
التحضير لانتخابات البحرين 2026 – 6
بقلم محمد حسن العرادي – البحرين
يتعامل البعض مع الانتخابات العامة كحدث موسمي يأتي كل أربع سنوات ثم يذهب وكأن شيئاً لم يكن، لكني أعتقد بأن الانتخابات العامة شأن مهم ومستمر ومتواصل ترتبط به حياتنا بشكل كبير ويتأثر به مستقبلنا ومستقبل أولادنا وبلادنا، فكلما كانت اختياراتنا صحيحة ودقيقة كلما كان النواب الذين نوصلهم إلى مقاعد مجلس النواب على قدرٍ عالٍ من المسؤولية والأهلية، وكلما تحكمت في اختياراتنا وقراراتنا الانتخابية عواطفنا وارتباطاتنا المذهبية والعرقية والقبلية، كلما ساهمنا في تفريغ التجربة البرلمانية من مضمونها وتراجعها إلى الوراء وربما تدميرها بشكل نهائي.
إن العملية الديمقراطية والسياسية بحاجة إلى تراكم الخبرة والتجربة وتعزيز الثقة المتبادلة والتواصل بين الناخب والنائب، فإذا تحقق ذلك بالشكل والدرجة المطلوبة شعر النواب بعِظم المسؤولية التي يحملونها فوق أكتافهم، ولم يعودوا مجرد أرقام ليس لها تأثير في القرارات والقوانين التي تصدر عن السلطة التشريعية، بسبب اللامبالاة وعدم الاكتراث الذي ينتاب عدداً كبيراً من أعضاء مجلس النواب الذين ينطبق عليهم المثل القائل: “حضورك عندي كما لو كنت غائب”، بسبب سلبيتهم وتقاعس البعض منهم عن القيام بواجباتهم مما سبب الاحباط الشديد لناخبيهم.
لقد ذكرنا في الأهداف التي يجب علينا وضعها نصب أعيننا لضمان التحضير الجيد للانتخابات المقبلة في نهاية العام 2026 الهدف الثاني تحت عنوان: ” تعزيز إجراءات التحول الديمقراطي في البلاد”، واذا كان جزءاً كبيراً من المسؤولية في ذلك يقع على عاتق السلطة التنفيذية المطالبة بتخفيف القيود ودعم الحريات والانفتاح السياسي، فإن المسؤولية التي تقع على عاتق النواب ومن يعمل معهم لا تقل أهمية وتاثيراً، فهم إن أحسنوا ممارسة العمل النيابي تقدمت التجربة البرلمانية ونضجت أكثر وآتت أكلها كما ينبغي، من خلال ترسيخ المفاهيم الديمقراطية والأعراف البرلمانية الصحيحة التي تُعتبر الركن الأساس والأهم في التحول الديمقراطي، وإن أساءوا التصرف وتراخوا في أداء مسؤولياتهم أصبح الدخول لمجلس النواب مجرداً من الأهلية، ومحصوراً في الوجاهة والمكاسب المادية الفردية.
إن اجراءات التحول الديمقراطي في البلاد تحتاج إلى تعزيز استخدام الأدوات النيابية والدستورية التي يمتلكها السادة أعضاء مجلس النواب، وذلك يتطلب منهم التشبث والدفاع عن حقهم الكامل في استخدام وتوظيف هذه الأدوات والصلاحيات التي يمنحهم إياها دستور البلاد واللوائح الداخلية الخاصة بالمجلس وخاصة حقهم في الرقابة والتشريع، فإذا ما تراخوا او تخلوا عنها وأهملوها كما فعل أغلب من وصل لمجلس النواب خلال العشرين سنة الماضية، فإن التجربة ستتراجع أكثر وتصبح بطة عرجاء مكسورة الجناح لا تستطيع أن تمشي ولا يمكن لها أن تطير أيضاً، ويتم القبول والتسليم بأي تقنين أو تقليص لصلاحياتهم كما هو الحال في المجالس النيابية منذ العام 2014 وحتى الآن، من قضم وتراجع للصلاحيات، بسبب التعديلات التي اُدخلت على اللائحة الداخلية، إلى جانب الاجراءات السالبة للحرية المفروضة على المواطنين.
إن تعزيز أدوات التحول الديمقراطي تتطلب أن يمارس السادة النواب أدوارهم في الدفاع عن الحريات والتجربة الديمقراطية، وخاصة حرية العمل السياسي والأهلي وحق الرأي والتعبير، وممارسة النقد الواضح لأكوام من المخالفات الجسيمة التي تزخر بها تقارير الرقابة المالية والإدارية التي ترصد قصور أداء الوزارات والهيئات والأجهزة الحكومية المكلفة بتوفير الخدمات للمواطنين.
كما أن مجلس النواب يجب أن يصبح بيت الشعب فعلياً، يمارس دوره في احتضان مطالب المواطنين والدفاع عن مصالحهم وحقوقهم واحتياجاتهم المعيشية، وليس كما يفعل بعض النواب الذين يصمتون في معظم جلسات مجلس النواب صمت القبور وفق قاعدة “اعمل نفسك ميت” فلا هم يدافعون عن حق المواطن في العمل، الإسكان، الصحة، التعليم، التقاعد وغيرها من الأساسيات ولا هم يساهمون في تحقيق وإستعادة الحريات الديمقراطية للمواطنين، بل إن البعض منهم يمارس دور البصام على جميع القرارات التي تخذل تطلعات المواطنين، ويسارعون الى الموافقة على القرارات والتشريعات التي لا تمس مصالحهم.
وكأننا أمام مقولة تثبت صدقيتها يوماً بعد يوم “إذا صدق النواب وصدقت نواياهم انصلح حال المواطنين وإذا فشلت أعمالهم ونواياهم ذاق المواطنون المزيد من الألم والإخفاق والتراجعات” فهل يتمكن مجتمعنا من إعداد نواب أكثر تمثيلاً لناخبيهم، مؤهلون لاستلام المسؤولية في الانتخابات القادمة، ان هذا الدور ليس حكراً على مجلس النواب بل يتوجب على المجتمع المدني المساهمة في تحقيقه عبر فتح ورش تدريبية للمرشحين والنواب المحتملين لتكريس ثقافة الممارسة الديمقراطية الحقيقة، ننتظر ونراقب وننتقد ونمارس حقنا كناخبين وللحديث صلة.