
الحرب على إيران: ما جوهر الخطة الأميركية.. وتكتيكاتها؟
كتب أدهم مناصرة*
بدأ اليوم الأول للحرب الأميركية- الإسرائيلية على إيران مليئاً بالأحداث الدراماتيكية والتصريحات والتهديدات، لكن كثيراً من تفاصيلها وسيناريوهات الساعات والأيام والأسابيع القادمة، بلا إجابة أو سياق واضحين.
سيرورة الحرب.. مرهونة بحسم النتائج!
وبعد رصد أبرز القراءات الإسرائيلية في الساعات الأخيرة، والتي أجمعت على أن الأمور ما زالت “غير واضحة”، وأنه بانتظار انقشاع الغبار ليتضح سير الحرب، وقالت القراءات العبرية ذاتها، إن حجم الخسائر الإيرانية في صفوف شخصيات فاعلة بالنظام وكذلك ترسانته، لم تتضح بعد، وأن تل أبيب بحاجة لوقت إضافي لتقدير الموقف، ولعلّ تصريح نتنياهو المسجل بشأن ترجيحه اغتيال شخصيات وازنة خلال قصف مقر المرشد الإيراني علي خامنئي، يؤشر إلى افتقاره حتى الآن لمعلومة استخباراتية “جازمة” بشأن نتائج الهجوم.
وقالت القناة “12” العبرية إنه من منظور إسرائيل، من المستحسن أن تستمر الحملة العسكرية لأكثر من أسبوع؛ لإتمام “معالجة” الأهداف المرسومة، لكنها أقرت في الوقت نفسه، أنه لا توجد يقينية بأن ذلك سيحدث؛ بدعوى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب ليس متحمسًا لصراع طويل، وقد يسعى الإيرانيون لتقليص خسائرهم، على حد تعبيرها.
رد إيران “مدروس.. ومتقطع”
وبالرغم من تأكيد مواقع عسكرية وأمنية في الدولة العبرية، أن إسرائيل ترغب بحرب لأقصر فترة ممكنة، وبما يحقق جميع أهدافها، إلا أن مراسلين عسكريين إسرائيليين، نوهوا في إفادات تلفزيونية وإذاعية، بأن تل أبيب استعدت هجومياً ودفاعياً، لمعركة تستمر لأسابيع.
لكنها نوهت بأن سرعة الرد الإيراني ونطاقه، كان “لافتاً”، وأن طهران بدت كأنها تتبع تكتيك “الرد المدروس والمتقطع”؛ لمحاولة استنفاد ذخيرة الدفاعات الجوية لأميركا وإسرائيل، وهو ما يُعرف بـِ “اقتصاد الصواريخ”، وذلك بهدف تمكينها من الاستمرار في إطلاقات صاروخية لأطول فترة ممكنة، وبما يخدم رغبتها بإطالة أمد المعركة.
* المدن
أميركا وإسرائيل استخدمتا القوة القصوى؟
بالرغم من إعلان الجيش الإسرائيلي عن أكبر طلعة هجومية في تاريخ سلاح الجو، بواقع 200 طائرة، للتعامل مع أكثر من 500 هدف في إيران خلال ساعات اليوم الأول للحرب، بينها دفاعات جوية ومنصات إطلاق صواريخ واغتيال شخصيات، إلا أن هذا لا يعني بالضرورة أن إسرائيل أو أميركا قد استخدمتا القوة النارية القصوى في الحرب حتى الآن، وفق ما نوهت إليه تلفزيونية عبرية في تغطيتها المستمرة لمجريات الحرب، وإنما قُصد به أن هذا العدد من الطائرات هو الأكبر على صعيد المشاركة في هجوم واحد، منذ تأسيس إسرائيل وسلاحها الجوي.
وبدا لافتاً ما صرح به رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بقوله إنه في “الأيام القادمة، سيُطلب منا التحلي بالقوة الذهنية”، فما الذي يعنيه بذلك؟
والحال أن ما انشغلت به وسائل إعلام عبرية، على نحوٍ أكبر، هو سؤال مفاده “لماذا بدت القوة النارية الأميركية في إيران، أقل مما كان متوقعاً؟”، بالنظر إلى حجم وزخم التحشيد العسكري غير المسبوق للولايات المتحدة في المنطقة.
تكتيكات الخطة الأميركية
وتباينت إجابات المحللين الإسرائيليين على شاشات التلفزة العبرية، فبعضهم تحدث عن تكتيكات تقوم عليها خطة الحرب لـِ “حسم أمر” إيران نهائياً، وأن الساعات والأيام القادمة ستحمل مفاجآت ما، فيما تحدث آخرون عن تكتيك أميركي لدراسة طبيعة التحركات الإيرانية، سواء تحت الأرض أو فوقها، وجعلها ضمن قائمة الأهداف اللاحقة. في حين، رأت تحليلات إسرائيلية أخرى أن طريقة التعاطي العسكري الأميركي والإسرائيلي وأيضاً الإيراني، تدفع إلى الاعتقاد بأن ما يجري لم يصل إلى “حرب مفتوحة” بعد؛ أي إنها لم تبلغ حتى اللحظة، مرحلة تكون فيه كل الوسائل والأهداف مباحة، كما أن كل الأطراف استخدمت جزءاً يسيراً من قوتها إلى الآن، بالرغم مما استُخدم من قوة نارية لا يُستهان بها في الساعات الماضية.
واستندت تحليلات عبرية في استنتاجها هذا، إلى أن الضربات الأميركية والإسرائيلية اقتصرت حتى الآن، على قيادات وبنىً عسكرية إيرانية، من دون استهداف واسع للبنى المدنية، كما أن الجمهورية الإسلامية لم تستعجل في الساعات الأولى مطارات وقواعد عسكرية إسرائيلية “استراتيجية” بصواريخ باليستية، وفق المزاعم العبرية.
أكثر من وصفة.. لإيران!
لكن باحثين في مراكز أمنية واستراتيجية في تل أبيب، أشاروا في أحاديثهم التلفزيونية ومقالاتهم، إلى أن الولايات المتحدة تعتمد في خطتها على أيام من الهجوم المكثف على إيران، ثم إيقافه مرحلياً، لتقييم نتائجه وتأثيراته على السلوك الإيراني، وبعد ذلك استئناف الهجوم مرة أخرى، إذا لم تقم طهران بـِ “الخضوع الكامل” للشروط الأميركية.. وتكرار ذلك حتى إنهاك النظام الإيراني، وفق اعتقاد واشنطن.
مع ذلك، أقرت أقلام عبرية أنّ لإيران وصفة خاصة للتحييد التام، وأن واشنطن وتل أبيب تدركان أن النظام الإيراني ليس سهلاً، وكوّن مؤسسية سلطوية عقائدية لا يُمكن كسرها بساعات وأيام قليلة، لكنهما تعولان على أكثر من سيناريو، بما فيه وقوع أحداث من الداخل، تساهم في بروز تيار معين من النظام، أكثر براغماتية وقبولاً بتحييد الجمهورية الإسلامية إقليمياً، أو جعله نظاماً ضعيفاً غير قادر على تشكيل “خطر وشيك ووجودي” وربما على نحو يجعله قابلاً للتآكل تراكمياً، ولو بعد حين!
بالعموم، تبدو هذه المعركة مع إيران مختلفة عن سابقاتها، سواء من حيث الأهداف والزخم والوسائل، وربما تداعياتها على عموم المنطقة، لكن أحدا لا يُمكنه حسم تصوره لسيرورة الأحداث ولا المفاجآت ولا النتائج، وربما ترامب ونتنياهو نفسهما، لا يُمكنهما ذلك الآن!



