هل يمكن تفكيك منظومة التطبيع – 5

بقلم محمد حسن العرادي – البحرين

بعض الدول العربية تقول إنها لا تستطيع رفض ومقاومة التطبيع أو التصدي للضغوطات التي تمارسها الولايات المتحدة الأميركية لفرض التطبيع مع الكيان الصهيوني، رغم قناعة معظم قادتها وساستها بأن هذا التطبيع مُضر بها وبمصالح الأمة العربية بشكل عام، والقضية الفلسطينية بصورة خاصة، مُشيرة مع ذلك الى ترابط مصالحها الاقتصادية مع أميركا بدءاً من عملتها الوطنية وصولاً الى تغطية احتياجاتها الاستهلاكية الأساسية، أضافة إلى تأمين حاجتها للحماية من التهديدات والمخاطر الأمنية والعسكرية التي تشكلها بعض الدول الإقليمية المجاورة لها، وخاصة تلك التي تحمل أطماعاً توسعية ورغبات في السيطرة والهيمنة والتحكم في المنطقة.

ولهؤلاء نقول إن هذه الأعذار الواهية لم تعد قادرة على الصمود أمام المنطق والعقل السليم، خاصة إذا تلفتنا غير بعيدٍ لبعض الدول العربية التي تعرضت لأشد الضغوطات والعقوبات والمؤامرات التي وصلت الى حد شن الاعتداءات العسكرية التي هددت كيان هذه الدول المستهدفة، لكنها رفضت جميع مشاريع التطبيع وقاومتها بكل ما أوتيت من قوة وصبرٍ حتى النفس الأخير، ولم تتمكن أميركا رغم جبروتها وقسوتها وسطوتها من إركاعها وإذلالها للقبول بهذا التطبيع المهين، ومن باب الإستدلال نسوق بعض الأمثلة.

دولة الكويت … هذه الدولة العربية الخليجية المهمة التي تكالبت عليها المؤامرات إلى الحد الذي دفع بالرئيس العراقي الراحل صدام حسين لإكتساحها بجيوشه الجرارة، الأمر الذي إضطرها للاستعانة بالتحالف الدولي تحت إدارة أميركا الاستعمارية، وعندما تحررت الكويت مارست الإدارة الأميركية كافة الضغوط السياسية والعسكرية من أجل إجبارها على التطبيع مع الكيان الصهيوني.

لكن الكويت، هذه الدولة الأبية رفضت الإنصياع وسطرت مواقف دولية لافتة وصامدة داعمة للحق الفلسطيني حتى وصلت الى إصدار تشريع نيابي يجرم التطبيع ويحاكم عليه، وكما صرح النائب مرزوق الغانم رئيس مجلس الأمة الكويتي السابق ناقلاً عن الأمير الراحل صباح الأحمد الجابر موقفه الصريح والجريء من التطبيع: ” ناداني وكان ضايق خلقه، وقال لي: شوف يا ولدي، لقد بلغت من العمر عتيا، وأنا ما أبي أقابل ربي وأنا مصافح صهاينة”.

أما الجمهورية اللبنانية … فقد تعرضت للاعتداءات المتكررة وللإجتياح الصهيوني أكثر من مرة ايضاً، بل والإحتلال المباشر طوال 18 عاماً، وإشعال الحرب الأهلية فضلاً عن الاعتداءات اليومية وإشعال الفتن والخلافات الطائفية، ثم فرضا عليها حرب تجويع وتركيع طويلة الأمد، إلى حد الإفلاس والتهجير، لكن الشعب اللبناني المقاوم رفض الإنصياع وقاوم الحصار، ومؤامرات توطين الفلسطينيين والسوريين بعد اندلاع الحرب الكونية في سوريا.

ثم قاوم لبنان وهزم العصابات الإرهابية التي شنتها داعش وأخواتها، ولم يقبل بالرضوخ لضغوط التطبيع الصهيوأميركية، رغم استمرار المؤامرات عليه وإبقاءه بدون رئيس وبدون حكومة بل وبدون دواء أو غذاء وكهربا، وسقطت أمام صموده نظرية قوة لبنان في ضعفه، وحين اختار هذا البلد نهج المقاومة حرر الأرض من الاحتلال في 25 مايو 2000 وكسر شوكة الإحتلال الصهيوني وفرض عليه معادلات الردع في حرب تموز/ اب 2006، وها هو يشارك في صد العدوان على غزة في معركة طوفان الأقصى مجدداً غير مكترث بالتهديدات الأميركية المدعومة بالبوارج وحاملات الطائرات المرابطة قبال سواحله.

هذه الدول وغيرها تعرضت للابتزاز والتدمير والتهديد بالتقسيم والحروب الأهلية والحصار المستمر، حروب تجويع وتهجير قسري ونزوح لملايين من سكانها، لكنها جميعاً رفضت رفضاً قاطعاً التنازل عن موقفها الداعم للحق الفلسطيني واسقطت التطبيع، فهل بعد كل ذلك يأتي من يقول لقد أُجبروا على توقيع إتفاقيات التطبيع مع العدو الصهيوني، وحتى إن كان ذلك واقعاً، فإن الوقت لا يزال سانحاً لاستعادة القرار السيادي، والبدء بالتحلل من هذه الإتفاقيات المشينة وصولاً الى سحب الإعتراف بالدولة اللقيطة ومقاطعتها والغاء الاتفاقيات التطبيعية معها ضمن برنامج واضح لتفكيك منظومة التطبيع المشين، وللحديث صلة.

أجواء برس

“أجواء” مجموعة من الإعلام العربي المحترف الملتزم بكلمة حرّة من دون مواربة، نجتمع على صدق التعبير والخبر الصحيح من مصدره، نعبّر عن رأينا ونحترم رأي الآخرين ضمن حدود أخلاقيات المهنة. “أجواء” الصحافة والإعلام، حقيقة الواقع في جريدة إلكترونية. نسعى لنكون مع الجميع في كل المواقف، من الحدث وما وراءه، على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى