
الفجوة المالية في لبنان… حين دُفعت الخسائر من جيوب المودعين
كتب منجد شريف
لم تكن «الفجوة المالية» في لبنان يومًا مجرّد مصطلح تقني أو محاسبي، بل تحوّلت إلى العنوان الأبرز لانهيار منظومة مالية كاملة، وإلى مرآة تعكس كيف جرى توزيع الخسائر بطريقة غير عادلة، كان المودعون في صلبها الحلقة الأضعف.
منذ اندلاع الأزمة، دار النقاش الرسمي حول حجم الفجوة بين التزامات الدولة ومصرف لبنان والمصارف من جهة، والأموال الفعلية المتبقية من جهة أخرى. إلا أن جوهر النقاش لم يكن حول كيفية إنقاذ المودعين، بل حول سؤال واحد: من سيتحمّل الخسارة؟
على الورق، تعددت السيناريوهات والخطط، وتغيّرت الأرقام من حكومة إلى أخرى، لكن في الواقع، جرى اعتماد مسار واحد ثابت: إدارة الخسائر بدل معالجتها. لم تُحسم المسؤوليات، ولم تُكتب الخسائر بشكل صريح في الميزانيات، بل تُركت لتُستوفى تدريجيًا من جيوب الناس عبر التضخم، وتعدد أسعار الصرف، والسحوبات القسرية.
الانقسام الأساسي تمحور حول تحميل الخسائر. الدولة تهرّبت من الاعتراف بمسؤوليتها، مصرف لبنان ألقى بثقل الأزمة على السياسات العامة، والمصارف تمسّكت بعدم المسّ برساميلها. في هذا المشهد، لم يبقَ سوى المودع كطرف عاجز عن الدفاع عن حقه، فكان الخيار الأسهل هو تحميله العبء الأكبر.
أما المودعون بالليرة اللبنانية، فكانوا الضحية الأكثر تجاهلًا. في كل النقاشات، انصبّ التركيز على الودائع بالدولار، بينما جرى التعامل مع ودائع الليرة وكأنها خارج أي التزام أخلاقي أو قانوني. هذه الودائع لم تُشطب بقرار رسمي، لكنها شُطبت فعليًا عبر انهيار سعر الصرف وتآكل القدرة الشرائية.
تم تسديد ودائع الليرة على سعر 1500 ليرة للدولار في مرحلة أولى، ثم على أسعار أقل بكثير من قيمتها الحقيقية لاحقًا، في وقت كانت فيه الأسعار ترتفع بشكل جنوني. النتيجة كانت واضحة: خسارة تفوق 90 في المئة من القيمة الفعلية لهذه الودائع، من دون أي اعتراف رسمي أو تعويض.
والأخطر في ما حصل، أن هذه الخسارة لم تُسجّل كـ«قصّ شعر» واضح، بل جرى تمريرها بصمت عبر التضخم. فالاعتراف بالخسارة كان سيعني فتح باب المحاسبة والمسؤوليات القانونية، لذلك اختير المسار الأسهل: تذويب الودائع بدل شطبها.
في الخطاب الرسمي، قيل للمودعين إن ودائعهم بالليرة «مضمونة». لكن الواقع كذّب هذا الادعاء. الليرة انهارت، والمدّخرات تبخّرت، والمودع دفع الثمن من دون قرار مكتوب أو قانون واضح. إنها مصادرة من نوع جديد: مصادرة بلا توقيع.
اليوم، وبعد سنوات على بداية الانهيار، لا تزال الفجوة المالية قائمة، ولم تُقفل لا حسابيًا ولا سياسيًا. ما جرى لم يكن خطأ تقنيًا، بل خيارًا سياسيًا واعيًا بإدارة الأزمة على حساب الناس، وتأجيل الانفجار الكامل على حساب حقوق المودعين.
إن أي حديث عن تعافٍ مالي حقيقي يبقى ناقصًا ما لم يبدأ بالاعتراف الصريح بالخسائر، وتحديد المسؤوليات، ووضع المودعين، ولا سيما المودعين بالليرة، في صلب أي خطة إنقاذ. فالأزمات قد تكون حتمية، لكن الظلم في توزيع خسائرها ليس قدرًا.



