يوم الأربعاء الأسود في عراد – 3

بقلم محمد حسن العرادي – البحرين

في لحظات الخوف والقلق تزداد الحيرة في النفوس، وينقطع الأمل والرجاء سوى من رحمة الله، تشعر بمعنى وقيمة نعمة الأمن والأمان والاستقرار، وتذرف دمعة حارة على أولئك الذين هُدمت بيوتهم ومدنهم على رؤسهم، وقطع عنهم الماء والدواء والغذاء في قطاع غزة المحاصر منذ سنين، بل وأُلقِيت عليهم آلاف الأطنان من المتفجرات الأمريكية والصواريخ القاتلة طيلة 15 شهراً متواصلة من الصمت الدولي المريب، تتسائل بلوعة قلب وحزن يملاء الدنيا، كيف بهم وهم يعيشون في العراء يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، يَهِيمون على وجوههم لا يلوون على شيء، يبحثون عن أجساد أبنائهم فلا يجدون حتى أشلائهم، حتى أن بعض الأسر مُسحت من السجل المدني، بعض الفلسطينيون كان يجلس إلى جانب البيوت المدمرة يستمع إلى صوت أنين ضعيف لمن حوصروا تحت الأنقاض من الأبناء والأحبة، يعيشون معهم اللحظات الأخيرة من الحياة قبل أن تصَعَد أرواحهم إلى بارئهم، وتنفذ أصواتهم ينقطع أنينهم وأنفاسهم بسبب عدم وجود الآليات المناسبة لإنقاذهم، والأدوات والجرافات لازاحة هذا الركام الهائل الذي أطبق عليهم حتى اللحظة الأخيرة، تخيلت كل ذلك، وعايشت شيئاً من المأساة وأنا أتابع رجال الدفاع المدني وهم يعملون بهمة على إزالة أنقاض بيت عمي المدمر، يستخدمون أيديهم العارية من أية أدوات مناسبة، يبحثون بين الأنقاض عن بارقة أمل لإنقاذ من يعتقدون بأنه لايزال عالقاً تحت البيت المهدم، أنفاس الجميع محبوسة وهم يترقبون وينتظرون الأخبار في إنتظار أن يُعلن عن إنقاذ أحد ما من سكان المنزل المنهار.

في تلك الأجواء المشحونة بالتوتر والتوجس، تقشعر الأبدان وترتجف من سماع تلك الأخبار التي بدأ الجميع يتناقلها، هناك أشخاص أحياء، تقطعت بُهم السبل داخل صالون الحلاقة، بعض الأنباء تقول بأنهم أكثر من ثلاثة أشخاص، همهمات أخرى تقول بأنهم الحلاق وأحد الزبائن فقط، وما بين الروايات تتصاعد المطالبات بالعمل على إخراجهم من الصالون الذي لا يزال جزء من سقفه مستنداً على جدار مجاور، لكن رجال الدفاع المدني يحذرون الجميع ويطلبون منهم الابتعاد عن الموقع مخافة إنهيار تلك الجدران، بعين دامعة وقلب مروع، إقترب مني شاب من الحي القريب السكني في مجمع 240، همس لي أن أحد أقاربه موجود في صالون الحلاقة، مواطن بحريني من عائلة الأحمد في الستينات من عمره، إعتاد الحلاقة في هذا الصالون، وصل إلى المكان برفقة أحد من أهله، طلب منه أن يتركه ويعود إليه بعد نصف ساعة أو أكثر، وبعد قليل من دخوله الصالون، إنهار المبنى بأكمله وإنحشر الرجل في الداخل، وكأن المنية كانت تسوقه إلى حيث حتفه.

حالة الحزن الشديد التي رأيتها في عين قريب الرجل البحريني المحجوز بداخل الصالون دفعتني للبحث عن مخرج، تكلمت مع إبن عمي المسؤول عن البيت المنهار، واتفقنا على تقديم إقتراح بعمل فتحة في الجدار الملاصق للصالون من البيت المجاور، وحين تقدمنا بالفكرة لأحد ضباط الأمن المشاركين في التعامل مع الحدث، رحب على الفور وانتقل إلى رجال الدفاع المدني يعرضها عليهم، لكن مسؤول الدفاع المدني أخبرنا بأن تنفيذ الفكرة غير أمن، مع احتمالية إنهيار ما تبقى من جدران البيت، بعد قليل أخبرنا رجل آخر من الدفاع المدني بأنه تمكن من الدخول للصالون واستطاع إنتشال عامل الصالون (حلاق آسيوي إسمه شيمول جاندار شل رحمه الله) لكن الرجل فارق الحياة بعد قليل من إنقاذه بسبب نزيف داخلي، وأضاف بأن الحلاق أبلغه بوجود رجل بحريني، لكنه محجوز تحت الردم والركام ولا يستطيع التحرك، ثم أوضح بأن الأمل في خروجه على قيد الحياة أصبح شبه مستحيل.

عدت أدراجي إلى نسيب الرجل البحريني المحتجز داخل الصالون وأخبرته بما سمعته، هالةٌ من الحزن والأسى تعلوا وجهه وتعابيره بدأت تتغير، كان يتحدث إلى شخص آخر من عائلته، عندما أخبرته بأن فرص إنقاذ نسيبه قد باتت شبه معدومه حسب رجال الدفاع المدني، لكن الرجلان اتفقا على كتمان الألم والحزن بداخلهما وعدم إبلاغ العائلة حتى يتأكدوا من الخبر بشكل يقيني، بقي الرجلان يراقبان المشهد، ويتابعان جهود رجال الدفاع المدني حتى أمكن استخراج الجثمان قبيل أذان الفجر بقليل، كان ذلك حوالي الساعة الرابعة صباحاً، عندها تأكد خبر وفاة (المواطن البحريني الحاج علي عبدالله الأحمد رحمه الله) ، وكان يقطن في إسكان مدينة عراد وتعود أصوله إلى مدينة الحد المجاورة لعراد، انتشر الخبر الحزين سريعاً وتمت مراسم دفن المرحوم الأحمد في مقبرة الحد بعد ظهر يوم الخميس الموافقة 13 فبراير 2025، بينما قامت جمعية قرية عراد الخيرية ومركز تمكين شباب عراد بنشر تعزيتين منفصلين لكل من الفقيدين الراحلين، وكانت تلك أعظم خسارة لنا في هذا الحادث الأليم.

لقد عَمَّ الحزنُ كافة أرجاء قرية عراد، ودون مبالغة شعرنا بأن الراحلين (العامل الآسيوي شيمول والبحريني الحاج علي الأحمد) كانا من أهلنا، وأننا إفتقدناهما، لقد تعامل أغلبنا مع الحلاق الآسيوي، وكان مثالاً للطيبة والأخلاق العالية، لم نسمع بأنه إختلف أو إشتبك مع أحد من أبناء القرية أو أطفالها، وكان محبوباً ومشهوراً بابتسامته الجميله، أما الحاج علي عبدالله الأحمد رحمه الله فلقد عرفه الكثير من أبناء القرية وعرفوا أقاربه من عائلة الزياني الكريمه، وتذكروه بكثير من الدعاء له بالرحمة والمغفره، وهكذا كانت العلاقات بين أهالي القرية وجيرانهم القاطنين في مختلف المجمعات السكانية، قائمة على المودة والمحبة، وكثير ما تشاركنا في المناسبات الإجتماعية وتبادلنا الزيارات في الأفراح والأتراح، وهذا هو حال أهل البحرين لا تفرق بينهم المذاهب والأعراق، بل يلتقون على التواصل والمحبة الدائمة، وخاصة في الأزمات والأحداث والأزمات والكوارث، وللقصة بقية.

أجواء برس

“أجواء” مجموعة من الإعلام العربي المحترف الملتزم بكلمة حرّة من دون مواربة، نجتمع على صدق التعبير والخبر الصحيح من مصدره، نعبّر عن رأينا ونحترم رأي الآخرين ضمن حدود أخلاقيات المهنة. “أجواء” الصحافة والإعلام، حقيقة الواقع في جريدة إلكترونية. نسعى لنكون مع الجميع في كل المواقف، من الحدث وما وراءه، على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى