قد حان وقت المراجعة – 19
بقلم محمد حسن العرادي – البحرين
قال أحد الحقوقيون المعارضون المقيمون في الخارج إن مقاطعة الانتخابات البرلمانية منذ العام 2014 لم ينتج عنها العزل السياسي للمعارضين في البحرين فحسب، بل ساهم في حصار المعارضة في الخارج وقطع الكثير من علاقاتها واتصالاتها مع المؤسسات والبرلمانات والساسة الأوربيين، وأضاف أن الرسالة وصلتهم مبكراً بأن مقاطعة الانتخابات تعني توقف العلاقات والإجتماعات الرسمية معكم، وهو ما يعني عزلاً سياسياً خارجياً أيضا مؤثراً وموجعاً.
وبطبيعة الحال فإن ما قاله هذا الحقوقي ينسحب تماماً على الكثير من الساحات الأوربية والأمريكية، حيث أوقفت أغلب المؤسسات والحكومات الأوربية أي نوع من التعاطف أو التواصل مع المعارضة البحرينية في الخارج، ووصل الأمر إلى ملاحقة بعض الكوادر السياسية المنتمية لجسد المعارضة في بعض العواصم الأوربية ومحاكمة وسجن بعضهم، لكن المكابرة لاتزال تسيطر على تصرفات وتحليلات ومواقف الكثير من المعارضين في الداخل والخارج بدعوى أن السلطة السياسية في البخرين في مأزق شديد، وأن المعارضة لاتريد أن تمنحها مخرجاً شرعياً ينهي أزمتها السياسية الخانقة في تصورهم، بينما الواقع يقول بأن المعارضة هي من يعيش الأزمة السياسية وغير قادر على الخروج منها منذ عقد ونصف من الزمن.
وبينما تتراجع حظوظ ومستويات الحضور السياسي للمعارضة البحرينية في داخل البلاد وخارجها، يتجاهل كثيرون النداءات المتكررة الموجهة إليهم والناصحة لهم بأهمية التراجع عن تلك القرارات والخطوات الخاطئة بل والكارثية التي اتخذوها بالانسحاب من مجلس النواب والمجالس البلدية في 2010، إثر خديعة الربيع العربي المزعوم، ومن ثم مقاطعة الانتخابات العامة التالية بشقيها النيابي والبلدي حتى الآن، ولا يزال البعض يصر على أن سبب إنسداد الأفق السياسي هو قانون العزل السياسي الذي صدر بقانون رقم 25 لسنة 2018 بتعديل المادة 3 من المرسوم رقم 14 لسنة 2002 بشأن ممارسة الحقوق السياسية، ذلك التعديل الذي نشر في الجريدة الرسمية واصبح ساري المفعول منذ 10 يونيو 2018، بناء على قرار تبناه مجلس النواب في دور الانعقاد الرابع (2014 – 2018)، ورغم معارضتنا لهذا القانون ومطالبتنا المستمرة بالغائه تمشيا مع مواد الدستور التي تحفظ حقوق الموطنة الكاملة لكل المواطنين، إلا انني اعتقد أن بالامكان التعايش مع القرار والاستمرار في ممارسة العمل السياسي والمجتمعي.
ويتذكر المهتمون بالشأن السياسي ما تسرب من أنباء عن اجتماعات وزير الخارجية الأميركي الأسبق جون كيري مع المعارضة البحرينية، وأنه قد أبلغ مندوبيهم في موقف أمريكي وأوربي حاسم، بأن عدم المشاركة في الإنتخابات النيابية أو مقاطعتها عام 2014، سيعني توقف التعامل الرسمي الأمريكي والأوربي معهم، وهو ما حدث فعلاً ولايزال القرار مستمراً وفاعلاً، لكن البعض لايزال يتعلق بوهم الإنتصار والقدرة على إحراج السلطات وكشف إنخفاض شعبيتها من خلال إطلاق وادارات حملات اعلامية تتبنى شعارات المقاطعة بدون أفق، في حين أن قطار العمل النيابي ماضٍ ومستمر ومتواصل بدون إنقطاع وقريباً في العام 2026 يكمل المجلس دور إنعقاده السادس بالتمام والكمال بالمواصفات المناسبة والمقبولة محلياً، إقليمياً ودولياَ، ولا عزاء للمقاطعين.
فمتى يفيق صاحب القرار أو أصحاب القرار السياسي في فصائل المعارضة ويتراجعون عن موقف المقاطعة، وتتم العودة للمشاركة الفاعلة من خلال البحث عن بدائل مناسبة للنواب السابقين والشخصيات والكوادر النشطة المعزولة سياسياً بمرشحين جدد لم يطالهم قرار المنع والعزل السياسي، مرشحون أكفاء قادرون على خلق الفرص والأجواء لاستعادة التوازن السياسي في البلاد والبدء في إصلاح ما تسببت فيه أزمة فبراير 2011 من فقدان الثقة وتقليص الصلاحيات الدستورية لمجلس النواب.
وفي الختام نقول إن على المعارضة أن تعالج نصف العزل السياسي قبل أن تصبح أمام مشكلة عزل سياسي كامل وشامل، ذلك أن القانون رقم 25 لسنة 2025 قد حرم المعزولين سياسياً من حق الترشح وأبقى لهم حق الانتخاب، الذي يستطيعون توظيفه لتعديل التوازن داخل مجلس النواب والمجالس البلدية، ولا يمكن القول إن جميع المعزولين سياسياً يرغبون في الترشح للإنتخابات لكنهم محرومون من حقوقهم السياسية، وقد حان الوقت للاستفادة من هذه الجزئية من أجل النزول عن الشجرة التي بقيت المعارضة متمسكة بها ومتعلقة على أغصانها قبل أن تنكسر بهم هذه الأغصان أو تميل الى ما لايحمد عقباه، فإلى متى ستبقى المعارضة البحرينية في انتظار الحل السحري الذي لم يأتي ولن يأتي والذي يسميه البعض مصالحة أو تسوية سياسية،
والله من وراء القصد، وللحديث صلة.



