
الجمعيات التعاونية في البحرين… مسيرة ومصير – 3
كتب محمد حسن العرادي
كان مقدراً للجمعيات التعاونية في البحرين أن تتمدد وتنتشر وتصبح ظاهرة اجتماعية لافته، فقد استقبلها أبناء البحرين بكل رحابة صدر، وبادروا الى الانتماء لها والتسجيل في أسهمها التي لم تكن تزيد عن دينار واحد لكل سهم، ودون شك فإن ذلك شكل فرصة للادخار والاستثمار لعدد كبير من أبناء الطبقة الوسطى وحتى الطبقة الفقيرة، باعتباره تعويضاً عن عدم تمكنهم من الاستثمار في أسهم الشركات المالية والصناعية والخدماتية الكبرى التي سيطر عليها أصحاب رؤوس المال من الطبقة البرجوازية والغنية.
وهكذا وجدنا إقبالاً جماهيرباً كبيراً على إقتناء وامتلاك أسهم الجمعيات التعاونية التي أصبح أعضاءها بالآلاف خلال فترة وجيزة من تأسيسها، ورغم إنخفاض قيمة الأسهم، وتدهور العمل التعاوني في العديد من الجمعيات، الا أن الأعضاء من المواطنين حافظوا على أسهمهم بها، ولم يقدموا على سحبها او الغاء عضوياتهم، في ظاهرة تعبر عن النظرة الايجابية التي تعامل بها المجتمع مع هذا النوع من العمل التعاوني، الا أن ذلك لم يحمي الجمعيات من التأثر بشدة المنافسة التي فتحت على مصاريعها للشركات الأجنبية.
لقد إعتمدت الجمعيات التعاونية سياسة تسويقية تشجيعية تقوم على أساس توزيع الأرباح على أعضاءها حسب عدد الأسهم التي يمتلكونها بشكل يتناسب طردياً مع مقدار مشترياتهم من أسواق هذه الجمعيات، وقد ساهم ذلك في تعزيز الولاء والانتماء للجمعيات، فضلاً عن تخصيص نسب معينة من أرباح الجمعيات لتطوير المجتمعات التي تعمل بها هذه الجمعيات، الا أنها لم تستطع الصمود أمام التنافس الكبير من قبل السوبرماركت والهايبرماركت التي بدأت في تقديم العديد من العروض الترويجية المغرية.
وبالاضافة لعامل التنافس من قبل الأسواق التجارية الخاصة، فقد شكلت الرسوم والمصروفات التشغيلية التي عانت منها هذه الجمعيات معاناة وصعوبات لم تتمكن الجمعيات من تخطيها والتغلب عليها، خاصة بعد أن أصبحت الشركات الموردة التي تدير تجارة الجملة وتحتفظ بالوكالات التجارية والغذائية، تفضل التعامل مع الأسواق التجارية الخاصة الصاعدة على التعامل مع الجمعيات التعاونية المتراجعة.
لقد لعبت التركيبة الإدارية لشركات الاستيراد والبيع بالجملة المعتمدة على الاجانب دوراً كبيراً في وأد التجربة التعاونية في البحرين، من خلال تعاطف الأجانب والوافدين مع نظرائهم العاملين في الأسواق الخاصة، الأمر الذي أدى الى تكدس البضائع بأسعار مخفضه في هذه اسواق هذه الشركات، مقابل شحها واختفاءها من أسواق الجمعيات التعاونية، وهكذا بدأت التعاونيات تفقد رصيدها الجماهيري أمام وقع الحاجة وانخفاض مستوى الأجور بين المواطنين، ما اضطرهم لملاحقة العروض المخفضة التي تناسب حالتهم المادية.
وشيئاً فشيئاً وجدت الجمعيات التعاونية نفسها مثقلة بتراكم الفواتير والديون لصالح الموردين والجهات المزودة للخدمات كالكهرباء والماء والبلديات، وفي ذات الوقت انتشرت ظاهرة الرفوف الفارغة في أسواق هذه الجمعيات، مما اضطرها الى البحث عن بدائل مناسبة تنقذها من الافلاس والإغلاق، وكانت الشركات الكبرى جاهزة للإنقضاض على أسواق الجمعيات التعاونية المنهكة، بعد عرض هذه الأسواق للايجار والإستثمار طويل الاجل كما حدث في جمعية مدينة عيسى وجمعية المحرق وجمعية عالي على سبيل المثال، ومع تراجع التجربة، انفتح المجال بشكل أوسع لتمدد الاسواق الخاصة وانتعاشها بشكل كبير.
وكان لإختلال التركيبة السكانية لصالح الوافدين على حساب المواطنين بنسبة تجاوزت 45% مواطنين – 55% وافدين ، الظور المساعد على توفير متسوقين جدد يوالون الأسواق الخاصة، ما رجح كفة هذه الاسواق على حساب الجمعيات، فضلا عن تغير انماط وعادات التسوق في المجتمع الذي بات يتابع العروض الترويجية الجديدة من خلال وسائل اعلانات التواصل الاجتماعية التي اجادتها الاسواق التجارية اكثر من الجمعيات التعاونية، وكانت المحصلة تراجع اسواق الجمعيات التعاونية لصالح الأسواق التجارية الخلصة، وللحديث تتمة.



