
هل قال الحريري كلمة السر فاشتعل البلد؟
أجواء برس
كتب المحرر السياسي
كان الرئيس المكلف سعد الحريري على يقين أن رئيس الجمهورية ميشال عون سيطلب مهلة اضافية للتباحث بالاسماء المطروحة في التشكيلة الحكومية المرتقبة، وكان جاهز للاعتذار، وكل الدلائل تشير الى ذلك، ومنحه الرئيس عون هذه الفرصة، فلو قبل (كما أراد الرئيس بري) لكان قلب الطاولة على رأس الجميع، إلا أن الأصابع التي تتحكم بالطرفين أوحت للأول بالتمسك بالورقة التي وضعتها فرنسا باستشارة بعض المسؤولين، فيما توقعت تلك الاصابع عناد الثاني بورقة ربما نصّتها أطراف مماثلة. لأن اللبنانيين يجمعون على ألا رأي وطني صرف، بل كلها استشارات خارجية، وكلها مداولات للقوى العظمى ليأخذوا من في الداخل منها عظمة. إلا أن المراقبين رأوا في بعض تعابير الحريري نقطة مفصلية أو كلمة سر لاشعال الشارع. وما هي إلا لحظات حتى اشتعل الشارع، بداية كان للاعتراض على عدم قبول تشكيلة الحريري للحكومة، وطلباً، وحين “فلت الملق” كانت الاعتراضات على ارتفاع السعر صرف الدولار مقابل انخفاض الليرة اللبنانية الى أدنى مستوياتها، علماً ان الدولار خلال فترة التكليف والاستشارات كانت يرتفع كل يوم ولم يعترض “مناصرو المستقبل” ولم يتحركوا بالشكل الذي حصل.
إلا أن ما هو واضح – إن لم يقلها الرئيس الحريري- ان رفضه سيقلب معايير الأرض والمناصرين. ولكن كيف سيضبط هذا التفلت الكبير، فحجة البقية الآن، ان لم يكن زعيمي سننشر الفوضى، وهذه مقولة الكل والناس لا تتعظ.
اما ماذا عما سيحصل بعد اعتذار الحريري؟
قلق دولي علماً أن الدول الاجنبية كانت تدرك رغبة الحريري بالاعتذار، لان معظم مصادره “الموثوقة” كانت تبث للاعلام اشعارات الاعتذارن أما القلق الداخلي فهو خطير، لأن التحييش ما قبل التكليف وأثناءه وما بعده، كانت كفيلة باشعال النعرات والطائفية لتأجيج الشارع السني-الشيعي والمسيحي- المسيحي، ولكن ما لا يريد ان يعرفه كل من في لبنان والخارح، لغة المحسوبيات والطائفية والطبقية والمناطقية، إذ لا توجد لغة وطنية أبداً، بل نأتمر بما يريده الخارج، ونقصد كل الأطراف من دون استثناء.
الانهيار وصل والججيم استعر، ولا طاقة لاطفائيات البلد من اخماده، فالدولار حلّق مثل الجراد وبدأ بأكل الأخضر واليابس، وسماسرة دم الناس اشعلوا منصاتهم ليلاً ليستفيق الناس على أسعار سلع لا يستطيعون استيعابها. هذا بالاضافة الى أزمات داخلية، فتجار العملات قادوا الفلتان الذي سمح به المصرف المركزي ويتفرج عليه، يسلخون جلد الناس بدم بارد، ومعهم استعر الشارع بقطاع الطرق من كل حدب وصوب. فالمفارقة أن كل هذا حصل خلال أقل من 48 ساعة من الاعتذار، فكيف الحال في الساعات المقبلة، وان طال انتظار تكليف جديد وبالتالي تشكيل آخر، ماذا سيحصل؟
السيناريو المتوقع
اما السيناريوات المتوقعة في الايام المقبلة لا يعلم بها حتى علم الغيب. قبل اعتذار الحريري بدات التحضيرات لاسماء ستعود الى الواجهة، أولها نجيب الميقاتي، وهو أعلن جهوزيته للقبول، وهنا يطرح الكثير من التساؤل، كيف لرئيس حكومة سابق واجهه الشعب بملفات فساد وسمسرات واستفادات من قروض، هي أساساً للناس ومحدودي الدخل، وملفات عديدة من المفترض انها بلاغ للنائب العام، كيف يمكن أن يعود مقترحاً ليتسلم زمام أناسه كشفوا ملفاته. واذا تم التكليف فيكون من كلّفه يريد تدمير آخر عامود من أعمدة ما تبقى من لبنان.
والمقترض الثاني أن يعاد تكليف مصطفى أديب الذي فشل من أول خطوة، وتنحى، وهم يصرون على ضعفاء القدرة، إلا أن ما هو معلوم أن أديب فرنسي الجنسية والانتماء والعائلة من أصل لبناني، اي انه قد لا يعرف التركيبة اللبنانية، وتجربته أثبتت الأولى ضعف ارادته.
وغير المفهوم لماذا يصرون على أن يكون رئيس الحكومة من منظومة الفساد ومن احزاب السلطة ومن مجرمي الحرب ومن رموز يرفضها معظم الشعب. إما هم أو لا أحد.
والسيناريو الآخر، ما لم يتم تكليف مصطفى أديب، سيتم الدخول الى مجلس النواب واختيار من يرون فيهم زعامات حتى لو كانوا على فئة صغيرة، يكبرون صورتهم ويلمعونها ويقدمون لهم التجربة، ومن الأسماء الممكن أن تكون لديها فرصة من بيروت تدور الدائرة بين تمام سلام وفؤاد مخزومي، ليكون هناك صراع سني سني على الزعامة الحديثة، أو التوجه شمالاً للاختيار بين نجيب ميقاتي وفيصل كرامي، وان تم خيار منهم، فالمنظومة تؤكد على متابعتها لهدر دم الناس من خلال فرض السير بخططها.
انتصار المنظومة وخراب البلد
أما الانتصار، فكل جهة تعتبر نفسها انتصرت، خصوصاً مجموعة التيار الوطني الحر تعتبر أنهم انتصروا على الحريري بدفعه الى الاعتذار عن التكليف وبرفضهم أي لائحة تطرح بعيداً عن تقسيماتهم. أما الحريري فيعتبر نفسه انتصر عليهم لأنه باعتذاره لم يعطهم الفرصة لينفذوا ما يريدون. وبين هذا وذاك. طار البلد.
المشاورات الداخلية كليشه للمقررات المستوردة، خصوصاً أن فرنسا وأميركا قالتاها بوضوح، أن البوارج وحاملات الطائرات والمارينز والقوات العسكرية كلها جاهزة لتقديم “المساعدات الغذائية” للشعب اللبناني الذي لا يرون فيه إلا أنه شعب جائع وكيس طحين يسلم من جندي مدجج بالسلاح سيشبعه. ولا أحد يهتم.
أما من الجهة المقابلة، فهناك تحضيرات من زعماء الاحزاب الطائفية التي كان ولا يزال لها دور في تأجيج الشارع اللبناني (بلطافة) تستعد من محور آخر لتنفيذ مفكرة (أجندة) عربية غربية، بمصالح داخلية، من خلال المؤتمرات واللقاءات والندوات والاجتماعات، سواء من القوات والكتائب والكتلة والحزب وأمل وبعض الفرقاء، كلهم مع كلهم باتجاهات مختلفة يعملون على اقتسام الحصص، والكل بحجة الوطنية.
لو كان فعلاً الوطنية تعنيهم، لكان أول طلبهم تلغى الطائفية، ويكونون هم أول الخارجين ليختار الشعب ممثل للشعب، وليس للطائفة، خصوصاً زعماء أججوا ا لحرب وقتلوا ودمروا، وساسة تاجروا واشتروا وباعوا، ومافيات اخذت وأعطت كل الجهات، وفي النهاية اجتمعوا ليؤسسوا وطناً يعتقدون أنه سيد حر مستقل. إلا أن الشعب وحده يريد ويعمل ليكون لبنان فعلاً سيد حر مستقل.




