هل نصلي صلاة الميت على أمة العرب؟

كتب عيسى سيار

“واإسلاماه” تلك الكلمة التي نطقتها ذات يوم امرأة مسلمة وهي جلنار زوجة السلطان المملوكي سيف الدين قطز- حاكم مصر آنذاك- قبل استشهادها وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة خلال معركة عين جالوت، تلك الكلمة التي الهبت السلطان قطز ونهض وهو يصرخ الله أكبر… واإسلاماه، فتحمس المسلمون واشتدوا في قتالهم ضد التتار حتى هزموهم هزيمة منكرة في معركة خلدها التاريخ بحروف من نور.

لقد كان لهذه الكلمة وقع السحر على جيش المسلمين وجعلته ينتفض ويجهز على جيش التتار الأكثر عدة وعددا، حيث كان الجميع يردد وراء السلطان قطز الله أكبر واإسلاماه.
لقد ارتكب الصهاينة كل الجرائم المنصوص عليها وغير المنصوص عليها في مواثيق الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية ومحكمة الجنايات الدولية، وعاثوا في غزة دمارا وفسادا، ولم نر حتى تاريخه إجراء عمليا واحدا وفعالا من قبل أي دولة أو منظمة يوقف جرائم الكيان، ولا حتى من النظام الرسمي العالمي أو العربي، ولم يبق إلا أن تقوم عصابة الكيان بحرق المسجد الأقصى المبارك للمرة الثانية! ولست واثقا بأن الأمتين العربية والإسلامية ستتخذان إجراءات عملية وفعالة ضد الكيان وداعميه إن تم ذلك.
إن العالم برمته يرى الدمار والتجويع والتعطيش الممنهج الذي يرتكبه العالم بحق أهلنا بغزة جهارا نهارا، والحكام والشعوب العربية تسمع صرخات مئات الزوجات والأمهات الثكالي والأطفال الجوعى… واإسلاماه واعرباه واجوعاه واعطشاه، ولا يرتعش لهم جفن او ولا حتى ترمش عين للحكام العرب والمسلمين! وكما قال الشاعر العراقي مظفر النواب: “تتحرك دكة غسل الموتى، أما أنتم فلا تتحرك لكم قصبة!” وهنا تساءلت كما تساءل ملايين العرب الشرفاء أين الحكام العرب والمسلمين مما يجري في غزة؟ وقد تجردت من حياديتي البحثية وأنا أشعر ببركان يثور في صدري من شدة الغضب كما هو حال أهل غزة، والألم يعتصرني دار بخلدي وبكثير من الحسرة والألم نشيدا خالدا كنا نردده فى المرحلة الابتدائية في الستينات من القرن الماضي:
بلاد العرب أوطاني
من الشام لبغداد
ومن نجد إلى يمن
إلى مصر فتطوان … الخ.
منذ قيام عملية طوفان الأقصى البطولية والحرب الصهيونية المتوحشة على غزة اجتمعت 56 دولة عربية واسلامية مرتين في الرياض في قمة مشتركة،  وأيضا قمتين عربيتين خالصتين، ولم يستطيعوا إدخال حتى كسرة خبز إلى غزة الأبية، نعم كسرة خبز الا بموافقة الكيان الصهيواميركي المجرم!، هذه الدول التي تملك جيوشا جرارة وعتادا يفوق ما يمتلكه الكيان بعشرات المرات، ورغم ذلك اكتفت بالبيانات التي لا تساوي قيمة الحبر الذي كتبت به! لم يمر بالامتين العربية والإسلامية ذل وهوان كما يحصل الآن؟

وهنا يتساءل ملايين العرب: لماذا لا تحرك صرخات وأنين الأمهات الثكالى والأطفال الجوعى والكهول العاجزين الأنظمة العربية والإسلامية لاتخاذ خطوات عملية لإنقاذ أهلنا فى غزة من الموت جوعا؟ لماذا لم نعد نرى حاكما عربيا قادرا على اتخاذ مواقف تحفظ وتصون الكرامة العربية، كما فعلها فى مواقف مفصلية من تاريخ الأمة كل من الزعيمان الخالدين جمال عبدالناصر والملك فيصل بن عبدالعزيز آل سعود رحمهما الله!؟ أين علماء الأمة (رجال الدين) من هذه الغمة؟ أينهم من هذه الآية الكريمة “إنما يخشى الله من عباده العلماء”؟ هل لم تعد فلسطين قضية وجودية بالنسبة الى النظام الرسمي العربي وعلمائه؟ لماذا اكتفت الشعوب العربية بتحركات خجولة لا تسمن ولا تغني من جوع، بينما الشعوب في الغرب تتحرك في الشارع بشكل يومي وتضغط على حكوماتها؟ هل الخلل يكمن في القيادات الفلسطينية، حيث الانقسام الافقي والرأسي بين الفلسطينين؟

هذه التساؤلات وغيرها تحتاج إلى مقالات تحليلية عديدة لتسليط الضوء عليها، ولكن يمكنني- وهي وجهة نظري- أن أجمل وأوجز للأسباب التي جعلت الأنظمة العربية والشعوب العربية والمثقفين العرب تكتفي بتصريحات وتحركات خجولة:
1. بالنسبة الى الأنظمة الإسلامية والعربية، معظمها تضع مصالحها الداخلية فوق مصلحة ما يجري في غزة، حيث أهمية استقرار نظام الحكم أو وضعية الحزب الحاكم من جهة، ومصالحها وعلاقاتها الخارجية من جهة أخرى، متمثلة في أهمية عدم الصدام المباشر مع أميركا حليفة ومظلة الكيان الصهيوني في السراء والضراء، او الاتحاد الأوروبي العنصري، حيث ترتبط معظم الدول العربية بمصالح استراتيجية وأمنية معهم إلا من رحم ربي.
2. بالنسبة الى الشعوب العربية، فهي تبدي تعاطفا شديدا مع القضية الفلسطينية، خصوصا في لحظات التصعيد، كما يجري حاليا، لكن هذا التعاطف يظل عاطفيا انفعاليا وغير ممنهج، ولا يتعدى الشعارات والخطب والمهرجانات والحملات الإلكترونية، ولا يوجد أي فعل ملموس على أرض الواقع ولا تحركات ضاغطة على الأنظمة الرسمية، وهذا يرجع في تقديري، إلى ما يمارسه رجال الدين الحكوميين من حث الناس على ضرورة عدم الخروج عن طاعة ولاة الأمر من جهة، ومن جهة أخرى صناعة التخويف التي تمارسها معظم الأنظمة العربية على شعوبها مثل فزاعة الإخوان المسلمين والمد الشيعي المؤدلج، وأن الفلسطينيين لا يعرفون مصلحتهم وهم منقسمون على أنفسهم، وقد بذلنا ما يكفي للقضية الفلسطينية وكفى، كل هذا يجعل أي تحرك ملموس وفعال مع خطاب المقاومة، محل ريبة وشك وتخوين من قبل النظام الرسمي.
3. أما بالنسبة الى النخب العربية، وفي ظل انكفاء المد القومي واليسار العربي أمام تمدد الاسلام السياسي السني والشيعي، فقد وجدت نفسها في وضع غير القادر على احداث أي حراك فاعل على أرض الواقع، سوى الكتابات والوقفات التضامنية، والبيانات وغيرها من أدوات الضغط الناعمة، وعادة ما يكون تأثيرها على الوعي المجتمعي محدودا وأيضا على صاحب القرار.
في ظل هذه الظروف غير المسبوقة والتي يعيشها العالم العربي شعوبا وحكاما، هل نصلي صلاة الميت على الأمة العربية؟ أم هناك مجال للقيام بعملية إنعاش لعل وعسى؟
وهنا يطرح هذا التساؤل المفصلي نفسه: هل نصلي صلاة الميت على أمة العرب؟ اعتقد بأن الظروف التى تمر به الأمة العربية من ذل وهوان وخنوع غير مسبوقة، ولكن هذا لايعني بأن الأمة العربية قد ماتت طبيعيا او حتى سريريا، حيث أن الشعوب العربية مازالت حية، قد تكون مرضت او أصابها عارضا صحيا ولكنها لم تمت، لذا يمكننا القول للنظام الرسمي العربي كما قال الشاعر أبو القاسم الشابي “حذار فتحت الرماد اللهيب” أو كما يقال قد يكون الهدوء الذي يسبق العاصفة والتي إن ضربت فلن تبقي ولن تذر، لذا يتوجب على قادة النظام الرسمي العربي وعلماء الأمة إتخاذ مواقف متقدمة، والاستحابة لنداء أهل غزة واإسلاماه وااعرباه وااجوعاه وااعطشاه قبل خراب بصرة كما يقال، “وأن تأتي متأخرا أفضل من أن لا تأتي” قبل أن تقام صلاة الميت على أمة العرب؟
فمن يرفع الشراع؟
* باحث وأكاديمي بحريني

ملاحظة: حقوق المقال محفوظة للكاتب من يرغب في إعادة نشر المقال له الشكر ولكن من دون إضافة او تعديل.

أجواء برس

“أجواء” مجموعة من الإعلام العربي المحترف الملتزم بكلمة حرّة من دون مواربة، نجتمع على صدق التعبير والخبر الصحيح من مصدره، نعبّر عن رأينا ونحترم رأي الآخرين ضمن حدود أخلاقيات المهنة. “أجواء” الصحافة والإعلام، حقيقة الواقع في جريدة إلكترونية. نسعى لنكون مع الجميع في كل المواقف، من الحدث وما وراءه، على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى