
كسوف شمس السياسة في مصر… حين يختفي الوعي تحت ظلال المال
كتب ايهاب محمود
في لحظات مفصلية من تاريخ الأمم، تتقدم الشعوب إلى صناديق الاقتراع وهي حاملة هموم الوطن قبل هموم الأفراد، إلا أن المشهد الانتخابي في مصر خلال جولات انتخابات مجلس النواب الأخيرة بدا بعيدًا عن تلك الصورة التي يستحقها وطن بحجم مصر وتاريخها. فقد توزّعت العملية الانتخابية بين بدء وإعادة على مرحلتيها الأولى والثانية، لكن ما ظهر على السطح كان أكثر قسوة من مجرد ضعف إقبال… كان كسوفًا كاملًا لشمس السياسة المصرية.
من الميادين إلى اللجان، كان السؤال الأكثر حضورًا: أين الناس؟
لم يظهر الناخب بدافع الإيمان بالدولة أو المشاركة الوطنية، بل ظهرت الحاجة، وضغط الظروف الاقتصادية، ويد المال السياسي التي امتدت بلا مواربة. المال، هذا الغول الذي تمدّد حتى بات “مصّاص دم السياسة”، يحوّل العملية الانتخابية من ممارسة ديمقراطية إلى صفقة قائمة على مائتي جنيه أو «بون» يُسلّم مقابل صوت، وكأن صوت الإنسان صار وثيقة تُباع وتُشترى.
وبينما يقف المرشح الحقيقي، الوطني، الذي يرى في البرلمان منصة للتشريع وخدمة المواطنين، يفاجأ بوجوه مسحوقة بفعل الجوع والفقر، لا تطلب برنامجًا انتخابيًا، ولا تبحث عن رؤية، بل عن مساعدة عاجلة تعينها على يومها. هذه الصورة وحدها كفيلة بأن تُصيب أي مصري غيور بصدمة وخيبة أمل في مستقبل العمل السياسي.
ويبقى السؤال المؤلم: مَن الذي أعاد الآخر إلى الوراء؟ الشعب… أم النواب؟
الحقيقة أن الجناية مشتركة؛ فحين يعزف أصحاب الرأي والمعرفة والخبرة عن المشاركة، تُترك الساحة خاوية أمام من يحوّلون السياسة إلى تجارة، والتشريع إلى شركة استثمارية. وحين يمد الناخب يده ليأخذ ثمن صوته، فكأنه يمنح توقيعًا صامتًا على إعدام وعيه مقدمًا.
لقد شهدنا انتحار الرأي العام، لا من قِبَل فئة واحدة، بل من الطرفين: ناخب فقد الثقة فباع صوته، ونائب لا يعرف من السياسة سوى حسابات الربح والخسارة وتعويض ما أنفقه بطرق لا علاقة لها بتشريع أو دولة أو مستقبل.
بئس المصير… حين يتساوى من يشتري الصوت بمن يبيعه
لم أتخيّل يومًا أن أكتب كلمات تُشبه النعي على السياسة المصرية، بدلًا من أن أحتفل بمرحلة الجمهورية الجديدة وما تحمله من آمال. لكن ما جرى يستوجب المواجهة والاعتراف… فالأوطان لا تُبنى بالصمت، ولا تُنقذ بالإنكار.
ويبقى الأمل قائمًا في عودة الوعي، وفي لحظة يقرر فيها المصري أن صوته ليس سلعة، وأن البرلمان ليس مقعدًا للنفوذ، بل مسؤولية تُحاسب عليها الأجيال



