
نتائج ودلالات زيارة الأسد إلى سلطنة عمان
يبدو أن الزلزال الذي أصاب تركيا وسورية، واصاب ضرره الأكبر سورية في ظل انقطاع الدعم وضيق الإمكانات بسبب قانون قيصر المفروض على الشعب السوري لخساره وخنقه من قبل الإدارة الاميركية، يبدو أن الزلزال كان مفتاحاً شرعيا للدول العربية لكي تشرع أبوابهم لمساعدة الشعب السوري والدولة بشكل مباشر عبر البوابة الإنسانية. ومن نتائجها زيارة الرئيس بشار الأسد إلى عمان، والاستقبال الحافل وكأنه تفويض عربي للبدء محاورة دمشق، لا سيما وأن للعمانيين علاقات ودية مع الجميع ووكلوا سابقا بدور الوساطة بين خصوم السياسة في أكثر من ملف ساخن.
وفي هذا السياق أكد عضو مجلس الشعب السوري مهند الحاج علي أن الرئيس بشار الأسد حدد طبيعة السياسة السورية تجاه الدول الإقليمية والغربية التي ناصبت حكومته العداء بأنها غير انتقامية ولا تنظر للخلف. وفي حديث خاص بموقع “العهد” الإخباري أشار الحاج علي إلى أن الرئيس الأسد يكون بهذا قد رفع الحرج عن الكثير من الانظمة العربية التي كان لها مواقف غير ايجابية من الحرب على سورية، وأضاف الحاج علي أن الكثير من هذه الأنظمة كانت تتواصل مع الحكومة السورية، بطرق غير رسمية، ولكن سلطنة عُمان كان لها موقف مغاير، فهي دعمت مواقف سورية في الكثير من المواقف ولم تقطع علاقاتها مع سورية، ودعمت الشعب السوري في الكثير من المواضع، في حربه ضد الارهاب.
كما كان لسلطنة عُمان موقف متقدم وصاحبة مشروع سياسي لإعادة العرب لدمشق.
ونوه عضو مجلس الشعب السوري إلى أن زيارة الرئيس الأسد للسلطنة كانت ضمن برنامج عمل مقرر سابقا، ولكنها تأجلت بضعة أيام بسبب كارثة الزلزال التي أصابت سورية في السادس من الشهر الجاري، مشيرا إلى أن الزلزال اثار هزة سياسية كبيرة وسرع من وتيرة التواصل العربي، ودفع الكثير من الدول الشقيقة والصديقة لكسر قانون قيصر، وارسال المساعدات للشعب السوري برا وبحرا وجوا كحال عُمان التي كان لها موقف سريع في هذا الموضوع، وجاءت هذه الزيارة ليتم خلالها التوقيع على اتفاقيات اقتصادية تخدم مصالح البلدين، وتساهم في تسريع عودة العرب لسورية.
تبدل في سياسة الرياض
وشدد الحاج علي على أن المباحثات بين السلطان هيثم بن طارق والرئيس بشار الأسد تمحورت حول شكل العلاقات العربية السورية المقبلة، على اعتبار أن الزلزال سرع من عملية التواصل في خضم تراجع المشروع الأميركي في المنطقة مقابل الصمود الاسطوري السوري، لا سيما وأن العالم كله بات يعلم كيف ان أميركا تكيل بمكيالين حتى في ظل الكوارث الانسانية، ما فرض موقف عربيا موحداً لاغاثة الشعب السوري، حيث كان للسعودية مواقف مغايرة عن مواقفها السابقة تبدت على لسان وزير خارجيتها فيصل بن فرحان الذي أشار قبل أيام إلى ضرورة الحوار مع دمشق فيما يخص عودة اللاجئين والوصول إلى حل سياسي “وهذا موقف يعكس عزم السعودية على انهاء الازمة السورية حسب تعبيرهم”.
وأضاف الحاج علي في تصريح اعلامي “بما أن السياسة السورية ابوابها مفتوحة للجميع فقد تلقفت سورية هذه التصريحات بصدر رحب، مع حرصها على معرفة الطريقة التي تفكر بها السعودية لانهاء معاناة السوريين، وبعد ذلك فإن كل شيء قابل للتفاوض، ما دام أنه سيكون تحت سقف وحدة وسلامة الاراضي السورية، ومساعدة الشعب السوري في محاربة الارهاب، وتحرير باقي الاراضي السورية، ورفض المشاريع الانفصالية، واحترام السيادة السورية.
وشدد الحاج علي على أن لسلطنة عُمان مع الامارات دورا وحراكا متقدما لتسريع المصالحة العربية السورية وتحقيق مصالح الجميع بما فيها دول الخليج التي بدأت تعاني اقتصاديا واخلاقيا من الحصار الجائر المفروض على الشعب السوري، مشيراً إلى أنه لا يمكن تحقيق كل هذا الا من خلال التواصل مع حكومة الجمهورية العربية السورية، وقد اثبتت التجارب هذا الأمر.
الدلالة السياسية والإنسانية
وتاتي زيارة الرئيس بشار الأسد إلى سلطنة عمان مفاجئةً للعديد من المتابعين والمحللين في الشأن السوري، بسبب تزامنها مع الوضع الحرج والحساس الذي تمر به سوريا من تبعات الزلزال المدمر الذي ضرب مناطقها الشمالية قبل أسبوعين.
هذه الزيارة صُنِّفَتْ بأنها زيارة عمل، أي أنها لغاية معينة وضرورية كون الرئيس بشار الأسد لا يخرج لزيارات خارجية معلنة بسبب الوضع الأمني في سوريا نتيجة عَشرية النار وتبعاتها الداخلية والخارجية على الدولة السورية، فهي الزيارة الثانية للرئيس السوري لدولة عربية منذ الأزمة السورية عام 2011.
كانت سياسة سلطنة عمان مغايرة لكثير من دول المنطقة في الشأن السوري، فهي لم تقم بدعم أي فصيل سياسي أو عسكري على حساب الدولة السورية، وكانت تقول هذا شأن سوري داخلي ولابد من حله عبر البيت العربي، وكانت أقرب إلى منطق الحكومة السورية لكي لا يكون السيناريو السوري سابقة لأي دولة في التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى تحت ذرائع مختلفة. سلطنة عمان لم تقطع علاقاتها مع الحكومة السورية وظلت سفارتها مفتوحة في دمشق، والسفارة السورية مفتوحة في سلطنة عمان.
سلطنة عمان هي الدولة الخليجية الوحيدة التي زار وزير خارجيتها السابق “يوسف بن علوي ” دمشق والتقى الرئيس الأسد. هذه النقاط الثلاثة هي التي كانت تحدد لنا بوصلة العلاقة السورية العمانية بأنها كانت ثابتة، ولم تتغير بسبب الأزمة السورية فكانت سلطنة عمان أكثر الدول العربية، وطبعاً الخليجية في إيصال وجهة النظر السورية للعرب. وسبق أن زار وزير الخارجية السوري ” الدكتور فيصل المقداد ” سلطنة عمان في شهر مارس 2021. هذه المعطيات هي موقف سلطنة عمان تجاه الأزمة السورية، والزيارات التي حصلت بين سلطنة عمان وسوريا على المستوى الوزاري تكشف بأن سلطنة عمان هي الوجهة السورية المناسبة لخلق تقارب خليجي عربي تجاه سوريا، وطي صفحة الماضي، ومحاولة بناء سياسات جديدة تجاه الدولة السورية، خاصةً بعد كارثة الزلزال المدمر الذي ضرب مدنها الشمالية، فتكون المصالحة عبر البوابة الإنسانية.
إن دلالات الوقت لزيارة الرئيس السوري لسلطنة عمان تكمن في حساسية الوضع السوري إنسانياً وسياسياً وعسكريا، لذلك فالزيارة تحمل عناوين كثيرة لا نعلمها، ولكنها مهمة وتصب في مساعدة سوريا للتقارب مع بعض الدول الخليجية الفاعلة في المنطقة، وإيجاد حلول وسط ترضي جميع الأطراف، وربما كانت الأزمة الإنسانية التي حصلت للدولة السورية هي من ستسارع في إيجاد صيغ تقارب سوري خليجي عربي عبر البوابة الإنسانية.
هنا تأتي الدبلوماسية العمانية في تحقيق هذا الأمر، وهو رجوع سوريا إلى الحضن العربي، وفق تفاهمات ترضي الجميع، وتأتي زيارة الأسد إلى سلطنة عمان في هذا الوقت الحساس تحكمها معطيات معينة يعرفها الجميع، ولم تكن سلطنة عمان فقط صندوق بريد بين المتخاصمين سياسياً وعسكرياً، بل كان لها الدور في إبداء الاقتراحات الفعالة والبناءة لحل مشاكل المنطقة، والتاريخ يشهد لها بذلك.



