
القوى الناعمة والشائعات
كتبت د. شيرين العدوي
شهدت العلاقات الدولية تحولا جوهرياً في العقود الأخيرة، فلم تعد تقاس القوة بالقدرات العسكرية والاقتصادية الصارمة؛ بل برز مفهوم جلي جديد ألا وهو: «القوة الناعمة» كبعد حيوي مؤثر في تشكيل المشهد العالمي، لا سيما في ظل التطور التكنولوجي المتسارع، وثورة المعلومات. فما مفهوم القوة الناعمة؟ وكيف تعزز الوعي؟ وتوجه الرأي العام لتفنيد ظاهرة الشائعات والمعلومات المضللة التي باتت تهدد استقرار المجتمعات وأمنها القومي؟!
فرق جوزيف ناي الأستاذ في العلوم السياسية بجامعة هارفارد في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي بين القوة الناعمة والقوة الصلبة، حيث أوضح أن القوة الصلبة تعتمد على الإكراه سواء كان عسكرياً أو سياسيا، أما القوة الناعمة فتعتمد على الجذب والإقناع من دون اللجوء إلى التهديد أو الدفع المادي، وأن جوهرها ينبع من جاذبية ثقافة البلد ومثله السياسية وقيمه. هذه الجاذبية تمكّن الدولة من الحصول على النتائج التي ترغب فيها في السياسة العالمية؛ لأن الدول الأخرى التي تعجب بقيمها وتطمح إلى مستوى ازدهارها وانفتاحها ترغب في اتباعها.
وتعتمد القوة الناعمة من وجهة نظر ناي على ثلاثة موارد أساسية هي:
– الثقافة: وتشمل الثقافة العالمية مثل (الأدب، والفن، والتعليم)، ومعها الثقافة الشعبية مثل (الأفلام، والموسيقى، والرياضة). ولا بد من التركيز عند عرضها على الأماكن والأوقات التي يتم بها جذب الجمهور.
– القيم السياسية: عندما تطبقها الدولة بإخلاص في الداخل والخارج، مثل الديمقراطية، وحقوق الإنسان، وإتاحة الفرص الفردية. تصبح الدولة نموذجا يحتذى به
– السياسة الخارجية: عندما يراها الآخرون مشروعة وذات سلطة أخلاقية.
ويرى ناي أن الإغراء دائما أكثر فاعلية من الإكراه، فالقوة الناعمة لا تفرض السلوك؛ بل تشكل تفضيلات الآخرين وتجعلهم يرغبون في تحقيق الأهداف المشتركة، هذا التمييز جوهري في فهم فاعلياتها في بيئة المعلومات الراهنة؛ حيث أن الإذعان الطوعي ينتج من الجاذبية الثقافية والقيمية، ويضمن استدامة التأثير ومقاومة السرديات المضادة. فالجمهور الذي ينجذب إلى قيم ومؤسسات معينة سيكون أقل عرضة لتصديق المعلومات المضللة، وأكثر استعداداً لتقبل المعلومات الموثوقة من المصادر التي يثق بها. فيتكون لديه مناعة داخلية ذاتية ضد الأكاذيب.
أما عن مكونات القوة الناعمة وأدواتها الرئيسية فهي: الثقافة والفنون والرياضة والتعليم بأشكالهم. القوة الناعمة في العلاقات الدولية المعاصرة، ففي عالم يتميز بتزايد الترابط العابر للحدود الدولية في ظل تحديات الأوبئة، وتغير المناخ والأزمات الاقتصادية أصبحت القوة الناعمة ضرورة حتمية لتعزيز التعاون الدولي، فالقوة الصلبة وحدها في هذا المناخ تكون مكلفة وغير فاعلة في حل القضايا التي تتطلب توافقا عالميا. وقد أدركت الصين أهمية القوة الناعمة مع بداية القرن الحادي والعشرين فاستخدمتها لتصبح لاعباً رئيساً في العالم.
هذا التطور أكد ذكاء استخدام القوة الناعمة بالتركيز على الجذب والإقناع. وتجاوز التحديات ليصبح التعاون التطوعي المدفوع بالقيم المشتركة والمصالح المتوافقة ركيزة الاستقرار العالمي، وتحدي الشائعات والمعلومات المضللة في العصر الرقمي. وتظل القوة الناعمة في المواقف الصعبة لاعباً أساسياً من عدة استراتيجيات متعددة الأوجه منها إعادة بناء الثقة في المؤسسات. وتعزيز التفكير النقدي لدى الأفراد. والخطاب الإعلامي الصادق الذي يحمل الصدق في تقبل الرأي والرأي المخالف والخروج بنقطة التقاء تمد جسور البناء لا الهدم.



