الغاز الاسرائيلي الى لبنان من دون نفي أو توضيح رسمي

د. علي بيضون

يبدو أن الضوء الأخضر الاميركي لاستجرار الغاز من مصر والكهرباء من الاردن عبر الأراضي السورية، والذي كسرت به أميركا “قانون قيصر” سابقة لا مثيل لها على صعيد السياسة الأميركية في الشرق الأوسط. ولكن من المعلوم أن الأميركيين لا يتنفسون في بلادنا “لوجه الله تعالى” إلا لسبب فيه مصلحة اميركية مباشرة، واسرائيلية غير مباشرة، ولا نقول هذا الكلام بصيغة عابرة لأن ما كشف لاحقاً أخطر من اهتمام اميركا والعالم بلبنان “الطفل الشريد” على الكرة الأرضية.

 

ففي الظاهر قدمت وزارة الخزينة الأميركية -عبر سفيرتها في لبنان دورثي شيا- كتاباً خطياًردت بموجبه على بعض الهواجس التي كانت لدى السلطات اللبنانية في ما يتعلق باتفاقيات الطاقة الإقليمية التي ساعدت الولايات المتحدة في تسهيلها وتشجيعها بين لبنان والأردن ومصر. ولكن لم تؤكد السفيرة الأميركيةبل جزمت أنه بموجب هذا الكتاب: “لن يكون هناك أيّ مخاوف من قانون العقوبات الأميركية”، بل أن الرسالة: “تمثل زخماً الى الأمام لإحراز تقدم في معالجة أزمة الطاقة التي يعاني منها الشعب اللبناني”. وهنا يمكن السر الدفين الذي لم يناقش به أحد ولم يهتم لما بين السطور خصوصاً المنظومة والحكومة وخط المقاومة. مع أن الأخيرة تسعى الى اغراق السوق بالمحروقات الإيرانية.

 

الخطورة في الأمر أن الجميع يعمل بصمت، تتوقف السلطات فجأة، يتناحر عناصر المنظومة، وتعود وتيرة العمل ببيانات متضاربة، ليتفق الجميع على مصالحهم، فتعود وتيرة الاتفاقات السرية والعلنية. ولكن ما خفي كان أعظم في ظل الصفقات التي تبرم ولا أحد يوضح للمواطن ما يجري سوى بتصاريح الدبلوماسيات التقليدية، فبعدما ما ذكرنا بعض ما يجهز للبنان من استجرار للغاز والكهرباء، نسأل من أين وكيف سيتم استلام ما يتفق عليه؟ خصوصاً أن “إسرائيل” تصرّح بأن ما سيناله لبنان هو من حقول اسرائيلية، وهنا لا نريد رداً من الحكومة بل ومن المقاومة التي تواجه اسرائيل منفردة.

 

وكما نشر، فقد نشرت “قناة 12” الإسرائيلية على موقعها الإلكتروني تقريراً وصفته بالأولي، أن الغاز الذي سيتم إمداد لبنان به، ستشتريه مصر من إسرائيل وسيُنقل من حقل “ليفيتان” في الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى “العريش” في مصر ثم “طابا”، ومنها إلى الأراضي الأردنية عبر خط أنابيب في قاع البحر الأحمر، ثم إلى سوريا فلبنان.

 

وقالت القناة إن “الجميع يعرف حقيقة أن الغاز مصدره “إسرائيل”، ولا أحد يتحدث عنها علناً باستثناء إصدار واحد أو اثنين في الصحافة المهنية في مجال الطاقة -والتي تم حظرها لعامة الناس بسبب ارتفاع أسعار الاشتراك. وهكذا يمكن للحكومة أن تظل صامتة في هذه الأثناء، وكذلك بشار الأسد وحسن نصر الله: من المريح جدًا لهما ألا يغلقا أعينهما كما لو كان الغازالمصري، سيتدفق إلى لبنان في غضون عام أو أكثر إذا سارت الأمور على ما يرام”.

هذا ما يقوله العدو، ونشر على جميع وسائل التواصل الاجتماعي وتداولته المواقع اللبنانية والعربية، ووصل الى مسامع ومرآى المسؤولين في المقاومة وفي الحكومة وفي باقي الحكومة المقصودة، والجميع صامت. لماذا؟

 

هل بيعت دماء الضحايا وبعدها الشهداء؟ وهل خطوط الوطنية انقطعت، لتتوضح خطوط المصالح المشتركة، بعدما كانت متضاربة؟ فسيل التصاريح عن المبادئ والقيم والاخلاقيات الوطنية التي يغدقون عليها بها يومياً ذابت مع التغيير المناخي الذي يطال العالم، أم أن مصالح الزعماء جميعاً ومن دون استثناء، وعلى رأسهم المقاومة وسيدها باتوا في مهب الأمر الخارجي؟

 

الجميع نسي أن الطاقة البديلة متوافرة، فلنركز على انتاج المعامل البديلة، وليس استعمال الثروات الآن، لأن استعمال الطاقة البديلة أسرع من استخراج الغاز من البحر الممنوع علينا استخراجه، خصوصاً أن عروضاً سخية قدمت، من كل الأطراف، حتى من الصين، ولكن الجميع بانتظار التسويات الحدودية. كفاءاتنا موجودة حتى لو عملوا على تهجير الأدمغة، فبدل أن نستعطي الكهرباء والغاز، وندفع الأثمان مضاعفة من جيوبنا وليس من جيوبتهم، لنستبدلها بالطاقة البديلة لنحسّن بيئتنا.

نحن التغييريين لا نريد أي طاقة أو محروقات أو مساعدات خارجية ليس شرقاً ولا غرباً، وبشكل أوضح ليس من اميركا او فرنسا أو إيران أو حتى غامبيا، طالما لدينا طاقاتنا التي يمكنها أن تصنّع وتطور، ولدينا أموالنا (على رغم حجزها واعتقالها) يمكن أن تكون هي الأنسب، وكم من مصانع ومبتكرين وكفاءات مستعدة لتهب ما لدينا للوطن ومن أجل المواطن.

 

ولكن… لا وألف لا، هذا شعار المنظومة وجميع الساسة، ممن يقبعون في قصورهم ويتدارسون مصالحهم مع “أعدقاء”. ليس لانتصار المصلحة الوطنية، بل المراتب والمراكز والمكتسبات المستقبلية.

ندمر اقتصادنا لننمي اقتصاد عدوٍ نحاربه نحن الشعب بكل لحظاتنا، فيما صمت المدعين لا يستقوي إلا بالطائفية والمذهبية والطبقية، الشعارات السطحية التي تدمر ولا تعمر.

 

لم ينتبه رواد الساسة ومؤيديهم الى التسهيلات الأميركية المفاجئة؟ حتى بعدما توضحيت نهاية العام المنصرم بالتصريحات الاسرائيلية؟ ألم يعرفوا أن الالتفاف على قانون قيصر ليس لمصلحة لبنان؟ بل للمصلحة الاسرائيلية الواضحة.

 

إذ أن الإعلام الاسرائيلي يوضح أهمية الخطة الاقتصادية التي تتبعها بالاتفاق مع اميركا ودول جوارها في زيادة الانماء الاقتصادي الاسرائيل، ان خط الانابيب الغاز المصري في سيناء سيغذى من اسرائيل، وهذا تصريح يجب أن تقوم الدنيا في بيئة المقاومة ولا تقعد، ويجب أن تحصل حالة من التأهب الرسمي والرد السريع ليس من أجل حفظ ماء وجه دولة لبنان بل من أجل الوطنية التي يتحدثون عنها، ولكن لا حياة لمن تنادي.

ومن الواضح أن ما يحصل هو تطبيع غير مباشر، ونحن كثوار نرفض التطبيع مع “إسرائيل”، ونرفض نسيان ضحايانا والأبرياء الذين سقطوا من جراء الاعتداءات الاسرائيلية على لبنان.

وهنا لا بد من التقدم بتعازينا الحارة على شهداء المقاومة وضحايا الاعتداءات الاسرائيلية على لبنان، فبدل أن نطالب العدو الاسرائيل بتعويضات عما اقترفوه على مدى أكثر من 70 عاماً، نساهم وبخنوع بدعم الاقتصاد الاسرائيل مباشرة.

وعلى الأرض السلام

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى