
تركيا انفجار فقاعة أردوغان يسوقها للفوضى والاحتراب؟ أ م يسقط بانقلاب؟
للعرب فرصة نادرة... هل يستثمرونها؟
تقدير موقف سياسي
ميخائيل عوض
المعطيات والتحليل
لسنوات ثلاث متتالية شهدت الليرة التركية انهياراً وعجزت إجراءات المركزي ووزارة المالية عن وقف مسارها الانحداري على رغم هدن وفترات هدوء بنتيجة عوامل طارئة، مثل هبة الإخوان المسلمين العالمية وتحفيزها على إسناد الليرة، ومن ثم زيارة أمير قطر وإسناد أردوغان بمليارات الدولار، وأخيراً زيارة الإماراتي وتعهده بضخ عشر مليارات دولار بالاقتصاد المتهالك، وشكلت سياسات أردوغان الارتجالية أحد عناصر التحفيز على تسارع الانهيار المالي، حيث بلغ سعر الدولار 18,40 ليرة كرقم فلكي غير مسبوق، وكدليل إضافي على عنف وعمق الأزمة الاقتصادية المتقاطعة مع أزمات هيكلية وبنوية وسياسية عامة أدخل أردوغان تركيا بها، ويزيد في عصف أزمتها بإقدامه على إجراءات هوائية وعنترية لا تمت لعلم الاقتصاد وإدارة اقتصاد الأزمات بصلة، فغيّر وزراء مالية وحاكم المصرف مرات، وأمر بتخفيض الفائدة بذريعة التخلص من الاقتصاد الربوي المرذول إسلامياً، وعلى رغم كل ذلك حافظت الليرة على تدهورها بل زادت من التسارع.
وعند بلوغ الانهيار حد غير مسبوق وتجاوز الـ18 ليرة للدولار، أطلق السلطان عفريتاً جديداً من قبعته! ستكون أثاره أكثر تدميراً على الاقتصاد ومستقبل العملة والتضخم، فقد أقرت السلطات التركية تحمل خسارة فارق أسعار العملات للودائع بالليرة التركية، وهذه وصفة الكارثة بعينها وانقلاب على الحرب ضد ما أسماه الاقتصاد الربوي بتولية الدولة وموازناتها العاجزة شخصية المرابي الكبير.
تختلف الآراء والتقديرات حول مسارات ومستقبل تركيا وأزماتها وما زال منظّرو الإخوان المسلمين وكهنة معبد أردوغان المتداعي يتعاملون مع الأزمة وارتجاليات أردوغان على أنها الحكمة بعينها، وأن الأزمة عابرة وأن تركيا ستنهض وأنها قادرة وهي من يتحكم بالأزمة، وبأن معجزتهم التركية صناعة خاصة، وستكون مفاجئة جديدة وتنهض أقوى مما كانت!.
بعيداً عن بروبغندا الإخوان وكهنة معبدهم المتداعِ، يمكن ضبط عناصر الأزمة ومعرفة مسارتها وما يبطّنه المستقبل القريب لتركيا من انهيارات درامية وفوضى عارمة، وربما توحش وانهيار وحدتها الوطنية الأتاتوركية الكمالية…
الفقاعة “المعجزة الأردوغانية” منتج صنع في بيئة وافرة، فقد أنتجت وصعدت الأردوغانية مع نهاية القرن المنصرم، وقدمت نفسها معجزة بخديعة متقنة وبمساعدة ظروف وبيئات موضوعية وافرة، وبإسناد وتصنيع أميركي ولأسباب أميركية- إسرائيلية في سياق محاولة إعادة هيكلة السيطرة الأميركية، وبما أن أميركا فشلت ولم تعد في حاجة للفقاعة فالمنطقي أن تنفجر وقد قارب موعدها.
١- صممت الدولة العميقة الأميركية نموذج الإسلام السني المعتدل وتفاهمت مع حركة الإخوان العالمية لتفويضها في العرب والمسلمين، واختيرت تركيا كمنصة لأهميتها الجيو-استرتيجية والجيو-بوليتكية، وصنعت شخصيتها المحببة أردوغان ودفعته للانشقاق عن حركة المعلم وأستاذ الإسلام السياسي التركي أربكان، وهو من وصف انشقاق أردوغان ورفاقه بأنها صناعة السي أي إيه.
٢- أعلن أردوغان نفسه وبلسانه في خطبه أنه وكيل أميركا للشرق الأوسط الجديد، وزاد كثيراً واعتد بنفسه وتوهم قدرته على استعادة العثمانية البائدة وقال في خطب إنه ساع ليصل أتراكه إلى حيث بلغ أجداده من أمصار على صهوات الجياد، وورط تركيا بتبني وإعداد جيشه العثماني الإسلامي من مرتزقة فصائل الارهاب العالمية، وتوسع في نشر القواعد والقوات التركية العسكرية في بلاد كثيرة، حتى غدت تركيا ثانِ دولة بعد أميركا في نشر قواتها وقواعدها وأجهزتها خارج الحدود، مع فارق جوهري يكمن في قدرات أميركا وهيمنتها، على عكس تركيا الوكيل المتطوع والصغير في قدراته والضامرة عضلاته. فكيف تبدو أمورها اليوم وأميركا قررت إعادة هيكلة وسحب القوات والقواعد التي أنهكتها اقتصادياً، وبددت الثروات الهائلة على حروب بلا طائل…
٣- تصنيع الفقاعة الأردوغانية تصادفت مع انهيار النمور الأسيوية وأزمات روسيا وأميركا اللاتينية، وكتلة المال الساخن العالمية المضاربة، تبحث عن صيد ثمين وجدته في تركيا وانهمرت الأموال الساخنة على المصارف التركية وأغرقتها بديون تبلغ 460 مليار دولار دين خارجي، وأكثر منه ديون داخلية، فاستندت الأردوغانية إلى وفرة الديون بالترويج للاقتصاد الاستهلاكي للأسر، وبديون سهلة المنال وبلا ضمانات فعلية فسجلت أرقام الاقتصاد نمواً كاذباً لتلميع المعجزة الفقاعة.
٤- بادرت حكومات أردوغان إلى بيع وتخصيص القطاع العام ومؤسساته بأبخس الأسعار وبفساد موصوف، ما وفر مئات مليارات الدولارات أسهمت في تلميع الفقاعة ووفرت وفرة لسداد ديون صندوق النقد التي كانت تركيا تأن تحت ثقلها، وأمنت تمويل مغامرات وسياسات أردوغان في الداخل وفي التدخلية المسلحة في الخارج، فتحرير تركيا من ديون صندوق النقد حرر حكومات أردوغان من رقابته ومن رقابة شركات ومؤسسات الخبرة والتصنيف، واستبدلها بديون المال الساخن وشعاره اضرب واهرب.
وتصادفت ظاهرة أردوغان مع تحولات اقليمية وعالمية استفادت منها تركيا، فغزو أفغانستان ثم بغداد أمّن لتركيا دور سياسي وعسكري كوكيل للمشروع الأميركي، وبفعل الاتصال الجغرافي أمّن للاقتصاد التركي أسواقاً مجزية وأموالاً باحثة عن مغاسل لغسلها من العراق ووسط آسيا، وتموين العراق والقوات الغازية بالمنتجات واحتكار العلاقة بكردستان العراق ونفطها، وتأمين حاجاتها، ما وفّر للاقتصاد التركي مكاسباً هائلة، ثم الاشتباك الأميركي- الإيراني في الملف النووي والعقوبات وحصار إيران دفعها للحضن التركي كملاذ اقتصادي وحقق الاقتصاد التركي وقطاعاته مكاسب جمة وبكلفة رخيصة.
٥- إقفال الأبواب أمام تركيا الإسلامية ومنعها من دخول النادي المسيحي “الاتحاد الأوروبي” تقاطع مع انعطافه تركية إلى الشرق والعرب والمسلمين، وعبر البوابة التاريخية سورية لإنفاذ استراتيجية صفر مشكلات والبعد الاقليمي الذي صاغها وكلف بإنجازها، أبرز منظري الحقبة الأردوغانية أحمد داوود أوغلو، وكان أستاذ أردوغان حتى أتم خطته، ثم انقلب عليه أردوغان فخرج من حزب العدالة والتنمية وأسس حزباً منافساً، كما الخبير الاقتصادي باباجان الذي خرج أيضاً على أردوغان وأسس حزباً منافساً.
٦- حقبة الفوضى العربية أغرت أردوغان وعززت أوهامه العثمانية، ودفعته إلى التورط المباشر في سورية والعراق واليمن وليبيا وتونس والسودان وفي أفغانستان ووسط آسيا، ووفرت له مكانة محورية كلاعب يملك أوراقاً وأمنت مصادر تمويل للإرهاب الذي أديرت جيوشه من تركيا فتعززت الفقاعة.
٧- في ظروف مؤاتيه نحج أردوغان في الرقص على الحبال المشدودة بين روسيا وأميركا ووازن بين النفوذين بوهم أن يستثمر في صراعاتهما، ليخرج كاسباً وحيداً، بينما كلا اللاعبان كان يستخدمه ليكسب هو لا ليعطي الرقّاص مكاسباً على حسابه.
٨- استغل أردوغان بذكاء وفطنه صعود حركة حماس في المقاومة وتاجر بالقضية الفلسطينية، وتظاهر بالخلاف مع الكيان الصهيوني، فعوّم نفسه كند لإيران وفصائلها، وكبديل عن عرب خانوا وتصالحوا مع “إسرائيل”.
انتهت الظروف الموضوعية التي تأمنت “للمعجزة” الفقاعة وذاب الثلج لتجد تركيا الأردوغانية نفسها أمام الحقائق المادية العارية، وتبدأ رحلة الأفول والهزائم والانكسارات، ولتضربها أزمة اقتصادية عنيفة هيكلية مترافقة مع أزمة الدور الوظيفي وأزمة المكانة والحضور، وتتفاعل مع أزمات اجتماعية وسياسية شاملة وعنيفة، كشفتها وعمقتها سياسات أردوغان الداخلية وعبثه بأركان الدولة الأتاتوركية التي أصابها أردوغان بإعطاب قاتلة، فالأتاتوركية قامت على قواعد ومحاور كمثل تغريب تركيا وأوربتها، فجاءت الأردوغانية لتشريقها وأسيويتها وأسلمتها، فأحدثت صراعاً وشرخاً عميقاً بين العلمنة والأسلمة، ثم أطاح أردوغان بالعامود الأكثر أهمية لتركيا الكمالية الجيش ومكانته كحام للدستور ولوحدة الدولة، فأعاد أردوغان تعريف الجيش ودوره وأخضعه وكسر أجنحته وقلّص دوره ومكانته، بل واستبدله بميليشيات وزارة الداخلية والجماعات الإسلامية الإخوانية وبفصائل محلية كحراس الليل والذئاب الرمادية، وضخم أجهزة الأمن وحولها إلى مليشيات تابعة للعدالة والتنمية التي أذلت الجيش يوم المحاولة الانقلابية الفاشلة التي استخدمها أردوغان لتصفية منظمة غولن، ومحاولة شطبها على الرغم من أنه أحد طلابها وتلامذتها، وهذه أيضاً أسهمت في خلخلة وتهميش واضعاف قبضة ووحدة الدولة العميقة، “أركينون” وتحولت فيها التوازنات إلى ثنائية الأردوغانية- الروسية، وهذه تفسر تفاهمات أردوغان بوتين، ولماذا أسهمت روسيا وإيران بإفشال انقلاب غولن- الأطلسية في الدولة العميقة.
والقاعدة العامود الثالث في الأتاتوركية دور الدولة والقطاع العام، وقد أنجز أردوغان تصفيتها وحول الدولة إلى مجرد جابٍ بعد أن كانت دولة رعاية وليس جباية.
في خلاصات القول إن العوامل والظروف المادية والموضوعية التي أسهمت في تصنيع الفقاعة الأردوغانية “ومعجزتها” الاقتصادية قد زالت وانتفت أسبابها وعناصرها، وفي هذه الحالة فالمنطقي أن تدخل الأردوغانية أزمتها التكوينية والهيكلية، وأن تنفجر على نفسها ونموذجها ليكون سؤال المليون دولار، كيف سيتصرف السلطان الواهم وهو يرى سلطنته قد هرمت ونخرها السوس وتتهاوى؟… فهل يرحل طائعاً ليفديها؟ أم يرتكب حماقة نيرون في حرق روما؟ ويسوّقها إلى الفوضى والحرب الأهلية والتشظي؟ والقوى الاقليمية والدولية ستنتعش عندما ترى تركيا العثمانية والكمالية وهي في طور الزوال؟
والخلاصة الأهم، إن ما هو جارٍ في تركيا أزمة عامة سياسية ووطنية، وأزمة دور وأزمة نموذج وبنية، وأزمة اقتصادية اجتماعية عاصفة تتجلى بظواهرها كأزمة مالية وانهيار عملة وطنية، وقرارات ارتجالية وارتباكات حادة في السياسات.
يتبع…
تركيا في طور الانفجار والتشظي فهل تقع المعجزة وتنجو؟ وهل ينجح العرب في استثمار فرصتهم الضالة؟ وقد توفرت…