الإنعتاق من قيود جمعية الوفاق

بقلم محمد حسن العرادي – البحرين

بكل ما لديها من قوة ونفوذ تقود جمعية الوفاق الوطني الاسلاميه (تم حلها مع جمعيتين سياسيتين بأحكام قضائية) معركة مقاطعة الانتخابات التشريعية الحالية، وتمارس الوفاق أقصى درجات الضغط والتحذير والتشكيك من خلال حملات إعلامية وسياسية منسقة ومنظمة بشكل مهني ملحوظ.

وبالإضافة إلى الحملة الاعلامية والسياسية التي يشارك فيها أغلب كوادر جمعية الوفاق الموجودون بالخارج، (تتركز الحملة في برامج قناة اللؤلؤة الفضائية ومجلة مرآة البحرين الإلكترونية وأخيراً أضيفت برامج حوارية تحريضية عبر تويتر )، فقد لجأ تيار الوفاق إلى الاعتماد على بث خطاب ديني تحريضي عال المستوى تمثل في الخطابات والتصريحات والبيانات والتغريدات التي يطلقها سماحة الشيخ عيسى قاسم محذراً من نتائج المشاركة في هذه الانتخابات الكارثية من وجهة نظره، وداعياً إلى مقاطعتها بلغة واضحة وصريحة.

وعلاوة على ذلك فإن عدداً من الشخصيات المحسوبة على المعارضة السياسية المتواجدة في دول المنفى والإغتراب مارست الكثير من التهويل والضرب تحت الحزام، بل إن بعضها استسهل التخوين بزملاء وأصدقاء ورفاق درب كانوا حتى الأمس القريب محسوبين على تيارات المعارضة أو متعاطفين معها، فتم استخدام كلمات حادة، وربما جارحة، بحق المرشحين والعاملين في فرقهم الانتخابية، واشتدت النبرة التخوينية حين انزلق الأمر إلى اتهامات بالارتزاق ومغادرة المبادئ والطعن في الاخلاق والتشكيك في النوايا، وطال ذلك عدداً من أصحاب مواقع التواصل الاجتماعية والحسابات الاعلامية التي تعاملت بشكل مهني مع الحدث الانتخابي، ونشرت بعض الأخبار والإعلانات الخاصة بالمرشحين.

وفي ظل هذه الأجواء المتوترة انتقل تأثير التحريض إلى الساحة الشعبية وتحول إلى أفعال عنيفه وتخريبية طالت عدداً من اللوحات الاعلانية والدعائية وألحقت بها أضراراً مادية ومعنوية جسيمة، وكان من بين ذلك حرق العديد من الاعلانات الانتخابية وتمزيق غيرها في ظاهرة احتجاج عنيفة غير مبررة، وقد ألحق ذلك الكثير من الخسائر المالية المادية والمعنوية لأصحاب تلك الإعلانات وأجبرتهم على استبدالها وربما تغيير مواقعها أكثر من مرة في مشهد تراجيدي حزين.

ولم يقتصر الأمر على التمزيق والحرق والتخريب بل تجاوز ذلك إلى كيل تهم التخوين والعمالة والتطبيع لعدد من المرشحين من دون تقديم أي دليل على هذه الاتهامات الخطيرة التي من شأنها الاساءة للمرشحين وأهاليهم وكل من يناصرهم أو يقف الى جانبهم، لمجرد الاختلاف في الرأي والموقف السياسي، وجاءت الشعارات التحريضية التي طرحتها حملة الوفاق الممنهجة لتشكل أرضية خصبة للتحريض وشحن الشارع وتوتره بردات الفعل.

وكان من أهم الشعارات التي إنتشرت بشكل كبير على وسائل التواصل الاجتماعي حملة بعنوان #بصوتك_تطبع (اي أن كل من يشارك بالتصويت في هذه الانتخابات سيتم احتسابه ضمن المطبعين مع الصهاينة) وهو اتهام له نتائج عكسية غير مدروسة – فإذا أعلنت نسب المشاركة التي يتوقع أن لا تقل عن 50% كيف ستتعامل الوفاق مع كل هؤلاء المصوتين بعد ان صنفتهم في خانة المطبعين، وبالمقابل كيف ستكون ردة فعلهم تجاه الجمعية – لقد استغلت الوفاق تعاطف المواطنين البحرينيين الكبير مع القضية الفلسطينية وربط بشكل غير موفق بين الانتخابات والتطبيع، ولم يعرف عن جمعية الوفاق أنها اطلقت حملات إعلامية وسياسية منسقة لمناصرة القضية الفلسطينية من قبل،

ويرى بعض المراقبين بأن الربط بين الدعوة لمقاطعة الانتخابات ونصرة القضية الفلسطينية لم يكن موفقاً أو بريئاً أو مبرراً أبداً، مشككين في كونه موقفاً سياسيا مبدئياً.

وعلى المقلب الآخر بدى أن كل هذه الضغوط السياسية غير الحصيفة قد فشلت فشلاً ذريعاً في ثني المرشحين من التقدم للمشاركة في المشهد الانتخابي، فقد ارتفعت أعداد المرشحين في الدوائر المحسوبة على المعارضة بشكل ملحوظ، وشارك عدد كبير من أنصار تيار الوفاق سابقا في ادارة وحضور الحملات والبرامج الانتخابية، ولم يعد المرشحون يعيرون بالاً لخطابات التخوين واتهامات العمالة التي يبدوا أنها صارت من الماضي لدى شريحة واسعة من المواطنين الذين يعبّرون بشكل واضح عن ضيقهم من الضغوط السياسية الكبيرة التي مارستها جمعية الوفاق عليهم طيلة السنوات العشر الماضية من دون تقديم أي بدائل برامجية او سياسية مناسبة أو مقنعة.

ومن خلال قراءة المشهد في الدوائر الانتخابية في حواضن جمعية الوفاق التاريخية يمكن تسجيل العديد من نقاط التمرد وفك الارتباط مع تيار الوفاق وخطابه السياسي، الذي بدى يتيماً وغير حاسم في العديد من الدوائر، فقد تجاوز متوسط عدد المرشحين في هذه الدوائر 10 مرشحين لكل دائرة وفاقية سابقة تقريباُ.

ويمكن القول إن الإجراءات الحكومية الرسمية التي حرمت العديد من المواطنين من حقهم الانتخابي بحجة عدم مشاركتهم في الانتخابات السابقة لدورة أو دورتين ماضيتين، كان لها التأثير الأكبر على منع العديد من الكوادر القريبة من تيار الوفاق أو المحسوبة عليه من الترشح والمشاركة الانتخابية، حتى بدى أن الحكومة هي من قدم للمعارضة وللوفاق تحديداً خدمة مجانية من خلال منع ما يقارب 100 ألف مواطن من حق الانتخاب والترشح.

لقد أثر ذلك على حجم الكتلة الإنتخابية التي انخفضت عن المفروض بما يقدر بنسبة 20%، لكنه سيساهم في رفع نسبة المشاركة في هذه الانتخابات بسبب إبعاد الآلاف من الناخبين الذين يمكن أن تؤثر عليهم دعوات المقاطعة التي تقودها الوفاق وغيرها، ويلاحظ في هذا المجال إن المنع وإسقاط حق المشاركة في الانتخابات لم يطال الأجيال الجديدة من الشباب الذين يدخلون سن الانتخاب للمرة الأولى، وهؤلاء هم من تعول الحكومة على استقطابهم بعد حل الجمعيات السياسية وملاحقة أنشطتها طوال العشر سنوات الماضية.

ومع استشراء ظاهرة العزل السياسي والمنع من حق التصويت والانتخاب التي شملت عشرات الآلاف من المواطنين القريبين من خط المعارضة، يبدوا إن الجيل الشاب يتوجه إلى الانعتاق من تاثيرات جمعية الوفاق بعد ان انخفض منسوب المواد السياسية والتحريضية المغذية له بافكار جديدة كان يمكن أن تصله عبر نشاط التيارات السياسية المعارضة المحجوبة عن العمل والممارسة السياسية.

وبغض النظر عما يقوله المعارضون إن هذه الاجراءات تدخل في إطار القمع ومصادرة الحريات والحقوق الدستورية والديمقراطية التي تمنح المواطنين حق اتخاذ قراراتهم بالمشاركة أو الامتناع عنها بحرية تامة، يبدو أن قرارات وإجراءات الحل والمنع والعزل السياسي قد أتت أوكلها وساهمت في تفكيك الموقف المعارض، الأمر الذي خفف من تأثير هذه الجمعيات على المشهد السياسي والانتخابي في البحرين.

وحسب بعض المراقبين فان هذه الانتخابات العامة قد تكون آخر انتخابات تشهد مقاطعة سياسية كبيرة (بفعل الدعوات للمقاطعة أو بفعل إجراءات الحكومة التي حالت دون جعل هذا الحق ممكنا) ويتوقع المراقبون أن تكون انتخابات 2026 بداية النهاية لملف المقاطعة الذي خسرته جمعية الوفاق والتيارات المعارضة في حتى الآن بالنقاط وقد تخسره إلى الأبد في الانتخابات المقبلة بالضربة القاضية.

والسؤال الذي سيظل يبحث عن إجابة، ما هي البدائل التي ستلجأ إليها جمعية الوفاق والمعارضة السياسية في البحرين لاستعادة المبادرة والعودة الى التأثير في العملية السياسية بعد كل هذا الانعتاق من قيود جمعية الوفاق؟ ذلك ما ستجيب عليه الاحداث المقبلة، والله من وراء القصد.

أجواء برس

“أجواء” مجموعة من الإعلام العربي المحترف الملتزم بكلمة حرّة من دون مواربة، نجتمع على صدق التعبير والخبر الصحيح من مصدره، نعبّر عن رأينا ونحترم رأي الآخرين ضمن حدود أخلاقيات المهنة. “أجواء” الصحافة والإعلام، حقيقة الواقع في جريدة إلكترونية. نسعى لنكون مع الجميع في كل المواقف، من الحدث وما وراءه، على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى