
الجمعيات التعاونية في البحرين … مسيرة ومصير -7
كتب محمد حسن العرادي
بعد مضي أكثر من نصف قرن على انطلاق قطاع الجمعيات التعاونية الاستهلاكية في البحرين، ألا يحق لنا أن نعرف حجم الدعم والمساعدات التي قدمتها الحكومة لهذا القطاع الحيوي والمهم، وأن نتساءل عن الاسباب التي أعاقت هذا الدعم، وفي أقل تقدير جعلته في الحدود الدنيا وغير المؤثرة بشكل إيجابي، خاصة وأن هذا القطاع العريق لو قدر له أن ينال حظه الوافي من الدعم لأصبح اليوم إحدى الركائز الوطنية الأساسية التي يُعتمد عليها ليس في تخليق الوظائف الجيدة للمواطنين فحسب، بل كان يمكن اعتباره ركناً اساسياً من أركان منظومة الامن الغذائي في البحرين وداعماً لنهج التنمية المستدامة،
ولنا أن نعقد مقارنة بين الشركات المتعثرة التي حظيت بدعم مالي كبير تجاوز ملايين الدنانير طوال السنوات الماضية، لكنها تخرج من كبوة لتسقط في أخرى أشد وأمّر، ومع ذلك تستمر عملية ضخ الأموال إليها بسخاء من غير مبرر ، وبدون وجود أفق لخروجها من مرحلة الخسائر يبرر استمرار انتشالها من كبواتها وعثراتها المتكررة منذ عقود، خاصة إذا ما قارنا نتائج هذه الشركات الوخيمة بنتائج الشركات الإقليمية المماثلة التي تحقق أرباحاً طائلة سنوية، وتتوسع أعمالها عاماً بعد عام،
ونستطيع أن نجزم بأن الجمعيات التعاونية الاستهلاكية لو حصلت على 1% من الدعم الذي حصلت عليه تلك الشركات الفاشلة، لأصبحت اليوم قطاعاً وطنياً منتجاً قادراً على تخليق آلاف الوظائف وفتح بيوت الآلاف من أبناء الوطن، وضمان جانب مهم من الأمن الغذائي أيضا، في حين نرى الشركات المدعومة مرتعاً للأجانب وأموالاً سائبة يتم التلاعب بها وربما سرقتها بدون حسيب أو رقيب.
وحين نتكلم عن الأمن الغذائي فإننا نشعر بالغصة ونحن نرى المخزون الغذائي من مختلف السلع الغذائية في البلاد، يتم التحكم فيه من قبل الأسواق التجارية التي تُدار بواسطة الأموال والأيدي العاملة الوافدة، ولنا أن نتخيل الوضع عند حدوث كارثة من أي نوع لا قدر الله في البلاد، هل نتصور بأن هؤلاء الوافدين سيقدمون ما بين أيديهم لأبناء البلد عن طيب خاطر وبالأسعار المعتادة، أم أنهم سيسارعون لاحتكار السلع وتخزينها وتمريرها بين بني جلدتهم أولاً.
إن المتتبع للتغييرات الكبيرة التي حدثت في التركيبة السكانية يُدرك بأن المواطنين أصبحوا هم الأقلية في البلاد، وأن الوافدين من مختلف الجنسيات صاروا يشكلون أكثر من 55% من السكان، وأنهم يتحكمون فعلياً وعملياً بكافة القطاعات الغذائية والاستهلاكية والخدمية في البلاد، وهم وحدهم القادرين على إعادة التوزيع والتخزين والتحكم في الأسعار وتوفير السلع المختلفة، من هنا تبرز الحاجة الماسة لإعادة التوازن لهذا القطاع قبل أن يحدث مالايحمد عُقباه، إن حلت بنا كارثة لا سمح الله أو انقطعت بنا السبل وتوقفت عنا طرق التمويل والتموين الغذائي.
إن قطاع الجمعيات التعاونية قادر لو مُنح بعض الدعم على شكل قطع أراضي تجارية يمكن إستثمارها والاستفادة منها لبناء مخازن مركزية للمواد الغذائية والاستهلاكية المختلفة، قادر على توفير الضمانات اللازمة لزيادة المخزون الاستراتيجي للأمن الغذائي وخاصة من المواد الاساسية كالأرز والطحين والسكر والحبوب بأنواعها، خاصة إذا تم توزيع هذه المخازن المركزبة والفرعية في مختلف مناطق البلاد، وهذا لن يتأتى إلا من خلال دعم قطاع الجمعيات التعاونية وتشجيع قيام المزيد منها من خلال توفير الدعم المالي ومنح الأراضي والتسهيلات المختلفة لها.
إن ما نتحدث عنه ليس من قبيل التهويل وسَوقْ الهواجس المخيفة، فها نحن نشهد اليوم المزيد من الكوارث الطبيعية التي ضربت بُلدانا عربية وإقليمية وعالمية متعددة، وحولتها في طرفة عين الى بلدان منكوبة غير صالحة للحياة والسكن كما حدث في بعض مدن تركيا وسوريا والمغرب من جراء الزلازل، وكما وقع في ليبيا التي ضربها إعصار مدمر أدى الى قتل عشرات الالاف من القتلى والضحايا من المواطنين بسبب تسونامي بحري أصاب منطقة درنة بشكل أساسي وأثر على العديد من المدن الساحلية رغم مساحة الأراضي الشاسعة التي تتكون منها ليبيا الشقيقة مقارنة مع مساحة بلادنا التي لاتزيد عن 800 كم2 وتقع باكملها على حافة البحر كجزيرة عائمة وسط الماء.
وحين نتحدث عن الأمن الغذائي من ناحية تخزين وتوزيع مخازن المواد الغذائية والاستهلاكية في مختلف مناطق البحرين، وتحت أيدي المواطنين بشكل اساس، فإننا ندرك بأن ذلك وحده لا يمكن أن يشكل الضمان الكافي، لذلك ننادي بضرورة إعادة التفكير في دور الجمعيات التعاونية ودعم قدرتها على استثمار الاراضي الممنوحة والمملوكة لها، وفي إطلاق مشاريع أخرى منتجة قادرة على تدعيم قُدرتنا على ضمان أمننا الغذائي وادارة شؤون حياتنا وسبل نجاتنا بأيدينا وليس بأيدي الوافدين، ذلك ما سوف نتحدث عنه في المقال القادم، وللحديث تتمة.



