قد حان وقت المراجعة – 9

بقلم: محمد حسن العرادي – البحرين

لم تبق سوى أشهر معدودة على موعد الانتخابات النيابية والبلدية المقبلة في النصف الثاني من 2026، وقد حان الوقت للتواضع وإعادة النظر في طريقة تعاطي كل من المعارضة والحكومة مع هذا الملف المهم والحساس، المعارضة انسحبت من مجلس النواب منذ العام 2011، ثم رفضت التراجع عن موقفها، وبعد ذلك قاطعت الانتخابات عام 2014، 2018، 2022، معتبرة بأن الظروف غير مواتية للعودة إلى الحياة النيابية بسبب حالة الانسداد السياسي.

أما الحكومة فقد استغنت عن مشاركة المعارضة في تلك الانتخابات، وذهبت بعيداً في استصدار التشريعات التي تقطع عليها العودة، أو من خلال تقديم الجمعيات المقاطعة للمحاكمة واستصدار أحكام قضائية بحلها وإغلاق مقارها، ثم حرمت كوادرها وعناصرها وكل من انتمى إليها في يوم من الأيام، من حق الترشح ليس لمجلس النواب والمجالس البلدية فحسب، بل حتى لمجالس إدارات الجمعيات الأهلية ومؤسسات المجتمع المدني الاجتماعية والمهنية والثقافية وحتى المراكز الشبابية والأندية الرياضية.

لقد أضافت الحكومة لقرارات حل الجمعيات السياسية المعارضة، القيام بالتعديلات الدستورية التي مُنع بموجبها آلاف النشطاء من المشاركة السياسية والمدنية، وبالتالي أعاقت أي امكانية لحلحلة هذا الملف وتسويته، وهكذا أصبح كل طرف يتمسك بمواقفه ويتصلب بها، داعياً الطرف الآخر للتراجع عن موقفه، وما بين (الانكفاء النيابي) الذي مارسته فصائل وجمعيات المعارضة طيلة ثمان سنوات في الفترة (2011 – 2018) وبين (العزل السياسي) الذي فرضته الحكومة طيلة ثمان سنوات أيضاً في الفترة (2018 – 2025) تمر البلاد بامتحان صعب لتجاوز أعراض الإنسداد السياسي الصامت.

لقد آن الأوان أن يُراجع كل طرف مواقفه، ويعمل على السعي بإتجاه الطرف الآخر ليقابله في منتصف الطريق، وذلك يحتاج إلى شجاعة الإعتراف بالحاجة إلى المزيد من توحيد الصفوف وتجاوز عثرات وأخطاء الماضي وعناده أيضاً، وذلك يقتضي عدم التصلب دفاعاً عن تلك المواقف التي أصبحت في ذمة التاريخ، فالأوطان لا تبنى بالتمترس خلف المواقف المتشددة، مهما كنا نعتقد بصحتها، والشراكات والتسويات لا يمكن أن تتم بدون تبادل وتقديم التنازلات بين الشركاء وممارسة أقصى درجات المرونة وإبداء حسن النوايا تجاه الآخر الذي نختلف معه .

إن كل خطوة باتجاه الآخر تُقدِم عليها هذه الأطراف، يجب أن تكون محل ترحيب وتقدير من الأطراف الأخرى، ولم يعد من المناسب أن تستمر المماحكة السياسية والشعور بفائض القوة من طرف، و المراهنة على طول النفس وأطروحات (الصبر الإستراتيجي) من هذا الطرف الآخر، فالوطن يئن تحت ضغط الكثير من الملفات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، والمؤسسات التشريعية والبلدية أصبحت تتآكل وتُفّرغ من مضمونها وعناصر قوتها وتماسكها وتأثيرها، وذلك لن ينتهي إلى حل بدون التسويات المُرضية للجميع.

إنني أدعو الشخصيات الوطنية المستقلة البارزة وخاصة الوجهاء والأعيان إلى القيام بدور وساطة هادئ وبعيد عن الأضواء، يساهم في رتق الفتق الكبير الذي خلفته أحداث فبراير 2011 وما تلاها من تداعيات واصطفافات حتى يستريح الوطن، وتتوحد جهود أبنائه من أجل مواجهة التحديات القادمة وهي كثيرة، ليس أقلها مواجهة الدين العام المتنامي بشكل كبير وسريع، وتراجع أداء جمعيات ومؤسسات المجتمع المدني بسبب التضييق الذي تتعرض له، وتنامي أزمة الثقة التي أدت إلى صعوبة قيام القطاع الاهلي بمهامه بسبب تداعيات هذا الخلاف المستمر، إن المجتمع المدني للأسف أصبح أول ضحايا هذا التمترس السياسي باعتباره الخاصرة الرخوة، حين حُرم من إسهامات أغلب كوادره بسبب الإنكفاء النيابي والعزل السياسي.

إنه الوقت المناسب لاطلاق حوارات داخلية في أروقة الجمعيات المعارضة تقود لاتخاذ خطوات إيجابية لإنهاء فصول الانكفاء النيابي وذلك عبر البحث عن عناصر (بديلة) كفوءة ومهيئة لخوض الإنتخابات القادمة في 2026، علها تكون قادرة على معالجة الازمة والتوصل مع السلطة التنفيذية لآليات تعديل القوانين والتشريعات التي قننت العزل السياسي، كما أنه الوقت المناسب لتقوم الحكومة بخطوات إيجابيه تسهل من خلالها تعديل هذه القوانين المعيقة للمصالحة، ولتكن الخطوة الأولى تخفيف القيود على العناصر المحسوبة والقريبة من المعارضة وتسهيل إنخراطها في قيادة جمعيات ومؤسسات العمل الأهلي والمدني تمهيداً لاغلاق ملف العزل السياسي، والعودة لتفعيل المشروع الإصلاحي الذي أطلقه جلالة الملك المعظم حفظه الله ورعاه، لكن الحسابات قصيرة النظر ساهمت في تعطيله، والله من وراء القصد، وللحديث صلة.

أجواء برس

“أجواء” مجموعة من الإعلام العربي المحترف الملتزم بكلمة حرّة من دون مواربة، نجتمع على صدق التعبير والخبر الصحيح من مصدره، نعبّر عن رأينا ونحترم رأي الآخرين ضمن حدود أخلاقيات المهنة. “أجواء” الصحافة والإعلام، حقيقة الواقع في جريدة إلكترونية. نسعى لنكون مع الجميع في كل المواقف، من الحدث وما وراءه، على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى