
إضاءة على أسباب قصور أو فشل عضلة القلب في زمن الإنهيار الإقتصادي والمعيشي
أجواء برس
بقلم د. طلال حمود
مقالة كتبتها منذ بضع سنوات لمناسبة الحملة الوطنية التي اطلقتها وزارة الصحة اللبنانية من أجل التوعية حول “مرض قصور” أو “ضعف أو فشل عضلة القلب” بالتعاون مع الجمعية اللبنانية لأمراض القلب، والتي امتدّت يومها لفترة شهر . وأيضاً لمناسبة إنعقاد مؤتمر مهمّ جداً حول هذا الموضوع في تلك الفترة في مستشفى اوتيل ديو بحضور اهم الخبراء العالميين والوطنيّين (المحلّيّين) في هذا المجال.
وكلها نشاطات كانت تهدف الى توعية اللبنانيين عامةً، ومرضى القلب خاصةً والتثقيف المُستمر لأطباء القلب واطباء الصحة العامة والطوارئ وغيرهم من الأطباء الذين يهتمّون بهكذا مرضى، حول “مرض قصور عضلة القلب”، الذي يُعتبر من أهم أمراض القلب تعقيداً بسبب تسببّه لإعراض خطيرة من أهمها ضيق التنفس والإحتقان الرئوي احياناً، والتعب عند الإجهاد وتورّم البطن والكبد والساقين والأوداج والى الدخول المُتكرّر الى المستشفى تحديداً بسبب حالات الإحتقان الرئوي وإضطرابات كهرباء القلب والموت المفاجئ احياناً، وحتماً عند تقُّدم مراحل هذا المرض، الذي يؤدّي للأسف للوفاة السريعة عند المرضى الذين يصلون الى مراحل مُتقدّمة من هذا المرض والذين لا يُمكن دوماً إنقاذهم لأن احد العلاجات المُمكنة تكمن اما في اللجوء الى زراعة القلب الطبيعي وهو ما لا يمكن اللجوء اليه بسهولة في لبنان بسبب ندرة المتبرّعين والغياب الشبه كامل لثقافة وهب الأعضاء في المجتمع اللبناني، وايضاً بسبب الكلفة الباهظة لهكذا عمليات (تتراوح كلفتها في أوروبا واميركا بين 100 الى 150 ألف دولار اميركي تقريباً في البداية، مع كلفة إضافية سنوية تبلغ حوالى 20 الف دولار اميركي للأدوية التي تُستعمل لكبح جهاز المناعة لمنع مهاجمة ورفض القلب المزروع من قِبل جهاز المناعة بعد عملية الزرع).
وقد يكون الحلّ ايضاً في إستعمال “القلب الإصطناعي الكامل” أو “أجهزة مساندة القلب” الصناعية وهي وسائل متطوّرة وكانت متوفّرة في لبنان ما قبل الأزمة الإقتصادية المالية المعيشية الذي ادّت الى الإنهيارات التي يعرفها الجميع منذ سنتين تقريباً.
لكن هذه العمليات هي أيضاً مُكلفة جداً (تتراوح كلفتها حوالي 50 الى 100 ألف دولار حسب نوع الجهاز المُستعمل. ولا أعتقد أن أحد المرضى في لبنان حالياً قادر على تغطية كلفتها ناهيك عن المشكلات التي تُعاني منها وزارة الصحة والضمان الإجتماعي وغيرها من المؤسسات الضامنة والشركات التي كانت تستورد هكذا معدات ومستلزمات طبية بعد انهيار سعر صرف الليرة اللبنانية أمام الدولار، ووضع قيود هائلة من قِبل مصرف لبنان امام استيراد هذه الأجهزة ومستلزمات أخرى ضرورية من الخارج بالعملة الصعبة، وخاصة أيضاً مع الوصع المُتردّي جداً الذي وصلت إليه المستشفيات في لبنان والقطاع الإستشفائي في شكلٍ عام مع هجرة الأطباء والممرضين الأكفّاء وأزمات المازوت والكهرباء والسيولة وفقدان أنواع كثيرة من الأدوية الأساسية وأدوية الأمراض المُزمنة.
ونحن نعرف أن عمليات زراعة القلب أو إستعمال القلب الإصطناعي تحتاج إلى مستلزمات وأدوية مرتفعة الثمن وغير متوفرة بسهولة في لبنان في الظروف العادية، فكيف بنا إذا ما تكلّمنا عن الظروف الحالية التي زادت من تفاقمها في شكلٍ خطير أزمة “جائحة كورونا” التي بدأت بالإنتشار والتفافم منذ تشرين اول 2019 في الصين أولاً، ومن ثم في مختلف بلاد العالم وتسببت بخسائر هائلة في الإقتصاد العالمي، إضافة الى حصدها لأرواح أكثر من 4,3 مليون نسمة حتى تاريخ كتابة هذه المقالة.
لكل تلك الأسباب ومن منطلق التوعية والتصويب على اهم المشكلات الطبية والصحية في لبنان وفي ظل كل الظروف التي ذكرتها سابقاً وجدت أنّ من واجبي المساهمة على طريقتي في تسليط الضوء على اسباب هذا المرض الخطير لما لذلك من أهمية قصوى لتشخيص المرض ولإيجاد العلاجات المناسبة لاحقاً في أوضاع إقتصادية ومعيشية قاهرة يعيشها وطننا العزيز لبنان. ولذلك قررت اليوم ان أعاود نشر المقالة بحلّة جديدة بعد تطويرها وتحديثها خاصة وان جائحة كورونا التي تلاحقنا منذ أكثر من ثلاثة سنوات منعتني من الإستمرار في مسيرة التثقيف المستمر والتوعية الدائمة لمرضى القلب وللمواطنين العاديين في شكلٍ عام حول خطورة واهمية هذا المرض، الذي سأسلّط الضوء في هذه المقالة على أسبابه، على ان اوافيكم لاحقاً بمقالة كاملة تُعالج تعريف هذا المرض واعراضه وطُرق تشخيصه وعلاجه والوقاية منه.
ومن المُمكن وفي شكل موجز جداً تلخيص أهم أسباب قصور عضلة القلب على الشكل التالي:
١-الإصابات الناتجة عن مرض تصلّب الشرايين التاجية للقلب (Coronary artery disease) اي الذبحات القلبية وإنسداد الشرايين التاجية المزمن، مما يؤدّي الى ضعف عضلة القلب التي تتغذى بهذه الشرايين. هذا السبب يُشكّل لوحده 70 بالمئة من الحالات في لبنان وفي معظم الدول المتقدّمة. ونتكلّم عن قصور عضلة القلب عندما تُصبح قوة ضخ عضلة الأيسر Left Ventricular Ejection Fraction :LVEF اقل من 40 بالمئة بدل 60 الى 65 بالمئة وهو المؤشر الطبيعي الذي نراه عند المرضى العاديين.
٢- مشكلات صمامات القلب (Valvular diseases) وخاصة إنسداد او تهريب الصمّامين التاجي او الأبهر وهي اسباب نراها عند حوالي 5 بالمئة من الحالات، وتزداد تدريجياً مع التقدّم بالسنّ بسبب ترهّل الصمامات مع العمر. وكانت في السابق اكثر إنتشاراً عند الصغار والشباب بسبب الإلتهابات التي كانت تُصيب صمامات القلب نتيجة الحمَى الرثوية التي انحصرت كثيراً في معظم البدان مع ظهور المضادات الحيوية.
٣- امراض عضلة القلب الحادة او المزمنة (Cardiomyopthies) وهي قد تكون على شكل تَوسّع او تضخّم في هذه العضلة (Dilated or (hypertrophic cardiomyopathy او على شكل ترشّح او غزو لعضلة القلب بمواد مُعينة مما يؤدي الى ضعفها (Restrictive (cardiomyopathy نتيجة خلل في إنقباض العضلة بسبب هذه المواد. واحياناً قد تكون هناك إصابات وامراض في عضلة القلب ناتجة عن عوامل وراثية. هذه الأسباب نراها موجودة عند حوالي 10 الي 20 بالمئة من الحالات.
٤- مرض ارتفاع الضغط الشرياني المزمن (Hypertension) الذي يؤدي الى توسّع وتضخّم في عضلة القلب وهو كما نعرف مرض رائج جداً ويُسيب حوالي 20 الى 30 بالمئة من المواطنين وقد يؤدّي الى إصابة العضلة وتدهور قوة إنقباضها في حال عدم علاجه بشكل فعّال.
٥- مرض السكري المزمن ( Dibetes mellitus) لأن هذا المرض خطير جدا على القلب ويؤدّي الى إصابة الشرايين التاجية الكبيرة ولإصابة الشعيرات الشريانية الصغيرة مما يُضعف عضلة القلب على المدى البعيد لأسباب مُتعددة ومعروفة جداً لدى اطباء القلب.
٦- بعض امراض او إضطربات كهرباء القلب وخاصة مشكلات الرجفان الأذيني المُزمن ( Chronic atrial fibrillation) الذي يؤدي الى توسّع غُرف القلب وخلل في قوة إنقباض القلب الأيسر على المدى البعيد.
٧- التعرّض للعلاج الكيماوي او للعلاج بواسطة الأشعة نتيج الإصابة بمرض سرطاني مُعيّن . ذلك لأن الجرعات الكبيرة من هذه الأدوية او للإشعات تتسبب بضرر او تلف او تليّف او موت خلايا عضلة القلب ولذلك يجب مُراقبة هؤلاء المرضى في شكل مُشدّد خلال كل فترة العلاج وبعدها.
٨- الأمراض والتشوّهات الخلقية
بأمراض القلب (Congenital heart disease)، وهنا تبدأ الأعراض في سنٍّ مُبكر وقد تبدأ عند الولادة وفي الطفولة او الشباب. وهي خطيرة لأن علاجاتها مُعقًدة جداً وقد تستدعي احياناً كثيرة اللجوء الى الجراحة او الى زراعة القلب.
٩- التسمُّم المُزمن بالكحول او المُخدّرات، لأن ذلك يؤدي إلى التلف التدريجي لخلايا عضلة القلب مما يؤدي لاحقاً الى قصور عضلة القلب.
١٠- أسباب أخرى نادرة مثل التهابات عضلة القلب الفيروسية ( مثل فيروس الأيدز وفيروس كورونا الذي ظهر أخَيراً وغيرها)، او الالتهابات المزمنة في غشاء القلب مع تكوّن غشاء تليّفي شديد وضاغط حول القلب، أو مرض إرتفاع الضغط الرئوي المُزمن الناتج عن جلطات رئوية مُتكررة او عن تناول بعض الأدوية التي كانت تُستعمل سابقاً من أجل تخفيف الوزن أو التنحيف، وقد تمّ سحبها من الأسواق منذ فترة في معظم الدول بعد أن اكتشف الأطباء ضررها.
وفي معرض الحديث عن “فيروس كورونا” فقد ذكرت في عدّة مقالات سابقة كيف أن فيروس كورنا يُصيب القلب بإصابات مباشرة وغير مباشرة قد تكون خطيرة، وقد تُوصل المريض الى حالة قصور القلب في بعض الحالات الحرجة وقد تكون سبب الوفاة عند عدد كبير من المرضى وكيف ان بعضهم قد يحتاج الى أجهزة مساندة القلب الإصطناعية المكلفة جداً والتي سوف نخصّص لها مقال خاص.
* طبيب قلب تدخُّلي- رئيس جمعية عطاء بلا حدود ومُنسق ملتقى حوار وعطاء بلا حدود

