
الجمعيات التعاونية في البحرين … مسيرة ومصير -1
كتب محمد حسن العرادي
في غمرة الانغماس في الانشغالات اليومية التي تشغل بال المواطن البحريني، قد لا يلتفت كثيرون إلى المصير الذي آلت اليه الجمعيات التعاونية الاستهلاكية، وها هي تكاد تلفظ أنفاسها الأخيرة تحت وقع الضربات الساحقة الماحقة المتلاحقة التي تتلقاها من قبل أباطرة ومافيات المال والأعمال وخاصة الأجنبية منها، لقد إنتشرت بشكل فاحش واستحوذت على اسواق المواد الاستهلاكية في مختلف مناطق البحرين، وتمكنت من سحب البساط من تحت أقدام الجمعيات التعاونية الاستهلاكية، حتى أضحت تترنح على طريق التلاشي.
وقد يستغرب المتابع حين يعلم بأن عمر تجربة الجمعيات التعاونية الاستهلاكية في البحرين يعود إلى أكثر من نصف قرن، حين تأسست جمعية مدينة عيسى كأول جمعية تعاونية استهلاكية بتاريخ 11 ديسمبر 1972م بموجب قانون الجمعيات التعاونية رقم (8) لسنة 1972م، وكان الهدف الرئيس لتأسيسها هو تحسين حال أعضائها إجتماعياً وإقتصادياً، ثم توالى تأسيس الجمعيات التعاونية حتى وصل عددها الى تسع جمعيات منتشرة على مساحة الوطن.
في ذلك الوقت كانت البحرين تخطوا خطواتها الأولى كدولة عصرية نالت إستقلالها حديثاً، وكان عدد سكانها لا يتجاوز ربع مليون نسمه، بما فيهم الأجانب الذين لم تكن نسبتهم تزيد عن 6 % من السكان، لكن الإرادة القوية لدى المواطنين وشدة تماسكهم وترابطهم دفعتهم إلى الانطلاق في تأسيس العمل التعاوني الاستهلاكي مستفيدين من تجربة الأشقاء في دولة الكويت الحبيبة التي إنطلقت في العام 1955، ثم وضع لها الأساس القانوني في 6 أغسطس 1962م، بموجب القانون رقم 20 لسنة 1962، وصولاً إلى تأسس الاتحاد الكويتي للجمعيات التعاونية في العام 1971 .
ويلاحظ هنا أن عمل الجمعيات التعاونية في دولة الكويت قد تطور وإزدهر وتمدد وإنتشر حتى إرتفع عددها من 16 جمعية تعاونية في العام 1971 الى 48 جمعية تعاونية استهلاكية في نهاية العام 2022، وهي تمتلك العديد من الفروع والأنشطة الخدماتية المكملة، وأدى ذلك إلى سيطرة التعاونيات على نسبة 70٪ من تجارة التجزئة في دولة الكويت، بينما توقف عدد الجمعيات التعاونية في البحرين عن الزيادة، ثم انخفض الى 7 جمعيات فقط، ولم يسمح لها بتشكيل إتحاد فعال بينها، ثم تدهور حال العمل التعاوني الاستهلاكي حتى أصبحت هذه الجمعيات تعاني من شدة المنافسة بسبب الشركات التجارية الخاصة العاملة في مجال الأسواق الاستهلاكية، وهي تحصل على تسهيلات مالية ولوجستيه سمحت لها بافتراس الجمعيات التعاونية وإبتلاع أسواقها.
سبع جمعيات تعاونية استهلاكية بحرينية لا تزال تكافح من أجل البقاء في سوق استهلاكية مفتوحة لشركات القطاع الخاص (أغلبها شركات أجنبية) دون أي ضوابط أو قوانين حماية تدعم وتحمي عمل الجمعيات التي لا يمكن أن تزدهر أعمالها بدونه، إلى جانب أنه دعم وطني ومساندة من الدولة تحتاجها هذه التعاونيات حتى تتمكن من الصمود في وجه تغول الكارتلات المالية، ومن غير المقبول وطنياً وتنموياً تركها وحيدة في ساحة منافسة شرسة تقودها سلاسل أسواق الهايبرماركت والسوبرماركت العالمية التي صارت تنتشر في كل زوايا البحرين، والملاحظ ان هذه الأسواق الشرسة لم تكتفي بإزاحة الجمعيات التعاونية بل ساهمت في إختفاء العديد من البرادات والبقالات الصغيرة التي كان يترزق منها بعض أبناء الوطن، وللحديث تتمة.



