
الأردن وإسرائيل في أزمات هيكلية وجودية…
هل يجري التخطيط لأحداث نوعية جنوب وشرق سورية؟
ميخائيل عوض
الملك الأردني عبدالله لا ينطق عن هواء ولا يزل لسانه. دأب على اطلاق تصريحات لافته وحمالة مواقف خطرة كما عاداته، بعد عودته من أميركا وإقامته الطويلة نسبيا التي لم يعرف دوافعها وأسبابها، ولم تنشر لقاءاته فيها، كرر القول إن روسيا انسحبت من الجنوب السوري، واضاف أمس الأول أن الأردن يستعد لإملاء الفراغ.
يبدو أنها ليست مصادفة أن درعا ومناطقها تشهد تصعيداً خطيراً لعمليات الاغتيالات واستهداف وحدات ونقاط وقوافل تنقلات الجيش العربي السوري والقوى الرديفة، بينما تشهد البادية وبادية السويداء وشهدت محافظة السويداء نشاطا محموما للمعارضين ولداعش وفصائل بعضها تنطلق من قاعدة التنف الاميركية، وتستهدف مواقع وقوافل للجيش والحلفاء،
واعلنت روسيا ان التنف تقوم باستضافة المرتزقة والاسلامين وتدربهم لنقلهم إلى أوكرانيا، والجدير ذكره أن القوات الاميركية التي انسحبت من قواعدها في قطر والسعودية والكويت والإمارات والعراق، تمركزت في الأردن، وسبق للأردن أن وقع معاهدة تجيز لها استخدام الأراضي والمرافق الأردنية والأجواء والجغرافية من دون رقيب أو حسيب، وأو تنسيق مسبق.
وقد يكون على صلة الإجراء الذي أعلنه الملك عبدالله وقيد تحركات وحرية اخبه حمزة، في تصعيد يستهدف العلاقات مع السعودية، ويبدد حالة الانفراج التي جرى الحديث عنها سابقاً.
كل ذلك يجري وإسرائيل في مناورات عسكرية واسعة “عربات النار” وهي الاضخم والأطول مدة، وتشاركها القوات الأميركية المشاورات المتقدمة والاستراتيجية وتلوح باستهداف إيران…
كلاهما “إسرائيل والأردن” يعانيان من أزمات متفاقمة وتشكل الأحداث والتطورات الجارية في الضفة وأراضي ال48 تحديات نوعية وتخلق بيئات ليست في صالحهما، وتنحسر سلطات الأردن على الأقصى والمقدسات، ويفقد الأردن مكانته ودوره في الساحة الفلسطينية وتسقط مقولات أمن الأردن من أمن إسرائيل فامن إسرائيل مهدد والدولة الإسرائيلية كالمجتمع مأزوم ومتصارع وحكومة بنيت تتعثر وتميل إلى الانهيار والتفكك.
في العراق تسريبات كثيرة عن انسداد آفاق الحلول والتسويات السياسية بعد الانتخابات وتبادل الشروط، وكلام كثير عن توقع انفجار اجتماعي سياسي قد يتحول إلى أمني يشغل الساحة ويستهدف إشغال فصائل الحشد الشعبي عن دورها في سورية. وفي لبنان تتصاعد الأزمات والتوترات وانسداد في أفق العملية السياسية على إثر نتائج الانتخابات النيابية، يعزز العجز في احتواء الأزمة وتلطيفها والكل يتوقع سلسلة أزمات وانهيار أمني واجتماعي…
فهل أكملت أميركا عدتها، واعدت وكلفت الأردن وإسرائيل وتركيا وقسد وفصائل الدواعش الأميركية لإنفاذ خطط اقتطاع أجزاء من جنوب وغرب سورية؟
في التحليل
الحرب الأوكرانية ونتائجها وتجلياتها تمثل عنصراً دافعاً لاشتعال ساحات أخرى تبدو الحالة العربية ومسارحها والصراع العربي- الصهيوني من المناطق والساحات الأكثر نضجا. فأميركا بحاجة لإنجازات ولجبهات جديدة تشغل روسيا أو تستنزفها وتقلص مكاسبها التي حققتها من المنصة السورية وبناتج عاصفة السوخوي.
إيران واذرعها في سورية ولبنان والعراق بدورها تحتاج إلى حدث أو أحداث تخفف وطأة الأزمات والحصارات التي تستهدفها مع تراجع حظوظ الإتفاق النووي.
إسرائيل والأردن وتحالفاتهما في مازق كبير والأزمات الاجتماعية والاقتصادية التي تسرعها وتزيد من وتأئرها وتأثيراتها الحرب الأوكرانية وتجلياتها توفر بيئات للبحث عن بدائل ومسارح للتنفيس، وتضغط على كليهما التحركات والعمليات العسكرية في الضفة ومدن ال48 وحالات الاحتقان في فلسطين الضفة وأراضي ال48، وكلاهما معني بالبحث عن فرص لسريب الاحتقانات وتخليق أزمات ومسارح اشتباكات تشغل الراي العام عما تعاني منه.
سورية في حالة إنهاك وتقترب من المجاعة بسبب الحصارات والتدمير والاستهداف الأميركي- الأوروبي- الغربي، والاعتداءات الإسرائيلية تزداد كماً ونوعاً وتجري محاولات توسيع الاستهداف والاستنزاف وتستهدف العمليات الإسرائيلية مواقع الجيش العربي السوري وخاصة سلاح الدفاع الجوي بعد الإنذار الإيراني وعلى لسان السيد حسن نصرالله أن الزمان والمكان للرد أصبح فورياً.
البيئات برمتها في حالة قلق وتوترات وغليان والانفجار في مصلحة الكثيرين وقد يفرضه استعصاء الحلول.
فهل أصبحت الأردن وإسرائيل بظل الوجود العسكري الأميركي الكثيف في الأردن وعلى الحدود الجنوبية والشرقية لسورية، ولها أدوات وحلفاء في فصائل الإسلام السياسي والعسكري ومع قسد التي صعدت بدورها من ابتزاز واستنزاف الدولة السورية، فهل اتمت الاستعدادات والتحضيرات لأحداث نوعية؟
الاحتمالات والسيناريوات
1- أن تكون تصريحات الملك والتحركات المتقاطعة معها مجرد “هوبرة” إعلامية للضغط والتهويل وحرف الانتباه عن الأزمات، ومحاولات توليد دور للأردن للتغطية على انحسار دوره في فلسطين ورعايته للمقدسات، وبين الأهداف استدرار واستدراج مساعدات مالية أميركية لمنع الانفجار الاجتماعي…
هذا الاحتمال له الكثير من العناصر الحافزة والمؤشرات تتزايد لصالحه، فالمعطيات تؤكد أن الأردن غير قادر ويعجز عن المبادرة بفتح اشتباك مباشر مع سورية لاحتلال واقتطاع أجزاء من الجنوب والشرق بالتفاعل مع الوجود الأميركي وادواته في الكرد والدواعش، وقد أكد الأردن خلال الأزمة السورية حذره الشديد من التورط المباشر في الأزمة ونجح في المناورة واللعب على الحبال وعمل بمبدأ الباب الدوار فقد احتضن الضباط وغرف العمليات والمرتزقة وفي ذات الوقت نسق مع الجيش السوري، ولعب دوراً في إجهاض مخططات استهداف دمشق من الأردن، وفي إنهاء التمردات المسلحة في جبهة درعا والقنيطرة، ولم تتغير الأمور في صالح انقلاب الأردن على تلك السياسات مع تأزم اسرائيل وتصاعد قدرات محور المقاومة، ومؤشرات ضعف وتراجع أميركا في الاقليم والعالم، ومن غير المنطقي أن يستبدل الأردن إدارته الذكية والمناورة للعلاقات مع سورية بالانتقال إلى الضد، والتحول إلى العداء المسلح بالعمل المشترك مع إسرائيل وأميركا…
2- احتمال أن تبادر الأردن بإسناد أميركي- إسرائيلي بتنشيط أعمال الاغتيالات وتأمين عودة المسلحين إلى جبهة درعا والقنيطرة، والتذرع بالانسحاب الروسي وانفلات المسلحين، وبعجز الجيش السوري عن ضبط الأمور لتبرير توغل وحدات عسكرية أردنية أو مشتركة مع الحيش الأميركي إلى تخوم دمشق والسيطرة على درعا والسويداء والبادية، اتصالاً بالقواعد الأميركية ومنطقة سيطرة قسد والسيطرة على مستطيل الحدود السورية العراقية لفرض العزلة والحصار البري على القواعد الروسية في الساحل السوري وجباله وإحكام القطع الجغرافي بين بيروت ودمشق وبغداد وطهران، الهدف الاستراتيجي للوجود الأميركي في العراق ويعزز هذا الاحتمال، توقيت اشغال حزب الله في لبنان وازماته وإشعال الحشد وفصائل إيران بالأزمات الاجتماعية والحراك الشعبي والمسلح، وهذا يتقاطع مع التحركات والإعلانات التركية عن منطقة آمنة، واقامة مدن حدودية لاحتواء اللاجئين والسعي لمنطقة عازلة على طول الحدود.
يقطع على هذا الاحتمال والسيناريوات المكملة له احتمالات تسارع أحداث الضفة وفلسطين ال48، أو مبادرة من حزب لله للتحرش المباشر بإسرائيل كما فعلها مرات، وآخرها في آذار 2021، واحتمالات الرد السوري على التحرشات الاسرائيلية وأو رد إيراني من سورية على التحرشات الإسرائيلي، فرفع منسوب الاشتباك مع إسرائيل مباشرة يجهض أي محاولات وينسف سيناريوات تصعيد في جنوب وشرق سورية برعاية ومشاركة اميركية- إسرائيلية وبمبادرة أردنية، واغلب الظن أن هذه أمور وتحركات وإعلانات لا تغيب عن نظر القيادة السورية وقادة دول وفصائل محور المقاومة المستهدفة ، والتي تدير حرباً واسعة في الاقليم وأبعد، ومازالت يد محور المقاومة هي الأعلى ولروسيا مصلحة وافرة بقطع الطريق على سيناريوات استهداف وجودها في سورية ومحاصرته لإضعافه وإسقاط النتائج الايجابية لعاصفة السوخوي والدور الروسي في سورية.
بين هذين الاحتمالين تراوح المعطيات والأحداث من دون ترجيح يحسم أحدهما على الٱخر، فيجب التنبه للمخاطر والاستعداد لمواجهتها أو استباقها لتغير اتجاهات الأحداث والتطورات كممارسة واجبة في بيئة متوترة وحرجة تفتح الاقليم على جديد وعلى أحداث قد تكون مفاجئة ومن خارج السياق والنص.
فالمنطقة متخمة بالأزمات والتوترات والعالم متفجر وكل شيء وارد والبيئة توفر شروط لمغامرات انتحارية ولأحداث عاصفة غير محسوبة النتائج.


