
الحرب والإنسان: كيف تشكّل الصدمات النفسية ملامح الشعوب بين الاعتياد والرعب الأول
من الملاجئ إلى الخيام… دراسة تحليلية للفروق النفسية بين مجتمعات اعتادت الحرب وأخرى تواجهها لأول مرة
كتب أحمد سمير
الحروب لا تدمّر المدن والبنى التحتية فحسب، بل تترك ندوبًا عميقة في الوعي الجمعي للشعوب، فالانفجارات التي تهدم المباني، تهدم أيضًا الشعور بالأمان، وتعيد تشكيل علاقة الإنسان بالحياة اليومية،ومع تكرار النزاعات المسلحة في مناطق مختلفة من العالم، بدأ علماء النفس والاجتماع يلاحظون فروقًا واضحة بين المجتمعات التي اعتادت على الحروب وتلك التي تواجهها للمرة الأولى.
في مناطق عاشت عقودًا من الصراعات، أصبح صوت الانفجار جزءًا من الذاكرة اليومية، وتحوّلت الملاجئ إلى امتداد للمنازل، بل إن بعض الأطفال ينشؤون وهم يعتبرون صفارات الإنذار أمرًا اعتياديًا. في المقابل، تعيش المجتمعات التي تتعرض للحرب لأول مرة حالة صدمة جماعية، حيث يتحول الخوف إلى عنصر طاغٍ في الحياة اليومية، ويصعب على الأفراد استيعاب التحول المفاجئ من الاستقرار إلى الفوضى.
ولا تقل الحياة في الخيام صعوبة عن العيش في الملاجئ. فالملاجئ غالبًا ما تكون مؤقتة لكنها مرتبطة بالمدن والبنية الاجتماعية القائمة، بينما تمثل الخيام بداية تجربة النزوح والاقتلاع من الجذور، وهي تجربة تحمل آثارًا نفسية عميقة تمتد لسنوات طويلة.
هذا التحقيق يحاول تحليل الفروق النفسية بين الشعوب التي اعتادت الحروب وتلك التي تواجهها حديثًا، كما يناقش تأثير العيش في الملاجئ والخيام على الصحة النفسية للفرد والمجتمع، ويستشرف مآلات هذه الصدمات على مستقبل المجتمعات المتأثرة بالنزاعات.
وفي حوار خاص للدكتور أحمد فوزي صبره، اخصائي الصحة النفسية لموقع “أجواء برس” حول هذا الموضوع قد أكد فيه بأن الاستجابة النفسية تختلف للحرب بين الشعوب التي اعتادت الصراعات وتلك التي تواجهها لأول مرة، نظراُ لكون الشعوب التي تواجه الحرب لأول مرة، يحدث ما نسميه في الطب النفسي صدمة أولية حادة
يظهر الذهول، والخوف الشديد، وانهيار الإحساس بالأمان، وارتفاع كبير في اضطرابات القلق والهلع، المجتمع كله يدخل في حالة عدم تصديق وارتباك لأن نموذج الحياة الآمنة انهار فجأة.
أما عن الشعوب التي اعتادت الصراعات، يحدث نوع من التكيًف الدفاعي، ويقل الذهول الأولي، لكن يظهر نمط آخر أخطر أحيانًا وهو التبلّد الانفعالي.
كما يصبح الخطر جزءًا من الحياة اليومية، وقد يتطور ما يسمى الإجهاد الصدمي المزمن.
مشيراً: إلى أن الشعب الذي لم يعرف الحرب يصاب بالصدمة، والشعب الذي عاشها طويلًا قد يعتادها، لكنه يدفع الثمن نفسيًا بطرق أخرى.
موضحاً: أن تأثير الحرب على الفئات الأكثر هشاشة خصوصًا الأطفال لكونهم أكثر الفئات تأثرًا لأن جهازهم النفسي ما زال في مرحلة التكوين.
من أبرز التأثيرات
– اضطراب ما بعد الصدمة
– الكوابيس والخوف من الانفصال عن الأهل
– التبول اللاإرادي
– تأخر النمو العاطفي أو اللغوي
– سلوك عدواني أو انسحابي
وفي الطب النفسي التنموي نلاحظ أن الطفل الذي يعيش الحرب قد يكوّن صورة للعالم باعتباره مكانًا غير آمن، وهذا يؤثر لاحقًا على الثقة والعلاقات والهوية.
وبيًن الدكتور صبره: عن مدى تأثير بيئة الحرب (الملاجئ مقابل الخيام والنزوح) على الحالة النفسية، والبيئة المادية تلعب دورًا مهمًا في تقليل أو زيادة الصدمة.
الملاجئ المنظمة: تُعطي إحساسًا نسبيًا بالحماية والسيطرة، وتقلل القلق الحاد.
الخيام والنزوح: تعني فقدان البيت والهوية والممتلكات، مما يزيد الشعور بالعجز والمهانة، وإرتفاع معدلات الاكتئاب والقلق.

في الطب النفسي نعتبر فقدان المكان الآمن من أهم العوامل التي تضاعف الصدمة.
وتابع: بأن الحرب تعيد تشكيل القيم الاجتماعية ومفهوم الأمان. الحروب غالبًا تعيد تشكيل المجتمع نفسيًا بعدة طرق: تقوية الروابط داخل الجماعة،يظهر التضامن والاعتماد المتبادل، وزيادة الشك والخوف من الآخر، خاصة بعد التعرض للعنف، وإعادة تعريف الأمان، يتحول الأمان من مفهوم واسع (مستقبل، استقرار، رفاهية) إلى مفهوم بسيط: “أن ننجو اليوم فقط”. أحيانًا تنشأ ثقافة البقاء حيث تصبح الأولوية للحماية وليس للتنمية.
مبيناً: بأن الإعلام يجب أن يكون له دوراً هاما مع توفير إمكانيات التعافي من الصدمات بعد الحرب، وله تأثير مزدوج:
سلبي:
التغطية المستمرة للصور العنيفة قد تسبب ما يسمى الصدمة الثانوية حتى لمن لا يعيشون الحرب مباشرة.
إيجابي:
يمكن أن يساهم في نشر الأمل، التضامن، وتوجيه الناس إلى الدعم النفسي.
أما التعافي النفسي بعد الحرب فيعتمد على عدة عوامل:
– وجود دعم اجتماعي قوي
– استقرار الأوضاع المعيشية
– برامج دعم نفسي مجتمعي
– علاج نفسي متخصص للحالات الشديدة.
مكملاً: إنه من المثير في الطب النفسي أن بعض المجتمعات بعد الكوارث قد تمر بما يسمى النمو ما بعد الصدمة،
حيث يظهر معنى جديد للحياة وقوة نفسية أكبر.
وختم قائلاً: إن الحروب لا تقتل البشر فقط، بل تعيد تشكيل الشخصية النفسية للشعوب. فالشعب الذي يعيش الصدمة يتغير: في طريقة خوفه، في طريقة حبه، وفي تعريفه للأمان.
لكن الخبر الجيد من منظور الطب النفسي أن الإنسان يملك قدرة مذهلة على التعافي إذا توفر له الأمان والدعم.
وفي الختام الحروب لا تنتهي بانتهاء القصف، بل تستمر آثارها داخل العقول والذاكرة الجماعية للشعوب، فالإنسان الذي يعتاد صوت الانفجار لا يعني أنه لم يعد يخافه، بل يعني أنه تعلم كيف يعيش معه.
وبين الملاجئ التي تحمي مؤقتًا من الموت، والخيام التي تختزل معنى النزوح وفقدان الوطن، تتشكل قصص إنسانية معقدة تروي كيف يعيد الإنسان تشكيل حياته في مواجهة الخطر.
وفي عالم تتزايد فيه النزاعات المسلحة، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا:
هل تستطيع المجتمعات التي عاشت صدمات الحرب أن تتعافى بالكامل، أم أن هذه الصدمات ستظل جزءًا دائمًا من ذاكرتها الجماعية؟



