
فايزة أحمد.. من صيدا إلى النجومية
في حارة الجامع العمري الكبير في صيدا القديمة، ولدت فايزة أحمد الرواس لعائلة من الطبقة الوسطى، حيث كانت تقطن معظم العائلات الصيداوية قبل أن تتمدد إلى أمكنة أخرى خارج حدود صيدا القديمة، وعائلة الرواس كانت من ضمن العائلات التي تقطن في صيدا القديمة آنذاك.
“أجواء برس” التقى في صيدا عدنان الرواس إبن شقيق الفنانة الراحلة الذي تحدث عن عمته بنبرة الحنين إلى الأيام التي كان يقضيها معها في مصر خلال زيارته لها، أو حين كانت تأتي لى لبنان لزيارة عائلتها في صيدا.
يخبرنا عدنان، أن فايزة ولدت في صيدا عام 1934 وتحمل اخراج قيد من محلة مار نقولا، قضت طفولتها في “حارة الجامع” ساحة باب المسجد العمري وترعرعت حتى بلوغها الثالثة عشرة، والدها هو أحمد الرواس الذي كان يملك حماماً في صيدا القديمة، وعن طفولتها يقول: طفولتها كانت طفولة عادية مثل أي طفولة أخرى. رغم انها افتقدت وجود أب يحيطها بالحماية والحنان، ولكن والدتها كانت لها أماً وأباً في الوقت نفسه. وأذكر أن جدّتي “والدتها” شديدة كما هي عمتي “فايزة” والعواصف لم تحنِها، فاحتضنتها بكل ثقة وعطف وحنان. وأهم ما أذكره أن جدّتي، أم فايزة، كانت تعزف على العود وكانت تعزف لفايزة وتغني، وفي صيدا كانت تنتشر في ذلك الوقت الحمامات النسائية والرجالية. كان كل من جدي وجدتي يملكان حمام “السبع بنيات”، في أوقات النساء كنّ يجتمعن، جدتي تعزف على العود وعمتي تغني. يعني أم فايزة هي أول من اكتشف موهبة ابنتها، وكانت في ذلك الوقت لم تبلغ العاشرة. كان هناك موسيقي من آل زنتوت هو أول من علّمها العزف على العود.

ويضيف: عاصرت عمتي فترة طويلة في أيام الشباب، وتوطدت علاقتي بها خلال زياراتي المتكررة لها في مصر ولمدة عشرين سنة تقريباً، وكانت آنذاك متزوجة من الملحن محمد سلطان، الرجل المحترم والذي أكنّ له التقدير، وهو الرجل الوحيد الذي أحبته فايزة وأحبها وعاشا معاً فترة طويلة قاربت السبعة عشر عاماً وكان الخلاف حسب ما حدّثني إبنهما، إنها حكايات الغيرة والنكايات.

هل اخبرتك يوماً من كان يحاربها من الوسط الفني؟
نعم، عبد الحليم حافظ أول من حاربها ثم وردة الجزائرية. في إحدى الحفلات التي كان يقيمها الملك الحسن الثاني في المغرب في عيد تولي العرش، ويدعو الكثير من الفنانين لإحيائها. طالب عبد الحليم باستثناء فايزة من الحفلة. وفي حفلة مشتركة في القاهرة قطع عنها التيار الكهربائي، لكنها رغم ذلك استمرت وكان صوتها القوي يعلو في الصالة. وبقيت فترة طويلة لا تغني في حفلة فيها عبد الحليم، وهو أيضاً كان يرفض أي حفلة فيها فايزة أحمد.
إلا أن فايزة كانت لديها طيبة غير عادية ورغم معرفتها بغيرة وردة منها إلا أنها في إحدى المرات التقتها في الشيراتون في حفل رأس السنة الذي كان يضم فنانين كثراً من لبنان ومصر. وجلست معها إلى طاولة واحدة، وفي اليوم التالي أصرت فايزة على تكريم وردة وعزمتها على حفلة في مناسبة عيد ميلادها في أول السنة الجديدة.
لكن في مقابل هذه المحاربة وجدت التكريم ونالت المكانة المرموقة، فحين كنت أخرج إلى جانبها أجد كبار الشخصيات يقدمون لها الاحترام والتقدير، ومعروف أن السادات كرّمها، وإبنة السادات صديقة لها وجارة في البناية. ورغم ذلك بقيت إنسانة بسيطة وطبيعية.

عُرفت فايزة أحمد بطرافتها وخفة دمها، حدثنا عنها
أجمل شيء فيها طرافتها أنه كان لديها القدرة على تقليد الفنانين والمطربين بشكل كوميدي ساخر، وببراعة تامة. وحين لا تجد من تقلده، تقلّد نفسها، وهي صاحبة نكتة بامتياز. سريعة البديهة ومن لا يعرفها يجهلها.
كانت تحب عمل الخير، ورغم أنها تبذل في سبيل الخير، ولم تكن بخيلة، إلا أنها كانت تفكر دائماً في المستقبل وتؤمن بشعار “خبئ قرشك الأبيض ليومك الأسود”. وبالفعل استطاعت أن تؤمن مصاريف مرضها وسفرها، ولديها أملاك.
أجمل ما فيها أنها حين تعود إلى البيت، وأكون موجوداً، تتحدث معي باللهجة الصيداوية البحتة، وكأنها لم تعش في مصر كل تلك الفترة. تنسى اللهجة المصرية. كانت رحمها الله ست بيت عادية، وتحب الطبخ جداً. وتهتم بأولادها وبتزيين البيت.

ماذا كان يعني لها لبنان؟
لبنان كان يعني لها الكثير وبالدرجة الأولى كان يعني لها الأهل والأقرباء والحنين، وغالباً ما تتحدث عن ذكرياتها أيام الطفولة، إلا أن زياراتها كانت سرية، لأن الشهرة تعكر عليها لحظات الراحة من عناء العمل والصحافة تلاحقها، لذلك تأتي بسرية أحياناً إلى لبنان. تتفقد أخوتها وبيتها تسأل عن أخوتها وبخاصة أختها نظمية، لكن الصحافة كانت غالباً تعرف بوجودها، فينهال عليها الصحفيون والمنتجون والمصورون وغيرهم.

كيف علمت بمرضها؟ وكيف كانت تتصرف؟
حين أحست بالمرض قالت لوالدتي، إنها تحس بشيء في صدرها. فحثتها والدتي على إجراء فحص عند الطبيب، لكنها كانت تخاف، وحتى آخر لحظة قبل وفاتها لم تكن تؤمن إنها ستموت، كانت تجلس على البحر، تغطي جسدها بالرمل الساخن، وتعرض جسدها للشمس لعل الأشعة تشفي مرض الروماتيزم الذي اعتقدته لديها. حين كانت تسمع بأحد مريض بالسرطان الذي توفيت به فيما بعد، كانت تقفز فزعة وتقول، مع إشارة بيدها: “يالطيف. كشّ برّه وبعيد، ما حدا يجيب سيره”.







