
مقهى الثقافة، مطالعة بنكهة القهوة في الدار البيضاء
يمكن لعشاق المطالعة الاستمتاع بها مع رائحة القهوة ونكهتها مع أو من دون سكر، يغدو رواد المقاهي الى جوانب مكان يعج بالكتب المقترنة بقطع اثرية من الكتب والمخطوطات والروايات وأعمال ثقافية
هذه الصفات يحتضنها مقهى في الدار البيضاء، حيث تجمع هواة المطالعة مع محبي القهوة، لتجمع كل ما يرغبون بتذوقه النكهة مع المطالعة من الأدب والفكر وتبادل الحوارات الثقافية والذكريات الجميلة.

كتب في مقهى
نتواجد في مقهى من طابقين مطل على إحدى الشوارع الرئيسية بمدينة الدار البيضاء.
لا يبقى هذا المبنى الزجاجي مكاناً لاحتساء القهوة واستنشاق دخان السجائر فقط، بل حوله القائمون عليه إلى فضاء للمطالعة والجلسة المفيدة. هناك، تحت شاشة تلفاز فائق الوضوح، تنتصب خزانة صغيرة من أربع رفوف.
ينعم المكان بالهدوء إلا من أزيز مروحة هوائية وأصوات المركبات المارة من شارع مقابل. الأجواء تغري بالقراءة، خاصة في ساعات الصباح الأولى، قبل أن يتسلل صخب معلقي مباريات الكرة إلى المكان.
على الحائط، يمكن للجالس في المقهى ذو السقف الخشبي رؤية صور لمناظر طبيعية وعواصم عالمية. الخزانة، كما الصور، تحتوي على كتب من جميع البلدان والثقافات، وبلغات متعددة، تسافر بقارئها إلى فترات زمنية مختلفة.
المقهى الأنيق في تصميمه خلق بخزانته الاستثناء بين المقاهي الأخرى الكثيرة المنتشرة في المنطقة.
ففضلا عن تقديم البن وتوفير النت، يستهدف القائمون على المقهى بهذه المبادرة تشجيع القراءة الجادة والرزينة، في زمن استشرت فيه الأنماط الاستهلاكية للمعرفة السطحية، والمتمثلة في الوسائط الحديثة وشبكات التواصل الاجتماعي.
في كل يوم تأتي الاستفسارات من الزبائن، “ما هو السر وراء الإقدام على هذه الخطوة؟” والإجابة تأتي من أحمد (اسم مستعار)، صاحب المقهى، “أنا مثقف، وحبي للمطالعة هو ما دفعني لتأثيث المقهى بما تيسر من كتب وجعلها فضاء ثقافيا”.
وبينما يأخذ أحمد نفسا من سيجارته، ويعدل من قبعته الشبيهة بتلك التي كان يعتمرها الرجال في أمريكيا زمن الثلاثينيات، يأتيه النادل بقهوته السوداء في كأس صغير. يقول: “لطالما كنت قارئا نهما للكتب، وقررت بعد استثماري في مشروع إنشاء مقهى، أن أحضر خزانة كتب وأعلنت أنه بإمكان الزبون قراءة أي كتاب يريده أثناء جلوسه بالمقهى.
احتس قهوة وتبرع بكتاب
من بين الزبائن الذين استحسنوا الفكرة، شاب في العشرينيات من عمره، يدعى سعيد ويقول: “هناك العديد من المقاهي في الحي، لكنني أفضل هذه المقهى بالضبط لأنه مميز”.
وأضاف أنه يجد راحة خاصة في حضرة الكتب، إذ يقول إن المقهى يتوفر على كتب بلغات متعددة وفي مجالات مختلفة، مثل الأدب والفلسفة وعلم الاجتماع والتاريخ. “لكنني أفضل الروايات ودواوين الشعر بالخصوص”.
وقال سعيد في دردشة مع 2m.ma إنه استطاع قراءة حوالى ثلاث روايات وديوانين شعريين منذ بداية تردده على المقهى، وهو الأمر الذي لم يكن بمقدوره القيام به في السابق.
يحكي سعيد عن إحدى تجاربه في المقهى، يقول: “حين كنت بصدد السفر، طلبت من صاحب المقهى أن يعيرني مؤلفاً لجبران خليل جيران، ولم يتردد في قبول طلبي. ولأنني احببت المبادرة كثيراً، أردت أن أشجع أصدقائي على المجيء إلى المقهى واستغلال وقت الفراغ في القراءة. أكثر من ذلك، ساهمت ببعض الكتب التي كنت قد قرأتها من أجل إغناء المكتبة”.
المبادرة ناجحة للغاية إلى درجة أن العديد من زبائن المقهى استبدلوا مشاهدة التلفاز المسطح والمحادثة في وسائل التواصل الاجتماعي بقراءة كتب المكتبة الصغيرة. أمام هذا الإقبال يفكر أحمد في التوسع. “سأقوم قريباً بإضافة خزانة جديدة من أجل استيعاب عدد أكبر من الكتب، سواء القادمة من مكتبتي الشخصية، أو تلك التي يتطوع بها الزبائن من محبي القراءة”.

إشكال تدني القراءة
وتبقى مقهى المكتبة حدثا استثنائيا، خصوصاً في ظل معدلات القراءة المتدنية في الفضاءات العامة بالمغرب والعزوف عن مصاحبة الكتاب من لدن الشباب ممن تستهويهم التكنولوجيا وثقافة الصورة.
فحسب تقرير لـ “الوكالة الوطنية لمحاربة الأمية”، فتراجع المقروئية مرده أن 10 ملايين ما زالوا يعانون من الأمية في المغرب، أي حوالى ثلث سكان بلد يبلغ تعداد سكانه حسب إحصاء 2014 ما يقارب 34 مليونا.
وقد سبق لـ “شبكة المقاهي الثقافية في المغرب” ان أعلنت عن تنظيم الدورة الأولى لمبادرة تحمل اسم “ليالي المقاهي الثقافية”، وتهدف إلى عقد لقاءات وندوات بشراكة مع جمعيات ومقاهي ثقافية بعدد من المدن المغربية.
وكانت الشبكة التي تأسست عام 2015 قد أوصت على هامش أحد الأيام الدراسية بضرورة تأسيس مكتبات صغيرة في فضاء المقاهي، وإشراك القطاعات الحكومية المعنية، كوزارة الثقافة، في رعاية هذه المشاريع.
إلا أن المقاهي الثقافية بالمغرب تواجه العديد من الصعوبات مما يحول دون استمراريتها، من بينها عدم ملائمة هندسة هذه الفضاءات وخصوصيات الأنشطة الثقافية التي تحتضنها، فضلا عن الاعتماد على الإمكانيات الخاصة والفردية للمشرفين على تلك المقاهي، كحالة مقهى أحمد، دون أي متابعة ميدانية أو التوصل بمساعدات من الجهات المسؤولة.



