
بحث معمق فلسطين في انتفاضتها الثالثة المسلحة 1/…
لا خيار إلا النصر ولا طريق إلا التحرير…
ميخائيل عوض
في المنهج
راجت الكثير من الروايات اليهودية والإسلامية في السنوات الماضية تؤكد زوال إسرائيل في العقد الجاري، وترددت منذ سنوات على السنة الشيوخ وأهل التبصير والقراءة في الأرقام أن العام الجاري هو عام نهاية إسرائيل، ومنذ هزيمة إسرائيل في لبنان 2000 والمؤرخون الجدد الإسرائيليين يعلقون الجرس ويحذرون من نهاية إسرائيل وانتهاء زمن الصهيونية، وفقدانها لروحها وجاذبيتها، وقد سبق ملك إسرائيل بيريز أن حدد الزمن الافتراضي لنهاية عناصر قوة إسرائيل في كتابه 1992 “الشرق الأوسط الجديد”، وتنبأ بأن المد الإسلامي الجهادي سيمثل عاملاً محورياً في تسريع النهاية. وقال بيقين: إن الصواريخ الباليستية والمجنحة، والأسلحة المتطورة، وأن التكنولوجيا ستكون بيد العرب والمسلمين، وحسم بأن التقانة النووية ستغدو سلعة بيد العرب والمسلمين، وأقنع شريكه رابين بضرورة اغتصاب الزمن وتوقيع وديعته لتأمين تسوية تنخرط بها سورية وإلا لا مستقبل لإسرائيل فقطع على الثنائي الذكي بيريز- رابين التطرف الإسرائيلي، واغتال رابين سنة 1994 فسارت الأمور على ما توقعه بيريز، وجاءت شهادة رئيس وزراء إسرائيل أولمرت بعد هزيمة إسرائيل في حرب غزة 2005، وحرب تموز 2006، قالها بلسان صريح: إن الأيام العادية لإسرائيل باتت معدودة، وأكد على كلامه زفلين رئيس إسرائيل عام 2015 في مؤتمر هرتزيليا بقوله: إن صراع قبائل إسرائيل الأربعة أخطر عليها من النووي الإيراني، وكان قد أكد على ذات الأمر ديفيد بترايوس مدير الـ”سي أي إيه” عام 2009 في شهادته أمام الكونغرس قائلاً: إسرائيل كانت كنزاً ثميناً وباتت عبئاً ثقيلاً.
المؤرخون والباحثون الأنثربيولوجيون يجزمون بأن أعمار الطغاة قصير، فالعمر الافتراضي للإمبراطوريات والممالك والدول يراوح بين السبعين والمئة والعشرين عام، ما قطع به إبن خلدون في مقدمته، وغالبها تمضى أواخر عقودها مريضة ومتهالكة. وزاد أن الامبراطورية السوفياتية حديثة التشكل قضت نحبها في السنة الـ73 من عمرها، والمنطقي أن تذهب الروايات وتبصير الأرقام والرؤيويين بالقول بقرب نهاية إسرائيل.
إلا أن العقل العلمي والتحليل المنهجي والواقعي يبقى هو الأكثر قدرة على معرفة سيناريوات المستقبل واحتمالاته، بما هو منهج واقعي علمي يدرس الواقع الملموس بحيثياته وأحداثه وعناصره الملموسة، وعلم المستقبليات الذي بات يدرس في الكليات والجامعات أثبت القدرة العلمية على معرفة احتمالات التطورات المستقبلية بدقة معتبرة، وإن لم تبلغ درجة الحسم خاصة في تحديد مواعيد التحولات الكبرى، والأمر الثاني الواجب التثبت منه أن إسرائيل كما أميركا والكيانات الناتجة عن مقص سايكس- بيكو لم تتشكل دول وأمم طبيعية في سياق التطور التاريخي، إنما جرت عملية قيصرية لتصنيعها كدول وأمم ولم تفلح. ما يفترض علمياً دراسة الحالة بذاتها لا قياساً على مسارات وأعمار الممالك والأمم والدول والامبراطوريات التي نشأت وشبت وشابت ودرست وهي منتجات طبيعية لحركة التطور البشري وعناصره التاريخية والموضوعية.
فالمنهج الذي يحكم بحثناً المعمق هو العلم وقواعده وملامسة الواقع والتعرف على وقائعه المعاشة وعناصره بطريقة واقعية ملموسة، لمعرفة آفاق وسيناريوات التطورات المستقبلية وآليات تجلياتها المفترضة على وجه التقريب بخطأ لا يجاوز الـ15 %.
فإسرائيل كأي كيان ومصنع لها فترات الولادة والنمو والشباب والكهولة، وليست ولن تكون خارج نص وسياق الحياة البشرية وقصة الحمل والولادة والمخاض والموت، والمنطقي أنها ما كانت لتكون على ما حققته في الـ73 سنة على ولادتها القيصرية، لولا توفر ظروف وشروط موضوعية وفرص متاحة مكنتها من الولادة والاستمرار والهيمنة لعقود، والبحث العلمي سيعالج تلك الظروف والشروط التي توفرت لولادتها ولتكنها من السيطرة والتحكم، وسيبحث في ما آلت إليه، ويرصد التبدلات في البيئات والظروف وفي عناصر القوة وانتفاء الفرص بواقعية شديدة وبشهادات الواقع وأحداثه المعاشة وليست المفترضة أو المستعارة من الأذهان والروايات وأقوال المنجمين.
…يتبع
غداً: واقع عناصر قوة إسرائيل وحالتها الراهنة.
من التأسيس إلى العجز والارتباك…



