
ومن اللقافة … ما قتل- 1
كتب محمد حسن العرادي
سأل أحدهم شاباً خلوقاً مؤدباً، هل حصلت على وظيفة مناسبة، أجابه الشاب نعم، أعاد الرجل السؤال وهل إشتغلت بشهادتك أم بدون الشهادة، أجاب الشاب المؤدب بل بشهادتي والحمد لله، واصل الرجل إستجوابه المقزز، وكم تحصل من راتب، أحس الشاب الخلوق بضيق شديد، وحاول التهرب قائلاً، مرتبي هو ما قسمه الله لي وأنا راضٍ بقسمته والحمد لله، إستمر الرجل في محاصرة الشاب بالأسئلة قائلاً ولكن هذه الوظيفة قد لا تناسب شهادتك الجامعية، فلماذا لا تبحث عن وظيفة أفضل، نظر الشاب الى السماء برهة ثم حول نظره الى الرجل، تمتم بحمد الله ثم قال له وهل لديك وظيفة تناسبني، أو تعرف وظيفة مضمونة أفضل تدلني عليها، إنتبه الرجل لأسئلته المزعجة ورسم على وجهه إبتسامة بلهاء عبرت عن حيرته وحرجه، ثم قال الله يوفقك، فلماذا يلجأ البعض لطرح هذا النوع من الأسئلة التحقيرية الاستفزازية؟
عاد الشاب الى بيت أهله متضايقاً حزيناً منزعجاً بشده، فلاحظ والده عليه ذلك، لكنه لم يسأله عن سبب الحزن والأسى، بل تركه يُعالج أمور حياته بنفسه، فقد عوده على تحمل المسؤولية، وأن يبادر هو بالحديث عما يزعجه أو يفكر فيه حين يكون مستعداً ، مر يومان من الصمت والسكون وفي اليوم الثالث، بدى بأن الشاب قد استوعب الصدمة وتجاوز الأزمة، وعلى طاولة الطعام بادر العائلة بالحديث عن الموقف الذي تعرض له وأزعجه، متحاشياً ذكر إسم الرجل الذي إستجوبه واستفزه ، لم يوجه كلامه لوالده مباشرة، خيمت لحظة من الصمت بدون تعليق، حينها بادر الوالد الى سؤال إبنه … هل سمعت بالمثل القائل “ومن الحب ما قتل” إستغرب الشاب من التعليق لكنه أومأ براسه بالموافقه مبتسماً، فقال الأب، عليك أن تعتبر ذلك نوعاً من الحب الذي يقتل صاحبه، وربما الغيرة التي تقتل صاحبها، وربما نوعاً من اللقافة التي تقتل صاحبها.
اعتدل الشاب في جلسته مقابل والده قائلاً، لقد كان بامكاني إحراجه والرد عليه بأسئلة مقابلة عن راتبه التقاعدي والعلاوات التي يحصل علبها، ثم أسئله عن مرتبات أولاده وكيف حصلوا على وظائفهم وهل أن زوجاتهم تساهم معهم في مصاريف الزوجية، لكنني إتبعت نصيحتك وتذكرتك تقول لي “طول رقبتك” فتمهلت في الرد وجعلت الكلام موزوناً وغير مؤذٍ للآخرين، إبتسم الأب إبتسامة رضا وقال لولده، يابني كما تدين تدان، فاذا تساميت على الأذى وتغلبت على الانفعال، فإنك حتماً ستتمكن من تجاوز هذا النوع من الملقوفين، وكن على ثقة بأن من سألك هذه الأسئلة البائسة يعرف بانه مخطئ، فادعو له بالهداية والشفاء من اللقافة، فمن اللقافة ما قتل.


