كثرت المواقع الإلكترونية فأصبح كل من أراد محللاً سياسياً وإعلامياً من دون تعب

كتبت مارسيل راشد

بداية ليس كل من كتب رأيه أصبح محللاً سياسياً ولا حاكماً أو قاضياً يحلل القضايا كما يحلو له، أو كما تمليه عقيدته، فيفرضها على المجتمع اللبناني أجمع…
الحقيقة ليست وجهة نظر، والحرب اللبنانية التي سمّيت حرباً أهلية أثبتت بعد مررور سنين أن الجميع أخطأ والجميع امتلك نزعة الإجرام، والجميع تعامل لمصلحة الخارج، ولا أحد تعامل لمصلحة الوطن. وبعد قرار انتهاء الحرب، هم أنفسهم هؤلاء “الجميع- الاخصام” عملوا على طي صفحة الحرب وجلسوا إلى طاولة واحدة ليتحاصصوا ويتقاسموا خيرات الوطن، وضحكوا ورقصوا على دماء الشهداء والضحايا ولا يزالون مستمرين.

ما حصل الاسبوع الماضي من استفزازات من النازحين السوريين واعتداء بعض الشباب اللبنانيين عليهم، لا يحكم ولا يكون الحكم إلا من هو مدرك حقيقة الوضع ومنصف من دون تحيز أو عنصرية. ما حصل يقع اللوم فيه فقط على مسؤولين، ربما عن قصد أو عن غير قصد، هم من تسببوا بما حصل ولولا وعي الكثير من المواطنين اللبنانيبن والسوريين ربما لم تتوقف عند هذا الحد لكانت وقعت الكارثة.
كثر المحللون وجملوا شعباً أو منطقة أو طائفة على أسلوب خاطئ من البعض، فتحركت الفتنة، وبدأ كل فيلسوف يحلل ويتهم الآخرين بالعمالة، فنبشت القبور كالعادة وعاد جيل اليوم ليتكلم عما حصل بزمان لم يكن حتى جده موجوداً فيه، وبدأ الكلام عن مجازر حصلت في الحرب، ولكن كل جهة تتكلم عما لها ولا أحد يتكلم عما له وما عليه… وبتنا نشهد تحركات لشد العصب الطائفي الغرائزي، وأيضاً بموافقة من يدّعون المسؤولية ويقال إنهم مسؤولون عن أمن الوطن والمواطن.
بالمختصر، كفوا عن الكلام، فالتاريخ لم يكتب بعد، وإن كتب فسيلعن الجميع… لأن الجميع كانوا مع كل الدول في مواجهة وعلى لبنان، ولا أحد كان معه. لبنان وطن للبنانيين، ومهما طال الزمان لن يكون إلا للبنانيين، ولا أحد يستطيع تغيير هذه المعادلة..

الشهداء في لبنان كثر، ولكن ليس كل من وصف بشهيد هو شهيد، هناك ضحايا طمع زعماء، وهناك شهداء لكرامة الوطن، فشهيد الوطن هو شهيد كل الوطن وليس شهيدهم أو شهيدكم، شاء من شاء وأبى من أبى، الشهيد هو من ارتفع شهيداً ليبقى الوطن…!

من حارب العدو على جبهة الجنوب وفي ضواحي بيروت وغيرها هو شهيد كل الوطن رغماً عن الجميع هو مقاوم …
من حارب أي احتلال كان ودافع عن وجوده هو شهيد كل الوطن رغماً أيضاً عن الجميع هو مقاوم…

من استشهد في ساحات الشرف دفاعاً عن حقوقه المسلوبة، هو شهيد كل الوطن، لأن كل مظلوم يقتل وهو يحارب الظلم والظالمين هو مقاوم وهو شهيد… فالمقاومة ليست حكراً على أحد، المقاومة هي مواجهة بين الحق والباطل.

كل ما تشهده الساحات اليوم يحرك الغرائز العنصرية الطائفية الحزبية الميليشياوية، يقوي كل زعيم في ساحته، في هذا التحرك يسترجع كل الزعماء قطعانهم ويتهيأون لانتخابات- لو بقيت ثورة 17 تشرين بزخمها على الأرض وبقي المواطنون مجتمعين موحدين لبناء وطن- لهزم كل الفاسدين والفاشلين والساكتين عن الحق ومتحالفين مع الباطل في منظومة الفساد… لو بقيت عناوين ثورة 17 تشرين ساطعة في الإعلام كما كانت في البداية، ولو لم يكن الإعلام بغالبيته مسيّساً وتابعاً، مع فائق الاحترام لإعلاميين قلائل من أصحاب قلم حر وضمير وطني، لكانت الثورة هزمت الفساد والفاسدين. ولكن… بالباقي منها سنستمر.

متى يستفيق الشعب حقاً ويحاسب ويتخطى كل ألاعيب أمراء الطوائف؟
متى يصبح الشعب اللبناني شعباً وطنياً أولاً، لينتمي كل فرد لطائفة، ليس عيباً أو حراماً، ولكن من دون تعامل طائفي وتعصب مع أخيه المواطن.
متى تصبح في لبنان أحزاب وطنية تبني وتطور الوطن وننتهي من الأحزاب العقائدية العنصرية التي دمرت الحجر والبشر؟

في النهاية انا مواطنة لبنانية أرفض ما يحصل في وطني من انقسامات وتحاليل عنصرية، وأرفض العودة إلى الحرب، وأرفض استمرار اللبنانيين بتراشق التهم على بعضهم البعض، كما أرفض أن تستمر الهمجية، نريد وطناً يحكمه القانون، وكل مواطن يسكن تحت سقف القانون، يعطي حقاً ويأخذ حقاً، يكفي تنشئة الأجيال على الحقد والحرب، يكفي تلوين الحقيقة وكل مجموعة حقيقتها وجهة نظرها.

الحقيقة هي واحدة، ولكن دعونا من الماضي لنبني حاضرنا، لنستطيع الاستمرار لبناء المستقبل، فالأمس كان ملك أجدادنا، الذين لم يحسبوا لنا حساباً، ولم يدركوا ما سيورثوننا… وها هي النتيجة.
اليوم هو ملكنا لنبني لأولادنا سلاماً بدل الحرب، ولنورثهم محبة بدل الحقد، ولنعلمهم أن الوطن لنا جميعاً أما عبادة الله فالله الواحد، وكل إنسان ليعبده بالطريقة التي يريد، فقط ليتمسك الجميع بعناوين الله العريضة… الإنسانية والضمير.

أجواء برس

“أجواء” مجموعة من الإعلام العربي المحترف الملتزم بكلمة حرّة من دون مواربة، نجتمع على صدق التعبير والخبر الصحيح من مصدره، نعبّر عن رأينا ونحترم رأي الآخرين ضمن حدود أخلاقيات المهنة. “أجواء” الصحافة والإعلام، حقيقة الواقع في جريدة إلكترونية. نسعى لنكون مع الجميع في كل المواقف، من الحدث وما وراءه، على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى