قد حان وقت المراجعة – 15

بقلم محمد حسن العرادي – البحرين

متى يحين الوقت لطرح الأسئلة المحرمة، والمراجعات القاسية؟ وهل يتقبل الشارع البحريني مثل تلك التساؤلات بعد كل هذه الفترة من الصمت والصيام عن الكلام الحر والمر أيضاً؟ ذلك أن بعض الكلمات تخلق في مجرى الحلق حشرجة ومرارة يصعب أن تزول، تارة بفعل الخوف الذي يرافقها، وأخرى بحكم الخجل من الاعتراف بقسوتها، وأحياناً بسبب الألم الذي يرافق تذكر ما خلفته من ندوب وفواجع ومواجع وأثمان باهظة دفعها الناس لا عن رغبة ورضا واختيار، وانما عن حشرٍ وإغراء وانجرار.

أخطاء كثيرة وقاتلة وقعنا فيها، يتم التكتم والطبطبة عليها لأن من قام أو أمر بها أو فعلها أو بررها محاط بالقداسة وذاته المصونة لا تمس، أو قل بأنه غير قابل للنقد العلني خشية أن تنخدش رمزيته، وربما كي لا تهتز ثقة الناس في قيادته وأهليته، وهكذا تستمر الأخطاء من دون مراجعة وتصحيح، ويستمر من ارتكبها في مواقع القيادة وفق قاعدة “الله لا يغير علينا” وكأن التغيير جريمة نكراء أو سُبة شنيعة، أو بِدعة وضلاله تقود أصحابها إلى النار وغضب الجبار لا قدر الله.

لسنا دعاة تغيير من أجل التغيير فقط، مع أن التغيير الإيجابي هو سمة الحياة، والجمود على رأي أو موقف واحد هو إندثار وموت محقق، ذلك أن سمة القادة التاريخيين الكُبار هو التسامي على أنفسهم وجُراحاتهم، والاعتراف بالاخفاقات التي واجهتهم، وعليه فإنهم يتيحون الفرصة لظهور جيل جديد من القيادات يكمل المسار، ويقلل الأخطار، فالكمال لله وحده، ولأن الكبار يؤمنون بأن “من تواضع لله رفعه” تراهم يتواضعون أمام تضحيات وصبر شعوبهم، وينظرون إلى مصالح مجتمعاتهم بمعيار النقد الذاتي ومصارحة النفس بعيداً عن روح الأنا ونظرية “ما أريكم إلا ما أرى”.

ثم يقررون في لحظات تجلي الإنسحاب من الساحة واعتزال مواقع القيادة، حتى وان لم يكونوا قد إرتكبوا أخطاءً قاتلة، فالاخفاق وحده أيا كانت الأسباب مبرر كاف للتنازل والتنحي، وربما الانزواء لمزيد من التأمل والدراسة، أو لكتابة المذكرات وتسجيل التجارب بما لها وعليها، علها تكون دليلاً يهدي الأجيال القادمة لعدم الوقوع في ذات الأخطاء والاخفاقات، ويتيح لها الإستفادة من النجاحات والانجازات والبناء عليها.

ليس هذا الحديث موجهاً إلى أحد بعينه، لكنه عرض مجاني مشفوع بالمحبة والاحترام والتقدير مُقدم إلى كل من يتبوأ مواقع القيادة المجتمعية، رسمية كانت أو شعبية أو أهلية، قد لا تكون أخطاؤك هي السبب في الإخفاق الذي واجه من تقودهم، قد تكون الظروف المحيطة غير مواتية ولا تسهل تطبيق ما تعتقد بأنه يحقق الصالح العام، قد يكون المزاج العام غير قادر على استيعاب خططك وأفكارك النيرة، قد تكون سابقاً لعصرك في التفكير والتخطيط، لكن ما تقدمه لم تنضج الظروف المجتمعية لتحقيقه وتقبله وتطبيقه على أرض الواقع، في النهاية المرجو من جميع القادة إتاحة الفرصة للناس لتجربة قيادات أخرى بديلة، فلربما إنسجم الناس معها بصورة أفضل ونتائج أكمل، وربما اكتشفوا أن قيادتك كانت هي الأنجع فعادوا إليك يطلبون الصفح والغفران.

إذا كنت زعيماً مجتمعياً، أو رئيساً لمؤسسة رسمية أخفقت في الوفاء بمسؤولياتها، أو جمعية أهلية اصطدمت مع القوانين والإجراءات التي تنظم مجال عملها، أو رئيساً لتجمع أو قائد لتيار سياسي أخفق في التجانس مع ما تطرحه السلطات من قوانين وإجراءات ناظمة للعمل الذي يقوده، ما عليك سوى أن تتقدم خطوة الى الأمام، وتمتلك شجاعة القادة، وتفسح المجال لمن يأتي بعدك أو من يختاره المعنيون في الإطار الذي كنت تقوده، فلربما تمكنوا من تدوير الزوايا، وإعادة التموضع لضمان استمرار التيار وإعادة تنظيم صفوفه، ثق بأن الحياة لن تتوقف أذا غادرت هذا الموقع، تأكد بأن سنن الحياة التجدد وتبادل الأدوار وخلق البدائل والله من وراء القصد، وللحديث صلة.

أجواء برس

“أجواء” مجموعة من الإعلام العربي المحترف الملتزم بكلمة حرّة من دون مواربة، نجتمع على صدق التعبير والخبر الصحيح من مصدره، نعبّر عن رأينا ونحترم رأي الآخرين ضمن حدود أخلاقيات المهنة. “أجواء” الصحافة والإعلام، حقيقة الواقع في جريدة إلكترونية. نسعى لنكون مع الجميع في كل المواقف، من الحدث وما وراءه، على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى