعزيز» المساهمات الوطنية التي تحدد التزامات قصيرة الأجل اعتباراً من عام 2022، وهي مهلة إضافية للدول (كان يجب أن تبدأ بعد خمس سنوات من اتفاقية باريس عام 2015، أي عام 2020)، التي ظهر أن مساهماتها في تخفيض الانبعاثات لا يعول عليها لكي لا ترتفع درجات الحرارة أكثر من درجة ونصف. في وقت أشارت آخر التقديرات الصادرة عن الأمم المتحدة في غلاسكو إلى أنه على الرغم من الالتزامات الجديدة التي قطعتها دول معينة، فإن العالم لا يزال على طريق ارتفاع درجات الحرارة «الكارثي» بمقدار 2.7 درجة مئوية في نهاية القرن، وربما قبل ذلك.

وقد كشفت التقارير الموازية التي عرضت في المؤتمر والكثير من النقاشات الرسمية وغير الرسمية، أن موضوع إعلان الدول بنفسها عن انبعاثاتها، مشكوك بأمره كثيراً، لناحية المصداقية، وأن توقعات زيادة الانبعاثات هي أكبر بكثير مما هو مصرح عنه من قبل الدول التي تخفي حقيقة نشاطاتها المولدة لها، في وقت لا تزال الكثير من الدول الصناعية وتلك النامية تعتبر صناعاتها وأمنها للطاقة، هي من الأسرار الوطنية التي لا يفترض الكشف عنها، أو تسهيل مهمة أي هيئة دولية للتحقق من البيانات ذات الصلة.

هذا الموضوع أخذ نقاشاً واسعاً في مؤتمر غلاسكو، خصوصاً عندما ربطت بعض الدول الكبرى، كما في السابق، التمويل والدعم للبلدان النامية والأكثر فقراً، بقضايا «الشفافية» وما يسمى «الجرد العالمي للأنشطة الدولية» للحصول على المعلومات، و«تدابير الاستجابة». وقد اعتبرت الدول النامية، أن هذه الإجراءات للتحقق من انبعاثاتها، هي مقدمة لفرض ضرائب على الكربون، قد لا تستطيع تحملها، انطلاقاً من البنود التي أقرتها الاتفاقية الإطارية لتغير المناخ عام 1992 والتي اعتبرت أن الدول المتقدمة صناعياً تتحمل «المسؤولية التاريخية» عن الانبعاثات التي تراكمت في الغلاف الجوي وتسببت منذ الثورة الصناعية بقضية تغير المناخ.

ولذلك فهي تعتبر أن لديها حقوقاً وتعويضات عما لحق ببلدانها من جراء هذا التقدم الذي حصل في البلدان المتقدمة. وهذا ما دفع البلدان النامية إلى رفض أفكار تتعلق باستخدام الأقمار الاصطناعية لمراقبة الانبعاثات وتحديدها على المستوى العالمي، تمهيداً لإيجاد إطار للمحاسبة أو لتسعير الكربون وبيعه والتبادل والاتجار به. أما الخلاف الثاني، حول الفترة المحددة للجرد، وهل هي كل سنتين (كما تطالب البلدان المتقدمة) أم عشر سنوات كما تطالب البلدان النامية، فقد تبين أن هناك إمكانية للخروج بتسوية تقول كل خمس سنوات. كما طرحت آلية استخدام الجداول لجرد الانبعاثات، وكلفتها التي تقدر بأكثر من مليون دولار سنوياً، والتي تحتاج لتقنيات وخبرات غير متوافرة إلا عند البلدان المتقدمة… حتى بات دور الدول، كما في الفترة الأخيرة، الالتزام بتعبئة هذه الجداول وإعداد التقارير «الوطنية»، كمهمة رئيسية، بدل الاهتمام بكيفية تخفيض الانبعاثات والتكيف مع الكوارث التي بدأت فعلاً بالحصول، وتمويل كل هذه العمليات.

تدعو مسودة الإعلان إلى «تخفيضات سريعة وقوية ومستمرة في انبعاثات غازات الدفيئة العالمية، بنسبة 45 في المئة في عام 2030، وهو كلام إنشائي لا يلزم أحداً، لا بل أن كل دولة حددت لنفسها السنة المرجعية التي تراها مناسبة لمصالحها. كما تشجع البلدان على «تسريع الخروج من الفحم وعدم تمويل الوقود الأحفوري»، وهو ما تفعل عكسه معظم البلدان.

في الخلاصة، كانت هذه النتيجة متوقعة مع البدء بتطبيق اتفاقية باريس التي لم تكن ملزمة وليس فيها أي معايير موحدة. وبالأساس لم يتم إقرار هذه الاتفاقية والمصادقة عليها بهذه السرعة بين البلدان، لو لم تكن خالية من أي التزامات وشكلية.

منذ البداية إذاً، كانت النتائج الكارثية لهذا المؤتمر متوقعة حتى من رئاسة الدولة التي استضافتها، ولذلك تم التعويض عن القرارات الكبرى بالإعلان عن مبادرات صغرى، كمثل توقيع بعض الدول على بيانات تتعلق بحماية الغابات من دون أي التزامات وآليات للتمويل واضحة ومضمونة، وأخرى تتعلق بخفض غاز الميثان، وهو إعلان حضرت له الولايات المتحدة الأميركية ويقضي بخفض غاز الميثان بنسبة 30 في المئة حتى عام 2030، وقعت عليه أكثر من مئة دولة من دون أن يتم تحديد كيفية احتساب هذا الغاز وغيره ومصادره كافة، ومن دون أن توقّع عليه دولتان منتجتان بقوة لهذا الغاز مثل روسيا والصين (لأن الاقتراح جاء من الولايات المتحدة الأميركية). كل ذلك وعوضاً عن طرح موضوع المناخ برمته والغازات كافة كما تنص الاتفاقيات الدولية.

كما تعهدت ثلاثون دولة ودزينة من مصنعي السيارات أمس «بالعمل» لضمان أن تكون جميع السيارات الجديدة المباعة صفرية الانبعاثات بحلول عام 2040… من دون أن يحدد إذا كان ذلك يعني السيارات الكهربائية فقط، أم تلك الهجينة (هيبريد) أم تلك التي تعمل على الهيدروجين أيضاً. مع العلم أنه على الرغم من الزيادة الكبيرة التي حصلت هذا العام في عدد السيارات الكهربائية المباعة في العالم التي وصلت إلى خمسة ملايين سيارة، بالمقارنة مع مليونين العام الماضي، فإن عدد السيارات الكهربائية حول العالم لا يزال دون 15 مليون سيارة بالمقارنة مع ما يقارب مليار ونصف سيارة التي لا تزال تعمل على الوقود الأحفوري، أي بنسبة لا تصل إلى نصف في المئة!

على الرغم من ذلك وقّع عدد قليل من الدول المتقدمة على هذا الإعلان، بينما لم توقع دول كبرى منتجة للسيارات مثل الصين والولايات المتحدة واليابان وفرنسا وألمانيا. مع العلم أيضاً أن النقاش داخل الاتحاد الأوروبي كان لا يزال يدور حول إدراج السيارات الهجينة (نصف كهرباء ونصف محروقات) ضمن فئة السيارات البيئية.

أما حول تصديق برلمانات الدول على اتفاقية باريس، فقد شكل مؤتمر غلاسكو مناسبة لتركيا لكي تصادق على الاتفاقية (برلمانياً) قبيل انعقاد المؤتمر بعد أن حصلت على شبه تعهد بأن لا يكون تصنيفها في الملحق الأول للاتفاقية، أي ضمن الدول المتقدمة الملزمة بتقديم الدعم للدول النامية، على الرغم من وجودها من ضمن مجموعة العشرين (وهي آخر دولة في هذه المجموعة تصادق على اتفاقية باريس). بينما لم تصادق إيران على الاتفاقية، مشترطة أولاً رفع العقوبات عنها.

ولعل الملاحظة الأساسية التي يمكن إدراجها في الكوب 26 وللمرة الأولى في قمم المناخ الـ25 المشابهة، أنه لم يعد هناك أي صوت مشكك في ظاهرة تغير المناخ، وأن كل الدول، في السنتين الأخيرتين، باتت مقتنعة بهذه الظاهرة وخطورتها على المستوى العالمي، وأن ظواهرها المتطرفة باتت تطال أي بقعة من العالم… من دون أن يغير كل ذلك في المشهد الدراماتيكي للمفاوضات الدولية الفارغة حول المناخ!

الأخبار- حبيب معلوف

أجواء برس

“أجواء” مجموعة من الإعلام العربي المحترف الملتزم بكلمة حرّة من دون مواربة، نجتمع على صدق التعبير والخبر الصحيح من مصدره، نعبّر عن رأينا ونحترم رأي الآخرين ضمن حدود أخلاقيات المهنة. “أجواء” الصحافة والإعلام، حقيقة الواقع في جريدة إلكترونية. نسعى لنكون مع الجميع في كل المواقف، من الحدث وما وراءه، على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى