هل يمكن تفكيك منظومة التطبيع – 3

بقلم محمد حسن العرادي – البحرين

نقف اليوم على مسافة 45 عاماً على إنطلاق اتفاقيات التطبيع مع الكيان الصهيوني في 17 سبتمبر 1978، حين وقعت مصر العظيمة اتفاقية كامب ديفيد مع هذا الكيان المسخ، فصار ينظر الى باقي الدول العربية نظرة استعلاء وغرور وخيلاء معتقداً بأن عصره الذهبي قد بدأ ، وبانه سيتمكن من الاستفراد بالامة العربية دولة بعد أخرى، ومتخيلاً بأن هذه الاتفاقية ستفتح له الطريق لفرض هيمنته الاقتصادية والسياسية على كافة الدول العربية، متطلعاً الى التغلغل وسط المجتمعات العربية والسيطرة عليها على طريق تحقيق الحلم الصهيوني الموهوم” أرضك يا إسرائيل من النيل إلى الفرات”.

لكن الشعب المصري البطل دمر هذه الأحلام وحطمها على رؤوس أصحابها، فإنهارت خططهم بفضل صمود وتماسك كافة جبهات المجتمع المصري، ورغم افتتاح السفارة الصهيونية في القاهرة، وتبادل العلاقات الدبلوماسية مع الكيان الصهيوني، إلا أن الشعب المصري حرّم التعاطي مع الصهاينة على كل المستويات، بل إن الاتحادات والمؤسسات والهيئات المصرية من الهيئات الاقتصادية والاجتماعية والرياضية والثقافية والفنية والإعلامية والسياسية والحزبية قاطعت كافة الأنشطة الصهيونية، وفرضت سياجاً من المقاطعة الشاملة على التعامل مع هذا الكيان.

لقد جاء النموذج الأول لمقاطعة التطبيع ومحاربته من الشعب العربي المصري الابي الذي حاولوا تدجينه وتكبيله بهذه الإتفاقيات، ومن المهم هنا الاشادة بالجانب المصري الرسمي الذي لم يسعى لفرض التطبيع على أي من قطاعاته المجتمعية، واتاح الفرصة الكاملة لنشر ثقافة مقاومة التطبيع مع العدو الصهيوني الذي بقي منبوذا محشوراً في مقر سفارته ولم تتجاوز تعاملاته بعض المعاملات وتبادل الزيارات الرسمية.

وعبثاً حاول الصهاينة تقديم المغريات لتوسيع دائرة التطبيع وتحقيق اختراقات هنا وهناك، لكن الشعب المصري ومؤسساته فرض طوقاً حديدياً ومنعاً شاملاً ومقاطعة حاسمة على اي مواطن أو مؤسسة مصرية تقدم على اي نوع من التواصل مع نظام الأبرتهايد العنصري، حتى قام عدد من النقابات والاتحادات المصرية المهنية بفصل ومحاصرة ومحاكمة كل من سولت له نفسه كسر طوق المقاطعة.

وهكذا فشلت المحاولة الأولى والأكبر للاختراق الصهيوني في الوطن العربي، وإنطلق قطار مقاومة التطبيع هادراً صلبا قوياً مزلزلاً يقاوم المحاولات الصهيونية البائسة التي لا تزال تتلمس الطريق وتبحث عن مناطق تنفذ منها، فلا تجد الا الرفض والاعتراض والاستنكار، لكن الصهيونية العالمية لم تيأس مارست المزيد من الالتفافات والحيل من خلال الشركات الصهيونية المسجلة في دول أخرى وخاصة أمريكا والدول الأوربية، واستطاعت من خلال ذلك تحقيق بعض النقاط، وخاصة في المجال الاستهلاكي.

لقد حان الوقت لمراجعة هذه الثغرات من اجل إغلاقها والبحث عن بدائل عربية وإسلاميه ودولية صديقة لا تصطف مع العدو الصهيوتي في اللحظات الحاسمة كما فعلت الدول الأوربية قاطبة وأمريكا وكندا، حين هبت لنجدة الكيان الصهيوني حين نزل عليه غضب المقاومة الفلسطينية المتمثل في طوفان الأقصى يوم السابع من اكتوبر المجيد 2023 فزلزل أركانه وكشف هشاشة هيكلة وبنيانه، فمضى يستغيث ويطلب المساعدات واطواق النجاة من الأمريكان الذين شكلوا جسرا ًجويا تجاوز 230 رحلة طيران وبحريا تجاوز 30 رحلة بحرية لدعم هذا الكيان الذي لم يصمد أمام ثلة من المجاهدين الصابرين المحاصرين المحتسبين.

لقد سقط الرهان على الكيان الصهيوني، الذي زرعته القوى الإمبريالية الاستعمارية ليكون حاملة طائرات حربية أرضية ومخزناً عسكرياً وقاعدة قيادة متقدمة للسيطرة على المنطقة وحماية المصالح الأميركية، فإذا به يحتاج الى الحماية والرعاية اليومية من قبل اسياده الذين افترضوا بإنه اصبح واقعاً قائماً وحقيقياً في المنطقة، فإذا بشذاذ الآفاق الذين جلبوا من كل اصقاع الارض يفرون للخارج في هجرة عكسية تقدرها المصادر المطلعة بأكثر من مليون صهيوني غادروا الكيان خلال الثمانين يوماً من اندلاع المواجهات.

لقد كشف طوفان الأقصى المبارك هشاشة هذه الدولة المصطنعة التي تم تسويقها بأنها الدولة الأقوى في المنطقة، وتخيل داعموها بإنها قادرة على فرض هيمنتها وسطوتها على كافة الدول العربية، حتى قالت أميركا إنها تتعهد بأن يكون الكيان الصهيوني منفرداً قادراً على هزيمة الدول العربية منفردة أو مجتمعة، وحين اقتربت الخديعة من فرض نفسها، أسقطت غزة هاشم في فلسطين الاسطورة، فهل بقي اي مبرر لاستمرار اتفاقيات التطبيع التي فقدت صلاحيتها، للحديث صلة تضع النقاط على الحروف اللازمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى