الشيخ الجمري… لا يزال حاضرا – 8

بقلم: محمد حسن العرادي- البحرين

بعد أن تجاوزت مدة الاقامة الجبرية المفروضة على سماحة الشيخ الجمري رحمه الله ستة أشهر، قدر الله أن يهيء له من أمره رشداً، حين أعلن جلالة الملك المعظم عن عزمة إعادة العمل بنظام المجالس البلدية (ربما كان ذلك بمناسبة الاحتفال بالعيد الوطني 16 ديسمبر 1999)، ووجه إلى إعداد قانون بلدي جديد، تم إصداره لاحقاً بالمرسوم رقم 35 لسنة 2001، وذلك في 13 ديسمبر 2001، حينها تلقف سماحة الشيخ الجمري هذا التطور اللافت، وبادر إلى كتابة خطاب شكر وتقدير وتهنئة لجلالة الملك المعظم شاكراً لجلالته تلك الالتفاته الكريمة بعودة المجالس البلدية.

لم ينثن ولم يتوان ولم يتأفف من الحصار بل كان سماحة الشيخ عبد الأمير الجمري رحمه الله رجل المبادرات الذي يلتقط طرف الخيط، ويقرأ المشهد القادم الذي يراه بعين البصيرة، حين قدر أن انفراجة تلوح في الأفق القريب، فقام سماحته بالتشاور مع دائرته المقربة، وكانت الفكرة المطروحة غريبة بعض الشيء، كيف لرجلٍ محاصرٍ في بيته أكثر من 6 أشهر أن يفكر في إرسال خطاب شكر وتقدير وتهنئة لأمير البلاد وقد فُرضت عليه الإقامة الجبرية، لكن سماحته لم يجد في نفسه غضاضة من المبادرة ولا حرجاً من الطرق على الأبواب الموصدة في وجهة منذ سنوات.

قرر سماحة الشيخ الجمري رحمه الله مخاطبة رأس الدولة مباشرة واثقاً بأنه سيلاقي القبول الحسن من لدن جلالة الملك المعظم، وبعد أن أكمل إعداد وكتابة الخطاب، برزت مشكلة حقيقية أخرى حول آلية إيصال الخطاب للديوان الأميري، لم يكن الطريق إلى القصر يومها سالكاً بالنسبة إلى رجل صنف زعيماً للمعارضة، ولم تكن هناك قنوات وساطة مهيئة لنقل الخطاب، ودار النقاش بين الأخوة المعنيين في محيط سماحته، حول من يوصل الخطاب وما هي الآلية المناسبة، كان هذا ضرورياً تحسباً لتقدير ردات الفعل سواء من الشارع المحبط أو من قبل القصر والحكومة، وهكذا بقي خطاب الشكر والتقدير حبيساً في الأروقة لفترة من الوقت.

إتصل بي الأخ والصديق صادق الجمري، وكنا نتشاور دائماً، تفاكرنا حول الطريقة المناسبة لايصال خطاب شكر موجه لجلالة الملك المعظم، وحتى تلك اللحظة لم يكن أمامناً طريقا واضحاً لكيفية إيصال الخطاب، بعد النقاش وطرح البدائل، قررنا أن نأخذ طريقاً مختلفاً وأن نفكر خارج الصندوق، اتفقنا على أن هناك إمكانية لايصال الخطاب مباشرة وعبر طريق مختصر، أحضر صادق الخطاب، وتوافقنا على فتح قناة إتصال مباشر مع الدكتور حسن فخرو مستشار الأمير في ذلك الوقت، والذي كان يعقد مجلساً أسبوعياً في مكتبه “شركة أنتويل النفطية” الكائن في فندق الهوليداي إن ” كراون بلازا حالياً ” ظُهر كل يوم خميس يحضره عدد من المثقفين والشخصيات السياسية، اتفقنا على الخطوة وتحركنا فوراً باتجاه الفندق.

وصلنا إلى المنطقة الدبلوماسية قبل الساعة الثانية ظهراً بقليل، كان ذلك يوم الخميس 6 يناير 2000 الموافق 29 رمضان 1420، وفوراً قمنا بالاتصال بأحد الإخوة الأعزاء من الشخصيات الوطنية (شخصية وطنية لعبت دوراً هاماً في الانفتاح والتواصل بين قادة الحراك وجلالة الملك المعظم حفظه الله ورعاه، وسيأتي اليوم الذي يتم إنصافها والاعتراف بدورها الكبير) وكان صاحبنا يحرص على حضور مجلس المستشار بصورة منتظمة، وبعد أن تأكدنا من وجوده في المجلس طلبنا منه اللقاء في موقف السيارات الخاص بالفندق لشأن خاص.

لم يتأخر صاحبنا في الاستجابة، وبعد أن وجدنا في انتظاره فتبادلنا التحية والسلام، سألنا عن المطلوب، أخبرناه بوجود رسالة من سماحة الشيخ الجمري نريد إيصالها لسمو الأمير عن طريق الدكتور حسن فخرو، في هذه الأثناء إنفض المجلس وخرج الدكتور فخرو “بسيارته الجاكور الخضراء” من الفندق، أسقط في أيدينا وكادت الفرصة أن تضيع، لكننا طرحنا علي الشخصية الوطنية فكرة التواصل مع المستشار هاتفياً، رحب بالفكرة وطلب الاطلاع على الرسالة أولاً، فسلمها له الأخ صادق وبعد القراءة والاطمئنان، قام بالاتصال بالمستشار وفاتحه في موضوع الرساله وقدم له نبذه عن محتواها.

كانت الفكرة جديدة ومفاجئة للمستشار، فطلب مهلة بسيطة لاتخاذ القرار المناسب، وبعد فترة انتظار مقلقة رغم قصرها، أعاد المستشار الاتصال بصاحبنا الذي كان قلقاً كحالنا وربما أكثر منا لانه أصبح في الواجهة، لكن المستشار طلب منا توصيل الرسالة إلى منزله في منطقة عالي، وكانت تلك لحظة فرج حقيقي كنا في انتظارها، قدمنا الشكر والتقدير للأخ العزيز الذي خاطر بالاتصال بالمستشار، وغادرنا إلى منطقة عالي بدون تردد، عندما وصلنا إلى منزل المستشار كان حارس الفيلا في انتظارنا، فسلمناه الخطاب حسب التعليمات المتفق عليها، ولم نكن نعرف الوقت والطريق الذي ستسلكه الرسالة لتصل إلى جلالة الملك المعظم حفظه الله ورعاه.

كان من حُسن الطالع أن جلالة الملك المعظم سيسافر في ذلك اليوم الخميس 6 يناير 2000، في زيارة خاصة إلى الدوحة للقاء سمو الأمير حمد بن خليفة آل ثاني أمير دولة قطر (لم نكن على علم بالزيارة)، ويبدو أن المستشار قد سلم الرسالة لجلالة الملك المعظم أثناء هذه السفرة الخاصة، وقبل أن يعود جلالته إلى البحرين، كان الديوان الأميري قد إتصل بالأخ صادق الجمري، يبلغه بدعوة سماحة الشيخ عبدالأمير الجمري للسلام على أمير البلاد صباح اليوم التالي في مراسم عيد الفطر المبارك الذي صادف الجمعة 7 يناير 2000 وقد وصلت الدعوة المطبوعة فعلاً لبيت الشيخ مساء يوم الخميس، كان الشيخ الجمري وقتها لايزال تحت الاقامة الجبرية، لكن الأمر حسم، تلبية الدعوة الأميرية للسلام على سمو الأمير وتهنئته بعيد الفطر المبارك.

في صبيحة يوم الجمعة 7 يناير 2000 يوم عيد الفطر المبارك ، سارت سيارة الشيخ الجمري تقطع الشوارع بإتجاه قصر القضيبية تلاحقها عدد من سيارات المخابرات بين مصدق وغير مصدق بوجود دعوة أميرية للشيخ الجمري، وعندما وصل الجمري إلى قصر القضيبية ودلف مع أبنه صادق إلى قاعة الاستقبال، كان الجميع مندهشاً من المشهد، إلا أن جلالة الملك المعظم حفظه الله ورعاه بادر إلى إستقبال الشيخ عبد الأمير الجمري وإبنه استقبالاً حاراً وترحيباً خاصاً، وأجلس الشيخ الجمري قريباً منه، وكانت تلك نقطة تحول دراماتيكي ساهمت في إنهاء عزلة الشيخ الجمري ورفع الحصار عنه فيما بعد.

إنها لغة التخاطب عالية المستوى والمضمون بين أصحاب النفوس الكبيرة التي تعرف كيف تتجاوز الألم والخلافات، وتستلُ من رحم الظلام خيط ضوء ينير الطريق، يفسح الباب لفرج قريب ومستقبل أفضل، ويهيء الدرب للتغيير ولاجتراع المعجزات والتسويات، تلك كانت إحدى المبادرات التي أطلقها سماحة الشيخ الجمري رحمه الله لتصفية الخلافات، وقد قابلها جلالة الملك المعظم بمبادرة مماثلة موجهاً دعوة كريمة كسرت كافة أشكال البرتوكول المعتاد وجاءت بالشيخ الجمري من الأسر إلى القصر، مصداقاً لقوله تعالى
{وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا [النساء:86] وهكذا بدأ قطار التسوية في التحرك إلى المحطات التالية، فأسقط في أيدي المرجفين والمغرضين والمؤزمين أيا كانت هوياتهم ومواقعهم، وللحديث بقية..

أجواء برس

“أجواء” مجموعة من الإعلام العربي المحترف الملتزم بكلمة حرّة من دون مواربة، نجتمع على صدق التعبير والخبر الصحيح من مصدره، نعبّر عن رأينا ونحترم رأي الآخرين ضمن حدود أخلاقيات المهنة. “أجواء” الصحافة والإعلام، حقيقة الواقع في جريدة إلكترونية. نسعى لنكون مع الجميع في كل المواقف، من الحدث وما وراءه، على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى