قد حان وقت المراجعة – 8

بقلم: محمد حسن العرادي – البحرين

حالة من الاستعجال في إصدار المزيد من القوانين المقيدة للحريات في البحرين، لا تجد لها تفسيراً سوى التوجه إلى التضييق على مؤسسات المجتمع المدني، الأمر الذي سيؤدي إلى إفراغ هذه المؤسسات من كوادرها ومضمونها، ويحولها إلى مجرد واجهات فارغة وديكورات متهالكة، غير قادرة على القيام بأي دور يساعد المجتمع أو المؤسسات الرسمية في أداء مهامها، أو يعمل بمثابة الرديف والمراقب والضمير الذي يمثل المواطنين ويتلمس إحتياجاتهم ويعبر عن أوضاعهم.

يخطئ من يعتقد بأن الجمعيات ومؤسسات المجتمع المدني اختارت أن تخوض حرباً أو معارك كسر عظم مع المؤسسات الرسمية، أو الدخول في عمليات تحدٍ لها، فطبيعة العمل الأهلي عمل فطري مارسه إنسان هذه الأرض الطيبة منذ قرون، وينبع من قيم المساندة والمساعدة ضمن إطار عمل تطوعي غير ربحي، يضع المتطوعون فيه جهودهم وفكرهم، ويساهمون في سد بعض الثغرات التي لا تستطيع الجهات الرسمية الوفاء بها حيث انها مقيدة ببيروقراطية تتجاوزها الجمعيات الأهلية من خلال الثقة التي يمنحها الناس لها، بالاضافة إلى قدرة هذه المؤسسات التطوعية على سرعة الوصول للمشاكل المجتمعية ومعالجتها قبل أن تتفاقم، وربما تقديم التقارير الموثقة عنها ورفعها للجهات المعنية.

كما أن مؤسسات المجتمع الأهلي تلعب دوراً كبيراً في استيعاب طاقات الكثير من المتقاعدين الذين لديهم مخزون خبرات وتجارب حياتية وعملية كبيرة، وخرجوا على المعاش وهم لا يزالون يمتلكون من الطاقات ما يؤهلهم للمساعدة وتقديم العون، علاوة على المساهمة في شغل إحساسهم بالفراغ والعطالة، وتهيئة الفرصة أمامهم لاستخدام خبراتهم لخدمة بيئاتهم المجتمعية، فاذا تم الإغلاق أو التضييق على هذه الجمعيات والمؤسسات، فإن ذلك سيقود إلى خذلانهم ودفعهم للإنزلاق وربما تزايد معاناتهم من الأمراض وهذا سيشكل عبئ كبير على الخدمات الصحية والنفسية وغيرها، خاصة وأن أعداد المتقاعدين كبيرة جداً في الوقت الحاضر ( تقدر أعدادهم بأكثر من 150 ألف متقاعد ومتقاعدة) وستصبح كل هذه الأعداد عبئاً كبير على الدولة من جديد.

إن العمل الأهلي يحتاج إلى الاحتضان والتشجيع من قبل الدولة على كافة المستويات وأن يتحول إلى شريك حقيقي في خدمة المجتمع وتعزيز امنه واستقراره، ومن أجل ان يشعر المواطنين المتطوعين بأن عطائهم مقدر، وأنه لايزال أمامهم دور مؤثر ومهم لخدمة المجتمع، وفي نفس الوقت نيل التقدير الذي يستحقه، أما إذا إستمرت القوانين والقرارات تهطل كالمطر على رؤوس الجمعيات والمؤسسات الأهلية وضيق مساحة وحدية عملها، فإن الدولة ستخسر خبرات وجهود عشرات الآلاف من المتقاعدين الذين يشكلون في دول أخرى مصادر لا غنى عنها في الخبرة والاستشارة والرأي المسئول وليس عبئا على أسرهم ومجتمعهم، ولا يجدون من يتفهم قدراتهم وخبراتهم ليسهل الإيفاء بحاجاتهم أو شغل اوقاتهم.

إننا نهيب بالجهات المسؤولة في الدولة إلى التمهل والتريث والتشاور مع قادة العمل المدني، قبل الاستعجال في إصدار أو تطبيق المزيد من القوانين والأنظمة التي تعقد وتصعب العمل الأهلي، واذا كانت البحرين تزخر بالمؤسسات الأهلية الناشطة في جميع المجالات، الشبابية، النسائية، الاهلية، الخيرية، الأدبية والعلمية، وغيرها من المجالات فإن التضييق على المنتمين لهذا القطاع ستقود إلى غياب هذا القطاع المهم والمؤثر في المجتمع، وسينتج عن ذلك أعباء إضافية تقع على عاتق المؤسسات الرسمية المثقلة بالمسئوليات والمشاكل، والتي تعمل على ترشيد الانفاق والتخفيف من المسئوليات.

إن القطاع الأهلي من اهم القطاعات الفاعلة في مختلف دول العالم، وهو من اسمته الأمم المتحدة القطاع الثالث السريع في عملية التنمية المجتمعية، ويتم اللجوء اليه للمساهمة في خلق الوظائف واستيعاب الفائض من القوى العاملة، كما يجري دعم الجمعيات والمؤسسات العاملة في هذا القطاع للتحول إلى مؤسسات غير ربحية قادرة على تخفيف الأعباء المعيشية عن كثير من الأسر، كما تفعل الآن الجمعيات الخيرية في البحرين، بالاضافة إلى النجاحات الكبيرة التي تحققها مختلف جمعيات المجتمع المدني التي تمثل البحرين في مختلف المحافل الدولية بنجاح وتفوق، وللحديث صلة.

أجواء برس

“أجواء” مجموعة من الإعلام العربي المحترف الملتزم بكلمة حرّة من دون مواربة، نجتمع على صدق التعبير والخبر الصحيح من مصدره، نعبّر عن رأينا ونحترم رأي الآخرين ضمن حدود أخلاقيات المهنة. “أجواء” الصحافة والإعلام، حقيقة الواقع في جريدة إلكترونية. نسعى لنكون مع الجميع في كل المواقف، من الحدث وما وراءه، على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى