إعادة انتخاب أردوغان وأثره على المنطقة ولبنان

تركيا قد تتقدم مجدداً باقتراح مساعدة لبنان في التنمية

كتب منير الخافي في “السهم”

من على ظهر حافلة كبيرة، وقف رجب طيب أردوغان الفائز في الدورة الثانية من انتخابات الرئاسة التركية لخمس سنوات جديدة مزهواً. ترافقه زوجته، تحدث إلى الشعب التركي الذي أعطاه أصواته وفي الوقت نفسه إلى المعارضين الذين صوتوا لخصمه السياسي كمال كليجدار أوغلو. أردوغان باختصار وجه رسائل مختلفة إلى الداخل التركي قبل أن يتوجه إلى أنقرة ليتحدث مجدداً «إلى العالم كله». شكر شعبه الذي مكنه من فرصة تحمل المسؤولية مجدداً. مؤكداً أنه لا يدعم المثلية الجنسية و«كيان العائلة وحقوق المرأة من المقدسات لدينا». وقال: «أعتقد أن حزب الشعب الجمهوري (المعارض) سيودع كمال كليجدار أوغلو وسيحمله مسؤولية الأداء السيئ في الانتخابات». أما الكلمة الرنانة التي رددها أردوغان ومناصروه فكانت «باي باي كمال».

في رأي متابعين للشأن التركي أن فوز أردوغان لولاية جديدة يعود إلى الإنجازات التي حققها الرجل مع فريق عمله على مستوى الداخل التركي. كانت تركيا تعاني قبل وصول «العدالة والتنمية» إلى الحكم من أزمات اقتصادية واجتماعية كثيرة. وكان هناك تقويض للعملية السياسية والحياة الديموقراطية على أيام «الانقلابات العسكرية». كان الجيش، الحاكم بقبضة من حديد ينفذ انقلاباً عسكرياً في أي لحظة سياسية يعتبر فيها أن الحكومة تخرج عن «المبادئ العلمانية التي أرساها مؤسس الجمهورية مصطفى كمال أتاتورك». هذا الأمر أدى في السابق إلى عدم استقرار سياسي في تركيا نجم عنه انعدام التنمية الاقتصادية والبنيوية وغيرها. عندما تسلم العدالة والتنمية الحكم منذ حوالى عشرين عاماً قام أردوغان بتسديد ديون بلاده للبنك الدولي في وقت قياسي. كما حصلت نهضة اقتصادية كبرى شملت بناء المصانع وتطوير القطاع السياحي وإنشاء البنى التحتية الأساسية كشبكة الطرقات والمواصلات على أنواعها كالمترو والقطار السريع وبناء الأنفاق تحت البحر والجسور المعلقة. وفوق كل ذلك بنى أردوغان مؤخراً أكبر مطار في العالم هو مطار إسطنبول الجديد في منطقة «أرناؤوط كوي».

السبب الآخر لإعادة انتخاب أردوغان برأي المراقبين هو أنه بنى مكانة لتركيا في العالم. قبله كانت تركيا مهمشة ومطيعة للغرب بشكل أعمى. بينما استطاع أردوغان من خلال موقع تركيا الجيوسياسي أن يبقي على علاقاته مع الغرب (تركيا حلف في حلف شمال الأطلسي) وأن يؤسس لعلاقة مهمة مع روسيا. أرسى بذلك هذا التوازن «الصعب» لا سيما بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية. كذلك لعب أردوغان دوراً في محاولة التوسط الروسي الأوكراني واستطاع أن يوقع مع الأمم المتحدة والطرفين المتحاربين «اتفاق إسطنبول» لتسهيل مرور الحبوب الأوكرانية إلى العالم كي «لا يجوع».

من جانبه كان كمال كليجدار أوغلو قد هدد بنسف الاتفاق مع روسيا في حال فوزه، لأن حزب «الشعب» الذي يرأسه يريد العودة إلى علاقات مميزة مع الغرب فيما علاقة روسيا مع الغرب في أسوأ مراحلها.
لماذا «باي باى كمال»؟ يجيب المراقبون بأن هناك أسباباً عديدة لخسارة مرشح المعارضة منها أن حزب الشعب تعاطى بشكل «صادم جداً» مع المتضررين من الزلزال الأخير الذي ضرب مناطق واسعة في تركيا. إلى حد أن بعض مسؤولي البلديات المؤيدة للمعارضة قاموا بالانتقام من ضحايا الزلزال بعدما علموا أن الناس ذهبت وصوتت لتحالف العدالة والتنمية. إضافة إلى ذلك فإن كمال كليجدار صدرت عنه تصريحات «غير مسؤولة». فقال مرة إنه عندما يفوز، يريد أن يلزّم مطار أتاتوك القديم في إسطنبول لشركة أميركية تعنى بدراسة الفضاء والطيران ولم يكن يعلم أن قراراً قد صدر بالفعل من الدولة بتلزيم المطار إلى شركة تركية تعنى بالفضاء! أما على الصعيد الشخصي فإن عمر كليجدار أوغلو أكبر من عمر أردوغان. وعندما طالب بعض الشعب التركي بالتغيير أراد الذهاب إلى مرشح «شاب» فلم يوفق بكمال. أما القشة التي قصمت ظهر مرشح المعارضة فهو أنه من الطائفة العلوية وهو صرح بذلك علناً. كل هذا دفع بقواعد ثلاثة أحزاب محافظة متحالفة مع «حزب الشعب» هي السعادة، والمستقبل، والتقدم والديموقراطية إلى الاتجاه مجدداً نحو أردوغان. التغييريون الأتراك يريدون مرشحاً علمانياً لكن لا يفتخر بمذهبيته.

يرى المراقبون أن فوز أردوغان سيكمل ما كان قد بدأه في المنطقة. ففي الملف السوري، ستستأنف جلسات الطاولة الرباعية في موسكو بين روسيا وتركيا ودمشق وإيران. وذلك بهدف إيجاد حل سياسي وخريطة طريق تنهي الأزمة السورية وتؤمن مشاركة سياسية في الحكم بسوريا وتؤسس لعودة آمنة للاجئين. كما تعيد العلاقات الطبيعية بين دمشق وأنقرة.
هذا المسار ليس بعيداً عن المسار العربي، بل هو يتكامل معه، ويستند المساران على القرار الدولي ٢٢٥٤ .
كما أن هناك مشتركات كثيرة بين المبادرة العربية والمسار التركي والجميع يلتقي على أهمية وحدة الأراضي السورية.

أما فيما يتعلق بالعلاقة مع روسيا، فلا شك أن موسكو سعيدة بفوز أردوغان، لان ذلك سيريح موسكو بأن من يحكم الجارة ليس مطيعاً بشكل أعمى للمنظومة الغربية، وسيحافظ على الاتفاقيات الثنائية بين موسكو وأنقرة، لا سيما في ما يتعلق بالملفات الاقتصادية.

ماذا عن لبنان؟ تتميز تركيا عن إيران مثلاً، أنها تتعاطى من دولة الى دولة، ولا تتعاطى مع جماعات.
تركيا في عهد أردوغان «الجديد» ستسعى إلى دعم تعافي لبنان ومساعدته للخروج من أزمته، وذلك بالتنسيق مع الدول المهتمة بالملف اللبناني.
موقع تركيا الجغرافي وقربها من لبنان والمشتركات الثقافية والتاريخية بين الشعبين اللبناني والتركي، تمكنها من لعب دور إيجابي على هذا الصعيد.
سيما وأن تركيا لديها علاقات مع الغرب ومع روسيا، إضافةً إلى علاقاتها المتجددة مع دول الخليج العربي، خصوصاً بعد المصالحة الخليجية – التركية.

يذكر المراقبون بزيارة نائب الرئيس التركي فؤاد أكطاي إلى مرفأ بيروت إبان التفجير الرهيب الذي دمر ثلث بيروت في آب ٢٠٢٠. وهو عبر عن إرادة تركيا بإعادة إعمار مرفأ بيروت. هذا الأمر لم يحصل يومها لأسباب لا تتعلق بتركيا بل بلبنان. لكن يمكن أن تتقدم تركيا مجدداً بعروض «مغرية» لإعمار المرفأ سواء في بيروت أو الشمال أو أي منطقة من المناطق اللبنانية التي يمكن أن تستفيد من الخبرات التركية الهائلة في مجال التنمية والإعمار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى