
بحث معمق: عالم جديد يولد من الخاصرة الأوكراني 6/ 6
الحرب تمتد إلى العربية الجنوبية” اليمن” وتشتبك إيران مع أميركا… فتنهض أوراسيا بجناحيها… عالم جديد يولد…
البشرية إلى عصرها الحضاري الثالث البازغ من الشام وعربيتها…
ميخائيل عوض
تمكنت سورية من احتواء الأزمة واستعدت لحرب واسعة ومديدة، وأدركت أنها ستصير مسرح الحرب العالمية العظمى بفروعها وأجيالها وأدواتها وجيوشها من كل نوع وشاكلة، وبانخراط إيران وحزب الله وفصائل المقاومة، بمقابل تورط تركيا وحركة الإخوان العالمية والأنظمة الخليجية وبعض الإسلامية والناتو بإشراف أميركا، وقد أقامت قواعدها المباشرة في سورية وباستدراج روسيا للمشاركة المباشرة بقواتها الجو فضائية والصاروخية والوحدات الخاصة والبحرية، اكتسبت الحرب صفتها العالمية، ولمدتها وشدتها وحجم وعدد جيوش ودول وقوى العالم التي انخرطت فيها، ولما بدأ يكون لها من نتائج تفيض عن الحربين العالميتين والباردة يمكن بثبات إطلاق صفة الحرب العالمية العظمى عليها.
فالحرب التي تنطحت لها الشام ساحلاً وبراً وتكفلت بمواجهة الغرب مجتمعاً وأميركا مهيمنة بينما الأمم والشعوب في حالة إحباط وتبعية وانكسار امتدت منذ 1990 تاريخ سقوط جدار برلين وانهيار وارسو والاتحاد السوفياتي إلى ساعتنا بأكثر من 30 عاماً، وهي مدة الحروب الدينية التي انتجت معاهدة وستفاليا التي ولدت العصر الحضاري الثاني للبشرية، وبما أن العصر الأول ولد في معاهدة قادش غرب حمص في منطقة القصير، فتكون معركة القصير التي انخرط فيها حزب الله قد أسست وأطلقت مفاعيل المخاض لولادة العصر الحضاري الثالث للبشرية، وشكلت مع معركة بابا عمر في حمص لحظة التحول في الحرب لصالح سورية وحلفها، وانتقلت سورية من استراتيجية الدفاع الاحتوائية إلى استراتيجية الهجوم لكسر الحملة واستعادة الجغرافيا وتصفية جيش الإسلام الأميركي العثماني واستعادة السيادة، ومع عاصفة السوخوي تحولت الحرب كلياً لصالح محور المقاومة وروسيا.
ومن أهم نتائج الحرب العظمى، أنها استنزفت أميركا والأطلسي وكسرت قوتهم وأزمت مجتمعاتهم واقتصاداتهم، ووفرت بيئات وشروط استعادة روسيا لمكانتها العالمية، وحفزت الصين للخروج من سورها العظيم وتشريع مشاركتها في الحرب على الارهاب “المنتج الأميركي الليبرالي المتوحش”، والتحول من الكمون والاقتصادوية إلى العسكرة وتطوير أسلحتها وجيوشها وبناء القواعد والأساطيل ومبارزة أميركا والأطلسي، فأعلنت استراتيجياتها للطريق والحزام والتحالف الاستراتيجي مع إيران ومع روسيا، وأجرت القوات البحرية الروسية والصينية والإيرانية تدريبات ومناورات بحرية في المحيط الهندي وبحر العرب والخليج، ومن الحواصل النوعية للحرب استهلاك وهزيمة الإسلام السياسي والمسلح بأركانه، الوهابية والإخوانية والسلفية الجهادية العالمية” القاعدة وداعش وأخواتها” وإنهاك تركيا وإسقاط مشروعها العثماني، واستنزاف السعودية والإمارات وبددت أموالها وأدت إلى إنهاء حقبة السعدنة والساداتية، وانحسار النفوذ السعودي في العالم الإسلامي، ووفرت حرب اليمن تحولاً في السعودية والإمارات لصالح أوراسيا الصاعدة، وأسست لبداية الانفكاك عن أميركا والأطلسي برفض الإملاءات الأميركية بما يخص حرب أوكرانيا والعقوبات على روسيا، وكانت حروب المقاومة قد أعجزت “إسرائيل” وأفقدتها دورها الوظيفي وفجرت أزماتها البنيوية، وأنهت دورها المحوري في تأمين وتخديم مصالح ومخططات الغرب الاستعماري بضفتيه.
ظفرت إيران بمكانتها الاقليمية، وبعلومها النووية وبدرجة تخصيب عالية وتحولت إلى قوة فضائية، وأنتجت صناعاتها المتطورة للأسلحة والصواريخ وأطلقت أقمارها في السماء، وبينما أميركا والناتو منشغلين وعاجزين في أفغانستان والعراق وسورية حققت إيران قدراتها واختبرتها وتعاظمت قوتها، وأصبحت في موقع القادر على المجابهة فخاضت حرب الممرات والمضائق والسفن والناقلات، وأرسلت النفط لفنزويلا وسورية ولبنان في تحد صارخ لأميركا، وأسقطت حروبها بالحصار والعقوبات، واشتبك الدفاع الجوي الإيراني مع طائرات التجسس الأميركية وأسقط أهمها وأكثرها تقدماً وكلفة، وعندما تجرأت أميركا واغتالت قاسم سليماني في العراق دكت قاعدة عين الأسد بالصواريخ الدقيقة، وأذلت أميركا ودكت مقرات الموساد في أربيل المحمية من القواعد الأميركية بالصواريخ، وأعلنت اكتمال استعداداتها للمواجهة العسكرية المباشرة، وانتزعت انتصاراً في المفاوضات النووية وأخضعت أميركا وأوروبا لشروطها وأذلتها.
وعلى ذات التحولات النوعية وبشراكة كاملة في الحرب في ساحل وبر الشام طور أنصار الله في اليمن من قدراتهم العسكرية وصناعة الصواريخ البالستية والمجنحة وسلاح الجو المسير والمسلح، ودكوا مواقع ومصالح السعودية والإمارات وحققوا نجاحات باهرة، كما في المعارك البطولية في البر والبحر على امتداد اليمن وفي مواجهة الغزو الظالم الذي بدأته السعودية والإمارات وحلفهما بإشراف وشراكة أميركية أطلسية وإسرائيلية منذ 2014، فامتدت مسارح الحرب العظمى من ساحل وبر الشام إلى العربية الجنوبية في اليمن، وأسهمت باستنزاف قدرات السعودية والإمارات وأشغلتها وخففت الضغوط عن الساحة السورية واللبنانية، وزادت في مكاسب ونتائج الحرب وهزيمة أميركا وأحلافها وأدواتها في العرب والمسلمين، ووفرت كل شروط صعود أوراسيا لتأخذ مكانة الأقطاب في عالم جديد يولد من رحم الحرب العظمى التي تولتها وتكفلت بها الشام والعرب والمسلمين.
في الشام واليمن مخاض الولادة المتعسرة ومن أوكرانيا الولادة من الخاصرة
تنجلي الحرب العظمى الممتدة على ثلاثة عقود بعد انهيار التوازنات الدولية وهيمنة أميركا المتعجرفة على العالم، وبمسرح متصل من بيروت إلى غزة والشام والرافدين إلى كابول واليمن، وتنشب جذورها إلى بداية القرن المنصرم مع أولى رصاصات الثورة السورية عام 1918 في وجه الاحتلال الفرنسي التي قادها الشيخ صالح العلي في جبال طرطوس واللاذقية، والتحم الشعب بمكوناته ومناطقة في الثورة التي قادها باشا الأطرش وعمت الأرجاء إلى الاضرابات والثورات في وجه الاحتلال الفرنسي حتى انتزاع الاستقلال، وقبضت الشام على جمر القضية الفلسطينية والتزمت مهمة السعي لتحرير العرب ووحدتهم.
فحرب القرن التي شكلت فيها العربية بشمالها وجنوبها والشام قلبها وعقلها وقبضتها التي لا تلين وكانت المسرح المفتوح، وأربكت العالم وشغلته في الحروب العربية الإسرائيلية، واستمرت وانتجت محور المقاومة وخاضت الحرب العالمية العظمى في العقود الثلاثة باقتدار، فأسفرت الحرب عن نتائج فرط استراتيجية وقد أنهكت وأزمت أميركا وفجرت تناقضاتها الهيكلية ووسعت تشققاتها الأثنية والطبقية، وسعرت الصراع بين لوبي العولمة ولوبي الأمركة، وهزمت البنتاغون ولوبي العولمة وخرجت أميركا ذليلة مهزومة من أفغانستان وأنهت مهامها القتالية في العراق، واستنزفت السعودية وإمارات الخليج وهمشت الوهابية وأنهت حقبة السعدنة، وهيمنة أموال النفط وهزمت الحلف العدواني في اليمن واضطرته لإعلان الهدنة والشروع بالتفاوض مع الحوثيين، ودفعت بالإمارات لاستقبال الرئيس الأسد وكسر الحصار وقانون قيصر الأميركي، والإقرار بانتصار سورية ومحور المقاومة، كما حفزت الفلسطينيين على المقاومة والانتفاضات المسلحة في فلسطين 1948 والضفة، وعززت مكانة محور المقاومة الذي أصبح القوة المحورية في تقرير التطورات ووجهتها، وأمنت روسيا في حربها الأوكرانية، وحفزتها للانتقال إلى الهجومية بالتوافق مع الصين والبريكس وشنغهاي لاختبار قوة أميركا والأطلسي، والتثبت من خواء قواهما وانحسار قدراتهم وعجزهم عن الفعل والمواجهة، فقد اختبرت حروبهم وقدراتهم واستنزفت وهزمت في العربية وعالمها العربي والإسلامي.
هكذا تم انضاج الظروف والشروط لولادة العالم الجديد واشتد المخاض وطالت مدته ومعاناته في العربية واقليمها الإسلامي، وباتت الولادة المستعصية تحتاج إلى عملية قيصرية من الخاصرة الأوكرانية في قلب أوروبا وبوابتها بمبضع الجراح الماهر الذي اختبر أسلحته، وأعاد تشكيل جيشه في الحرب السورية ومن سورية عادت روسيا قوة عالمية وازنه ومقررة وقادرة على إفشال مخططات وجهود الأطلسي، وكشف أميركا وأوروبا على شيخوختها وانكسار قوتها وافتقادها لعناصر السطوة والتحكم حتى في حرب الحصارات والعقوبات، أفشلت وانقلبت لصالح روسيا والأقطاب الصاعدة.
وتؤكد وقائع وأحداث ومعارك وحروب القرن المنصرم والعقدين أن انضاج طبخة هزيمة الرأسمالية في حقبتها الليبرالية المتوحشة والمتفردة بقيادة النظام العالمي، جرت في العربية واختبرت فيها ومعها كل الحروب وأقسامها وفروعها وجيوشها، وأسلحتها وتشكيلاتها واستراتيجياتها وأعجزت أميركا والأطلسي وكشفتهم على أزماتهم البنيوية، ما وفر البيئات والظروف وكامل الشروط لولادة عالم جديد يدشن العصر الحضاري الثالث للإنسانية على يد روسيا التي شدتها إلى الشام أواصر حبل السرة وحبال الأسرار، وامتزج الدم الروسي بدماء محور المقاومة وتعانقت الأرواح والقبضات لتتحقق مشيئة الله والقدر والجغرافيا بإنهاء التفرد وظاهرة الرأسمالية التي بلغت ذروتها وأعلى مراحل توحشها، لإنتاج عالم جديد يقوم على نظم وقواعد وقوانين عصرية لانتظام العلاقات بين البشر والأمم والشعوب، وفي صالحها ولتحقيق غايات الخلق وتوفير شروط تحقيق حاجات البشر المادية والروحية بلا تعسف وظلم وحروب التدمير والإخضاع .
والبشرية في عصرها الإنساني الثالث لن تعود إلى الوراء فقد اختبرت تشكيلات اجتماعية واقتصادية وتوجتها بالرأسمالية حتى ذروتها الليبرالية المتوحشة، وجربت نظام متعدد القطبية محترب ثم الثنائية القطبية والآحادية، ومن المؤكد أنها ستنتج جديدها في التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية، وفي نظام عالمي متعدد الأقطاب متفاعلة غير محتربة وتختبر نظم انتاجية واجتماعية أكثر عدالة…
فهل ينكر على العربية وقلبها الشام أنها كانت موطن الأنبياء والرسالات السماوية وأصل الحضارات والتمدن البشري، بأن تعود إلى وظيفتها فتعبر بالبشرية إلى عصرها الحضاري الثالث؟
وهل تعمى البصائر والأبصار عن حبل السرة والأسرار بين سورية وروسيا بشهادة أن بوتين لم يرسل وزير دفاعه ليبلغ أحداً إلا الرئيس بشار الأسد، ولم يستدعِ وزيراً لخارجية بلد إلا السوري ليكون شاهداً على إعلانه الإعتراف بالجمهوريتين الشعبيتين، وقد جرى أول اتصال بعد إعلان العملية في أوكرانيا بين بوتين والأسد أولاً…
وهل أدق وأكثر قطعاً بالأحكام من الواقعات المعاشة؟
فرصاصات الشيخ المجاهد صالح العلي ورفاقه في جبال طرطوس واللاذقية يتردد صداها اليوم وتثمر تحولات عالمية فرط نوعية.
إنها الشام قلب وعقل العربية وقبضتها المرفوعة أبداً، ومنشئة الحضارات وموطن وأد الظالمات منها.
قريباً، في سيناريوات وآليات ولادة العالم الجديد، وفي النظام العالمي وآليات تشكله والقواعد والقوانين الناظمة للعصر الثالث للحضارة الإنسانية.



