الجمعيات التعاونية في البحرين… مسيرة ومصير – 4

كتب محمد حسن العرادي
في بلد تنتشر فيه أسواق الهايبرماركت والسوبرماركت بشكل هائل، وجميعها تحقق الأرباح وتخلق فرص العمل للعمالة الوافدة بشكل أساسي، قد يكون مستغرباً جداً أن تفشل أسواق الجمعيات التعاونية، رغم ما تمتلكه من رصيد جماهيري كبير، وبيئة اجتماعية حاضنة ترتكز على المواطنين بشكل أساس، الأمر الذي يطرح تساؤلات مشروعة عن الأسباب التي تقف وراء ذلك، هل هي لانخفاض القدرة الشرائية لدى المواطنين بسبب كثرة المتقاعدين وانتشار البطالة، أم سوء إدارة هذه الأسواق من قبل القائمين عليها، أم أن أسبابا أخرى تقف خلف هذه الاخفاقات.

وعلى سبيل المثال فإن جمعية مدينة عيسى التعاونية الاستهلاكية وهي أقدم الجمعيات تضم أكثر من 6000 عضواً، لكنها اضطرت للتنازل عن أسواقها للقطاع الخاص قبل أكثر من عقدين من الزمن، واكتفت بإدارة محطة خدمات البنزين وإدارة بعض الاستثمارات العقارية المضمونة، فما هو السبب الذي جعلها تتنازل عن هذا الدور لصالح شركات خاصة، لقد تعرضنا للمنافسة الشديدة التي عانت منها هذه الجمعية وغيرها من التعاونيات والتي أدت إلى خروجها من السوق تباعاً، لكننا نتساءل عن أسباب غياب الدور الحكومي في توفير الحماية الوطنية والدعم اللوجستي لهذه الجمعيات.

ودون شك فإن نجاح الجمعيات التعاونية في العودة إلى تفعيل وتشغيل أسواقها الاستهلاكية، سوف يساهم في خلق المزيد من فرص العمل لأبناء الوطن، الأمر الذي يبرر دعوتنا لتوفير الحماية والدعم اللازم لهذه الجمعيات، خاصة إذا عرفنا إن كل جمعية تستطيع توفير أكثر من 100 فرصة عمل جيدة للمواطنين، ومع ارتفاع عدد الجمعيات التعاونية إلى عشر جمعيات فقط، فإننا نتكلم عن أكثر من 1000 فرصة عمل يمكنها توفير حياة طيبة لآلاف الأسرة البحرينية.

إننا ننادي باعادة النظر في هذا التراخي الذي مارسته مجالس إدارات الجمعيات التعاونية التي استسهلت عملية تأجير مقارها لشركات القطاع الخاص، كما نطالب بالتفكير في منح هذه الجمعيات الحق في تأسيس شركات خاصة تابعة لها تُدار بعقلية تجارية تنافسية مهنية وليس عقلية العمل التطوعي، على أن تكون هذه الإدارات منفصلة ومستقلة تماماً عن إدارات الجمعيات.

ان عدداً من الجمعيات التعاونية تمتلك ميزانيات كبيرة نسبيا، تسمح لها بالاستثمار المنفرد أو الدخول في شراكات مربحة لو تم تعديل صلاحياتها القانونية، وعلى سبيل المثال فان رأس مال جمعية مدينة عيسى التعاونية يتجاوز 3 مليون دينار، وتستطيع هذه الجمعية وربما غيرها تأسيس شركات خاصة بها لإدارة أسواقها لحسابها، بحيث تعود عليها بالأرباح الممتازة، وفي ذات الوقت تساهم في خلق فرص عمل جيدة للمواطنين، مع عدم فرض أية شروط أو حدود مناطقية لعمل الشركات التابعة للجمعيات، بمعنى السماح لها بالاستثمار خارج منطقة عملها بحرية تامة.

من جهة أخرى، تستطيع الجمعيات التعاونية تأسيس مراكز خدمات مهنية متعددة من خلال استخراج سجلات تجارية منفصلة مملوكة لها، تدار من قبل فرق إدارية وأجهزة تنفيذية يتم إختيارها بعناية حسب الشروط التنافسية التي تضمن تحقيق الربحية والتنافس، بما في ذلك السماح للجمعيات بافتتاح مراكز طبية ومدارس ورياض أطفال ومحلات تصليح وصيانة السيارات، والمغاسل وسلسلة البقالات الصغيرة في مختلف المناطق البحرينية.

من جهة أخرى، هناك حاجة لتغيير السلوك الاستهلاكي لأعضاء هذه الجمعيات، فإذا كانت كل جمعية تضم آلافاً من الأعضاء فانهم لوحدهم قادرون على تشكيل حاضنة تسويقية كافية لتشغيل وإنجاح أسواق هذه الجمعيات، وعلى سبيل المثال فان وجود 6000 عضو منتظم في جمعية مدينة عيسى التعاونية يعني أن أسواق هذه الجمعية تستطيع تحقيق متوسط مشتريات تقدر بأكثر من مليون دينار شهريا مع متوسط 175 دينار مشتريات لكل عائلة.

إنها دعوة لاعادة تفعيل أسواق الجمعيات التعاونية، من أجل إحياء هذه الجمعيات التي تشكل ضمان للأمن الغذائي الوطني، بدل وضع ذلك في أيدي الشركات التي يسيطر عليها غالباً المال الأجنبي والعمالة الأجنبية، مع ما يمكن أن يشكله ذلك من فرص جديدة لفتح محلات مكملة لعمل الجمعيات التعاونية، وللحديث تتمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى