
الأوضاع في سوريا بين مسار التسوية السياسية واستمرار التحديات الميدانية
مفاوضات الحل السياسي... هل تقترب سوريا من تسوية شاملة أم من إدارة طويلة الأمد للأزمة؟
كتب أحمد سمير
شهدت سوريا منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024 تحولاً جذرياً نحو مرحلة انتقالية بقيادة أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني، زعيم هيئة تحرير الشام – HTS)، يتواصل النزاع المسلح بشكل محدود، خاصة في شمال شرق البلاد مع قوات سوريا الديمقراطية (SDF) الكردية، إلى جانب توترات طائفية في الجنوب الغربي (مثل السويداء) وتهديدات مستمرة من تنظيم الدولة الإسلامية.
في نفس السياق نجد أن المشهد الميداني مرشحا للتصعيد، بين الحين والآخر، حيث تتنوع مناطق النفوذ،ما بين النظام السوري بدعم ، روسي- إيراني، قوات قسد في الشمال الشرقي، وفصائل المعارضة المدعومة من تركيا في الشمال الغربي.

على الجانب الآخر يعاني ملايين السوريين من تداعيات إنسانية كارثية، لنجد أن هناك أكثر من 16.7مليون سوري في احتياج إلى الحياتية والطبية، مع انعدام تام في اساسيات الحياة.
في المقابل، تتقدم المفاوضات السياسية والدبلوماسية ببطء، مدعومة بجهود الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، مع اتفاقات جزئية لدمج الفصائل (مثل اتفاق يناير 2026 مع SDF) وانتخابات غير مباشرة لمجلس الشعب، أما الوضع الإنساني في ظل كارثياً رغم بعض التحسن النسبي في الوصول إلى المناطق المتضررة، مع عودة أكثر من مليون لاجئ ونازح، لكن مع نقص حاد في التمويل والخدمات الأساسية،هذه الديناميكية تعكس توازناً دقيقاً بين الفرص التاريخية لإعادة البناء والمخاطر المستمرة للانقسام والفوضى.
في سياق متصل في الوقت نفسه، هناك زخم دبلوماسي متجدد: مؤتمر سلام دولي مجدول مبدئيا لمنتصف يونيو بدفع أميركي- روسي، واجتماع نواب وزراء خارجية روسيا وتركيا وسوريا وإيران في أستانة يوم 21 يونيو. لكن الميدان يقول عكس ذلك: البلاد عادت منذ مطلع 2026 إلى “دائرة جديدة من العنف”، مع مقتل ما لا يقل عن 1462 شخصا حتى بداية أيار/ مايو، بينهم 833 مدنيا، فيما تذكر تقارير عن توترات طائفية واعتداءات إسرائيلية متكررة تقوض الاستقرار الهش.

ما هي أبرز العقبات التي تواجه الوصول إلى حل سياسي شامل في سوريا؟
تكمن العقبة الرئيسية في تضارب المصالح بين الأطراف السورية والقوى الدولية والإقليمية المنخرطة في الملف السوري، فالحكومة السورية تسعى إلى تثبيت شرعيتها واستعادة السيطرة الكاملة على الأراضي السورية، بينما تتمسك بعض قوى المعارضة بمطالب تتعلق بالإصلاحات السياسية وتوسيع المشاركة في الحكم.
إضافة إلى ذلك، لا تزال المصالح المتعارضة للقوى الخارجية تمثل عاملًا معقدًا؛ إذ تنظر روسيا إلى سوريا باعتبارها نقطة ارتكاز استراتيجية في الشرق الأوسط، فيما تسعى الولايات المتحدة للحفاظ على نفوذها في مناطق محددة ومواصلة محاربة التنظيمات المتطرفة. كما تتابع تركيا الملف السوري من زاوية أمنها القومي وقضية الجماعات الكردية المسلحة، بينما تراقب إيران وإسرائيل التطورات من منظور التوازنات الأمنية والإقليمية.
هذه التداخلات تجعل أي تسوية سياسية رهينة لتفاهمات دولية أوسع تتجاوز حدود الأزمة السورية نفسها.
لماذا تتعثر المفاوضات السياسية رغم وجود مسارين متوازيين في جنيف والإستانة؟
تعثر المفاوضات: أجندة موحدة بلا ثقة
المشكلة ليست في غياب الطاولات بل في غياب الضمانات. اتفاقا 10 مارس و1 أبريل 2025 كانا يهدفان لدمج المكونات في إطار وطني، لكن التنفيذ تعثر وتراكمت التوترات حتى وصلت إلى مواجهة مسلحة في بداية 2026. الحكومة تقول إن اتفاق مارس هو “السبيل الوحيد” لاستعادة الوحدة، بينما تتهم قوات سوريا الديمقراطية بعدم الالتزام، في المقابل، تظهر مؤشرات على مسار تفاوضي جديد مع قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي بوساطة دولية، ما يعكس محاولة لتجاوز الجمود عبر قناة أمنية مباشرة.
هل يمكن للحكومة الانتقالية بقيادة الشرع تحقيق دمج حقيقي للفصائل المسلحة (مثل SDF) من دون إثارة نزاعات طائفية أو إقليمية جديدة؟
النزاع المسلح والمفاوضات: انخفض مستوى العنف المباشر إلى أدنى مستوياته في 15 عاماً بحلول مارس 2026، لكن الاشتباكات المحدودة في شمال شرق سوريا (مثل هجوم يناير 2026) أدت إلى اتفاقات ceasefire ودمج تدريجي لقوات SDF في الجيش والأجهزة الأمنية. هذه الخطوات إيجابية لكنها هشة، وتعتمد على تنفيذ ضمانات حقوقية وتعليمية للأكراد. المفاوضات السياسية مستمرة تحت رعاية الأمم المتحدة، مع التركيز على دستور انتقالي ومجلس تشريعي شامل، لكن التقدم بطيء بسبب التوترات الداخلية والخارجية.

هل يمكن أن يؤدي استمرار النزاع المسلح إلى إفشال المفاوضات السياسية؟
النزاع المسلح لا يوقف المفاوضات بالضرورة، لكنه يضعف فرص نجاحها ويؤخر تنفيذ أي اتفاق محتمل. فكل تصعيد عسكري جديد يعزز حالة انعدام الثقة بين الأطراف، ويجعل تقديم التنازلات السياسية أكثر صعوبة.
كما أن وجود جماعات مسلحة متعددة الولاءات والأهداف يضيف تعقيدًا إضافيًا، إذ إن بعض هذه الأطراف لا تشارك بشكل مباشر في العملية السياسية، ما يخلق احتمال استمرار العنف حتى في حال التوصل إلى تفاهمات بين القوى الرئيسية.
التجارب السابقة في سوريا أظهرت أن الهدن المؤقتة والاتفاقات الجزئية غالبًا ما تنهار بسبب غياب آليات رقابة فعالة وضمانات دولية ملزمة.
كيف تؤثر الديناميكيات الإقليمية والدولية (التركية- الروسية- الإيرانية- الأميركية) على مسار الحل السياسي؟
الديناميكيات الإقليمية والدولية: تلعب روسيا دور الوسيط الأكثر نفوذاً، لكنها تتحرك وفق مصالحها في الحفاظ على قاعدة طرطوس وعدم إضعاف النظام،إيران تواصل دعم الميليشيات وتوسيع نفوذها، مما يثير قلق إقليمي، تركيا تركز على ملف اللاجئين ومكافحة وحدات حماية الشعب الكردية، بينما تخفض أمريكا وجودها العسكري مع استمرار دعم قوات سوريا الديمقراطية شبه الرسمي،هذه المصالح المتضاربة تحول دون توافق دولي حقيقي حول الحل.
ما وزن اتفاق 10 مارس 2025 مع قوات سوريا الديمقراطية في حسابات 2026؟
ملف الشمال الشرقي: اختبار السيادة : دمشق تريد دولة مركزية، وقسد تريد ضمانات إدارية وثقافية الفشل في ترجمة اتفاق 2025 عمليا أعاد إنتاج الخوف الأمني، وهو ما يفسر ارتفاع عدد الضحايا المدنيين. المفاوضات الجارية الآن ليست سياسية فقط، بل أمنية بامتياز، وتجري تحت ضغط أميركي- روسي لإنجاح مؤتمر يونيو.

كيف يؤثر ملف إسرائيل، والحديث عن اتفاق أمني، على أولويات دمشق الداخلية؟
إسرائيل والاتفاق الأمني: أولوية مفاجئة:
وزير الخارجية أسعد الشيباني صرّح علنا أن دمشق تسعى لاتفاق أمني مع إسرائيل يحفظ سيادة البلدين ويرفض التطبيع المفروض بالقوة، مع اتهام إسرائيل بأعمال زعزعة منذ 8 ديسمبر 2024، والوساطة أميركية. وزير الإعلام حمزة مصطفى كرر مطلب انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها بعد ذلك التاريخ، تحليلات مراكز دراسات سورية تتوقع استمرار محاولات التفاهم السوري- الإسرائيلي في 2026، مع ميل حكومة نتنياهو لكسب الوقت عبر عمليات محدودة. هذا الملف يربك الداخل: كيف تتفاوض دمشق على الأمن مع تل أبيب بينما تواجه تمردا داخليا واتهامات بانتهاكات؟
يمكن فصل المسار الإنساني وعودة اللاجئين عن الحسابات العسكرية؟ الإنسان قبل السياسة؟ عودة اللاجئين في ظل الخطر.
أصدرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في حزيران/ يونيو 2026 تقريرا مفصلا عن وضع العائدين حتى 4 يونيو، العودة تحدث، لكنها تصطدم بواقع أمني هش واتهامات بنهب وحرق منازل وإعدامات تعسفية في بعض المناطق، هذا يخلق معضلة: المجتمع الدولي يريد تحسين الوضع الإنساني، لكنه لا يملك ضمانات حماية مستدامة من دون تسوية سياسية، لذلك، التحركات الإنسانية تظل “إسعافية” ما لم ترتبط بآلية مراقبة محايدة.
تغير في موازين القوى الإقليمية بعد خروج روسيا الجزئي من المعادلة القديمة؟
روسيا تتراجع، والآخرون يتقدمون: إلغاء اتفاقيات عهد الأسد وإعادة تموضع القواعد الروسية يشير إلى أن موسكو لم تعد الضامن الوحيد. الفراغ النسبي تملؤه تركيا وإيران عبر أستانا، والولايات المتحدة عبر وساطة الملف الإسرائيلي. النتيجة: تعدد رعاة، وتشتت أجندات، ما يجعل أي حل سياسي هشا ما لم يتوافق الرعاة على خارطة طريق واحدة.
كيف تؤثر الأوضاع الاقتصادية على مستقبل الأزمة السورية؟
أصبحت الأزمة الاقتصادية أحد أخطر التحديات التي تواجه سوريا اليوم. فالتضخم، وتراجع قيمة العملة، وارتفاع معدلات البطالة والفقر، كلها عوامل تزيد من معاناة السكان وتؤثر على الاستقرار الداخلي.
كما أن محدودية الاستثمارات وصعوبة إعادة الإعمار في ظل العقوبات الدولية تعرقل جهود التعافي الاقتصادي، ولذلك يرى العديد من المراقبين أن أي تسوية سياسية لن تكون مستدامة ما لم تترافق مع خطة اقتصادية شاملة لإعادة بناء المؤسسات والبنية التحتية وتحفيز النشاط الاقتصادي.
فالاستقرار الأمني وحده لا يكفي إذا لم ينعكس على حياة المواطنين ومستوى معيشتهم.

ما السيناريوات المحتملة لمستقبل الوضع السوري خلال المرحلة المقبلة؟
يمكن تصور ثلاثة سيناريوات رئيسية:
السيناريو الأول: تقدم تدريجي نحو التسوية السياسية ويتضمن تحقيق تفاهمات بين الأطراف السورية بدعم دولي وإقليمي، بما يؤدي إلى تخفيف التوترات وفتح الباب أمام إعادة الإعمار وتحسين الوضع الاقتصادي.
السيناريو الثاني: استمرار الوضع القائم وهو الأكثر ترجيحًا على المدى القريب، حيث تستمر المفاوضات دون اختراق حاسم، بالتزامن مع بقاء خطوط التماس العسكرية مستقرة نسبيًا واستمرار التحديات الإنسانية والاقتصادية.
السيناريو الثالث: عودة التصعيد الواسع ويحدث إذا انهارت التفاهمات الحالية أو تصاعدت الخلافات الإقليمية والدولية المرتبطة بالملف السوري، ما قد يؤدي إلى موجة جديدة من المواجهات العسكرية وعدم الاستقرار.
وفى نهاية الأمر تقف سوريا اليوم عند مفترق طرق حساس بين فرص التهدئة السياسية ومخاطر العودة إلى دوامة التصعيد، وبينما توفر المفاوضات نافذة أمل لإيجاد مخرج للأزمة، فإن تعقيدات المشهد الميداني وتشابك المصالح الدولية والإقليمية تجعل الوصول إلى حل نهائي مهمة شديدة الصعوبة، ومع ذلك، فإن استمرار الجهود السياسية والإنسانية يظل الخيار الأكثر واقعية لتقليل معاناة السوريين وتهيئة الظروف اللازمة لمرحلة جديدة من الاستقرار. ويبقى السؤال الأهم: هل تنجح الأطراف المعنية في تحويل التفاهمات السياسية إلى واقع عملي، أم أن سوريا ستبقى ساحة مفتوحة لإدارة الأزمة بدلًا من حلها؟



