هل ستفصل روسيا اوروبا عن العالم؟!
أجواء برس
يبدو أن الأزمة بين روسيا والغرب، قد بدأت تأخذ أبعاداً أخطر وأسع منذ بدء عملية الغزو الروسي لأوكرانيا.
وحيث فرضت روسيا والدول الغربية الرقابة على وسائل الإعلام الخاصة ببعضها البعض في محاولة للسيطرة على تداول المعلومات عبر الإنترنت.
كما وأدى قانون جديد يجرم “الأخبار الكاذبة” في روسيا إلى قيام بي بي سي وسي إن إن وبلومبيرغ وغيرها بوقف عملياتها في البلاد، في حين حظرت شركات وسائل التواصل الاجتماعي الأمريكية مثل فيسبوك وتويتر.
ولكن الأخطر الأكبر الآن هو ما يمكن أن تقوم به روسيا من قطع تواصل أوروبا عن العالم، في حال انقطاع كابلات الإنترنت البحرية.
اما وفي تقرير نشرته صحيفة “لو باريزيان” الفرنسية، تقول الكاتبة جولييت بوسون إنه مع تصاعد الحرب في أوكرانيا زادت المخاوف بشأن سلامة الكابلات البحرية الناقلة للإنترنت التي توفر الاتصال بين القارات، حيث يخشى المختصون أن تقوم روسيا -ردًّا على العقوبات الغربية- بتدمير هذه البنى التحتية الأساسية للاقتصاد الأوروبي.
فيما يعتقد الخبراء أنه لا يمكن تخيل مدى خطورة هذا السيناريو، لكن احتمال تحققه ليس مستبعدًا في ظل أخطر صراع في أوروبا منذ الحرب الباردة.
ففي عام 2017 حذّر مارشال بيتش، الذي كان حينئذ رئيس اللجنة العسكرية لحلف الناتو، من أن “الاضطراب الذي قد يحدث نتيجة قطع الكابلات أو تدمير البنية التحتية للإنترنت سيكون له تأثير كارثي فوري على كل من التجارة الدولية والإنترنت”.
ان هناك عقدتان مهمتان جدًّا من الكابلات البحرية الرابطة بين أوروبا والولايات المتحدة: إحداهما تقع قبالة سواحل بريطانيا، والثانية بالقرب من أيرلندا حيث شوهدت بالقرب منها السفينة الأوقيانوغرافية الروسية “ينتار” في أغسطس/آب 2021.
كما يقول سيرج بيسانجر، الأستاذ في جامعة الدراسات العليا لإدارة الأعمال في باريس، “في السنوات الأخيرة، أرسلت لنا قوى عظمى مثل روسيا إشارات تشير إلى أنها تستطيع العثور على الكابلات وقطعها”.
إن ما يقارب من 97% من حركة الإنترنت العالمية و10 مليارات دولار من المعاملات المالية اليومية تمر عبر كابلات الألياف الضوئية التي تقع في قاع المحيط.
فيما حسب المجلس الأوروبي للعلاقات الدولية، وهو مؤسسة فكرية أوروبية، فإن هذه الكابلات “لا تقل أهمية عن أنابيب الغاز والنفط”.
97 % من حركة الإنترنت العالمية و10 مليارات دولار من المعاملات المالية اليومية تمر عبر كابلات الألياف الضوئية التي تقع في قاع المحيط.
ماذا سيحدث لو قُطع أحد الكابلات؟
كما اجاب جان لوك فويليمين، مدير الشبكات الدولية في شركة “أورانج” (Orange)، عن هذا السؤال في مقابلة مع صحيفة “لا تريبيون” (La Tribune)، بقوله إنه لن يكون هناك “مزيد من الإنترنت في أوروبا”.
لكن لن يؤدي هذا بأوروبا إلى طريق مسدود -حسب ما أشار إليه سيرج بيسانجر- إنما ستجد نفسها “معزولة عن القارات الأخرى”.
وحذّر موريس جانيير، الأستاذ المتخصص في الشبكات البصرية واللاسلكية في شركة “تيليكوم” (Telecom) في باريس، من أن “العواقب الاقتصادية ستكون خطيرة جدًّا إذ لن تكون البورصات الأوروبية متصلة بالشبكة العالمية وستتوقف المعاملات الدولية، وسيكون التأثير كبيرا على شركات غافام (GAFAM) (شركات الويب العالمية الخمس)”.
وذكرت الكاتبة أن قطع الكابلات مرة واحدة فقط سيكون كافيا لقطع “الأعمال التجارية الدولية”، بالإضافة إلى “ملايين من الاتصالات الهاتفية”.
كما أكد سيرج بيسانجر أن الكابلات البحرية هشة ومتوسط قطرها ليس أكبر بكثير من قطر خرطوم المياه الذي نستخدمه في الحديقة، وذلك يعني أن الحوادث واردة الوقوع.
وقد استشهد بيسانجر بحادث قطع الكابلات في فيتنام في عام 2007، حيث قطع الصيادون الكابلات من أجل بيعها مما أدى إلى تعطّل “90% تقريبًا من اتصالات الدولة ببقية العالم مدة 3 أسابيع”.
وماذا عن روسيا، التي تستفيد أيضًا من هذه الكابلات البحرية، ألن يتأثر اقتصادها إذا قطعت هذه الكابلات؟ يقول المختص إن “العقوبات ليس لها تأثير يذكر على روسيا لأنها دولة مكتفية ذاتيًّا تقريبًا فضلا عن أن معاملاتها الدولية ضعيفة”.
خطط بديلة غير كافية
هناك عدد من إجراءات الطوارئ المتبعة عند انقطاع أحد هذه الكابلات. ذكر موريس جانيير أن “المشغلين اتخذوا الاحتياطات اللازمة، بحيث تسلك الكابلات الأولية أقصر طريق للوصول إلى وجهتها في حين يكون طريق الكابلات الثانوية مختلفًا وأطول”.
لكن حسب ما أكده الأستاذ إتيان دروار، المحامي في مجال البيانات الشخصية والأمن السيبراني، فإن “هذه الكابلات الثانوية لا تتمتع بالقوة نفسها، وسنجد أنفسنا سريعًا في وضع متدهور”.
ومن جانبها، تعمل الحكومة الفرنسية على تأمين هذه الكابلات البحرية كجزء من خطتها الاستثمارية “فرنسا 2030” التي أُعلن عنها في نوفمبر/تشرين الثاني 2021.
فيما أكدت وزارة القوات المسلحة في 14 فبراير/شباط، قبل 10 أيام من غزو روسيا لأوكرانيا، أن “فرنسا تعمل على تعزيز قدراتها العسكرية الاستكشافية في أعماق البحار من خلال التزود بغواصات مسيّرة وروبوتات، وذلك من أجل توسيع قدراتها في البحث والوصول إلى عمق 6 آلاف متر”.