نزهة عزيزي: «شهقة نهد» ليست رواية عن الإثارة، بل عن الجسد حين يتألم
نزهة عزيزي: «شهقة نهد» ليست رواية عن الإثارة، بل عن الجسد حين يتألم
الروائية الجزائرية المقيمة في فرنسا تروي لـ”النشرة الدولية” قصة رواية وُلدت في الحجر الصحي، ورُفض عنوانها قبل أن يُقرأ نصها، ثم وجدت طريقها إلى القارئ من باريس.
———-
من ميكروفون إذاعة الساورة في بشّار إلى المعرض الدولي للكتاب العربي بفرنسا، قطعت الشاعرة والروائية الجزائرية نزهة عزيزي طريقاً طويلاً بين الإذاعة والصحافة والشعر والرواية. روايتها «شهقة نهد»، الصادرة عن دار «كل العرب» في باريس، تتناول امرأة في الخمسين تنفصل عن زواج طويل، وتبحث عن ذاتها وحبها بين شيكاغو والجزائر في زمن كورونا. وتعمل الكاتبة حالياً على مشروع لترجمتها إلى الفرنسية، اختارت له عنوان «Soupir de sein».
التقيناها لنسألها عن الرواية، وعن الرفض الذي واجهه عنوانها، وعن لغة تحملها معها حيثما ذهبت.
البدايات: الكلمة أمانة
متى بدأت علاقتك بالأدب؟
بدأت علاقتي بالكلمة قبل أن أفهم أنها ستصير مصيراً. كانت البداية إصغاءً وقراءة، ثم شغفاً بأن أقول ما يصعب قوله. وجاءت الخطوة العملية الأولى مع الإعلام: في عام 2001 وقفتُ أمام الميكروفون في إذاعة الساورة ببشّار، ثم أمام الكاميرا في التلفزيون المحلي. هناك تعلّمتُ أن للكلمة مسؤولية، وأن الصوت أمانة.
أما الأدب فبدأ بالشعر، وجاءت الانطلاقة الفعلية بصدور ديواني الأول «همسات متمردة» تحت إشراف الدكتور علي العيبي، الذي أدين له بالتوجيه والثقة في تلك المرحلة المبكرة. مع هذا الديوان انتقلتُ من الكتابة لنفسي إلى الكتابة للقارئ.
وبعد انقطاع فرضته ظروف خاصة، منها هجرتي إلى فرنسا، عدتُ إلى الكتابة من بوابة مجلة «الآداب والفنون» العراقية، التي فتحت لي نافذة على القارئ العربي. ومن هذا المسار كله، شعراً وخواطر وصحافة، وُلدت «شهقة نهد».
بدأتِ بالشعر، فلماذا الرواية؟
لأن الشعر يختزل الشعور في لحظة بوح، وهناك حكايات تحتاج إلى مساحة تتنفس فيها الشخصيات ويتّسع فيها الألم.
دفعني إلى الرواية أولاً وجع النساء الصامت. التقيتُ في حياتي وعملي بنساء كثيرات يحملن آلامهن في صمت، ويؤجّلن أنفسهن حتى يصير التأجيل عمراً. أردتُ أن أمنح واحدة منهن صوتاً، هي فتون.
ودفعني إليها أن كثيراً من وقائعها مستوحى من قصص حقيقية، وأن بحثي المعمّق في آثار سرطان الثدي على الصحة النفسية للمرأة كشف لي أن المرض لا يصيب الجسد وحده، بل يمسّ صورة المرأة عن نفسها وعلاقتها بالحب والأمومة والانتماء. أردتُ أن أكتب ما لا تقوله التقارير الطبية.
وكان في داخلي أيضاً سؤال عن الهوية منذ هجرتي إلى فرنسا قبل سبعة عشر عاماً: كيف يعيش الفنان الجزائري، وجذوره في فن المنمنمات على طريقة محمد راسم، في ثقافة أخرى دون أن يفقد ذاكرته؟ هذا السؤال جسّده أكرم سلطان، الشاعر الفنان الجوّال داخل الرواية.
❝ الرواية عندي لم تكن قطيعة مع الشعر، بل امتداداً له بنَفَسٍ أطول. ❞
ولادتان لرواية واحدة
كيف وُلدت «شهقة نهد»؟
وُلدت في الغربة، بعيداً عن الجزائر، في المسافة التي يعرفها كل من حمل وطنه في ذاكرته ومضى. لذلك تتنفس الرواية الحنين والبعد معاً، وتتنقل أحداثها بين شيكاغو ومدن جزائرية منها معسكر والجزائر العاصمة ووهران، كأنها تحمل في بنيتها ذلك الشتات.
وُلدت أيضاً من رحم الحجر الصحي. جاءت كورونا فأغلقت الأبواب وأعادت إلى الواجهة أسئلة كنا نؤجلها: الوحدة والفقد والجسد والخوف والمصير. في تلك العزلة تشكّلت الفكرة الأولى وانبثقت صورة فتون.
لكن الفكرة بقيت زمناً مسودة، كنتُ أرقبها ولا أجرؤ على الاقتراب منها. كيف تُكتب رواية عن الألم الصامت في زمن عاش فيه العالم كله ضغطاً نفسياً مهولاً؟ وكيف أجد نبرة لا تستغل الجرح العام ولا تتجاهله؟ كانت اللغة هي العقدة لا الحكاية.
وكان للكاتب أحمد البازوني فضل كبير في كسر هذا التردد. فحين قرأ الرواية ألحّ عليّ في إكمالها، وكان كمن ينفخ في جمر الإبداع قبل أن يخبو. وأعترف أنه دفعني إلى المضي قدماً.
ثم نضجت الرؤية، فعكفتُ على النص سنة كاملة: كتابة ومراجعة وتهذيباً، أحذف وأعيد البناء حتى استقامت اللغة وصارت تشبه الشخصيات. فوُلدت الرواية مرتين: مرة فكرةً في الحجر الصحي، ومرة نصّاً في سنة العمل الطويلة.
ولعل الغربة كانت شرطاً لكتابتها، فالمسافة تمنح الكاتبة بصراً أوضح وتجعل الوطن يحضر ذاكرةً وسؤالاً.
العنوان الذي أخاف الناشرين
رُفضت طباعة الرواية في البداية، فما السبب؟
لم يكن الرفض، في تقديري، موقفاً من مضمون الرواية بل من عنوانها. قرأ بعض الناشرين «شهقة نهد» قراءة مباشرة تجتزئ الكلمة من سياقها، وخافوا أن يوحي العنوان بما ليس في النص. أتفهم حسابات الناشر، لكنني أخالفه في الحكم. من قرأ الرواية يجد أن الشهقة فيها شهقة وجع واختناق، وأن الجسد فيها موضع ألم ومرض وذاكرة، لا موضع إثارة.
والمدهش أن تاريخنا الثقافي أوسع صدراً من هذه الحساسية الطارئة. فقد عرف أدبنا القديم جرأة في الحديث عن الجسد والحب لا تُقارن بها عناوين اليوم: شعر امرئ القيس وأبي نواس، و«طوق الحمامة» لابن حزم، ورسائل الجاحظ، و«ألف ليلة وليلة»، و«الروض العاطر في نزهة الخاطر» للنفزاوي، و«نزهة الألباب فيما لا يوجد في كتاب» للتيفاشي. كتبها علماء وأدباء كبار، وتداولتها مجالس العلم، ولم تكن موضع فضيحة. فالتحفظ الذي نراه اليوم وليد مراحل لاحقة من الوصاية، وليس أصيلاً في ثقافتنا.
ولم أرَ في الرفض نهاية الطريق. النص الصادق يجد قارئه ولو سلك طريقاً أطول، وها هي الرواية تصدر عن دار «كل العرب» في باريس، وتصل إلى القارئ في المعرض الدولي للكتاب العربي بفرنسا.
❝ المسكوت عنه الحقيقي ليس الجسد الجميل، بل الجسد المتألم. ❞
جسد المرأة في الأدب العربي: تجارب دفعت ثمنها
هل يخشى المجتمع العربي بوح المرأة عن جسدها؟
هناك تجارب نسوية عربية كثيرة كتبت عن الجسد، وهي أقدم مما نظن، وقد دفعت أغلبها ثمناً لذلك.
ففي الخمسينيات والستينيات كتبت ليلى بعلبكي «أنا أحيا» وقدّمت جسد المرأة ورغبتها صراحةً، وحوكمت في لبنان بسبب مجموعتها «سفينة حنان إلى القمر». وكتبت نوال السعداوي عن الجسد والجنس والختان وسلطة الأبوة، فصارت من أكثر الأسماء إثارة للجدل. وجاءت بعدهما غادة السمان وحنان الشيخ وسحر خليفة، ثم سمر يزبك وجمانة حداد التي أسست مجلة «جسد» في بيروت. وفي الجزائر قدّمت أحلام مستغانمي «ذاكرة الجسد» التي جعلت الجسد استعارة للوطن والذاكرة، وكتبت فضيلة الفاروق «تاء الخجل»، وانطلقت آسيا جبار من جسد النساء وصوتهن في وجه الصمت التاريخي. أما في الخليج فأثارت رجاء الصانع نقاشاً واسعاً بـ«بنات الرياض».
الخوف موجود، لكنني لا أراه خوفاً من الجسد نفسه، بل من أن تمتلك المرأة الكلمة عن جسدها. المجتمع يتسامح أحياناً حين يكتب الرجل عن الجسد، ويضيق حين تكتب المرأة عن ألمها ورغبتها وشيخوختها ومرضها.
وهنا الفرق الذي أراه: كثير من الأدب المكشوف اهتم بالجسد المرغوب، أما روايتي فتكتب الجسد المتألم، جسد المرأة التي تفقد وتمرض وتنفصل وتبحث عن حبها بعد الخمسين. وهذا الصمت أثقل وأقل ارتياداً، وربما كان هو ما يزعج حقاً.
ومع ذلك لا أرى حصاراً كاملاً. القراء الشباب اليوم أكثر انفتاحاً مما نظن، والترجمة والنشر في المهجر وفّرا مساحات جديدة. المطلوب أن نكفّ عن قراءة الكلمة منفصلة عن سياقها، وأن نحكم على النص بصدقه الفني لا بعنوانه.
«Soupir de sein»: حين تعجز الفرنسية عن «النهد»
أنتِ بصدد مشروع لترجمة الرواية إلى الفرنسية. ما أصعب ما واجهتِه؟
الصعوبة ليست في القبول بل في المعنى. «النهد» في العربية أكثر من عضو، هي كلمة شعرية تحمل الارتفاع والاكتمال والأنوثة في أبهى صورها، وقد وردت في الشعر العربي منذ القديم صورةَ جمال لا موضع حرج. أما في الفرنسية فالكلمات القريبة منها إما طبية باردة كـ«sein»، أو شعبية إيحائية مثل «poitrine» و«gorge»، وليس بينها ما يجمع الجمال والدفء والحياة.
لذلك كان اختيار «Soupir de sein» عنواناً للنسخة الفرنسية قراراً دقيقاً، لأن «شهقة» تحتاج إلى مقابل يحفظ الاختناق والانفجار معاً، وهما ما يقصده «soupir» بقدر معقول.
لا أرى في الأمر عائقاً بل فرصة، فمشروع الترجمة يتيح لي أن أشرح للقارئ الأوروبي أن النهد في روايتي فضاء الأمومة والحب والرغبة، وهو أيضاً فضاء المرض والخوف والفقد، وأن الجمال والألم يسكنان المكان نفسه. وأرى أن صدور الرواية في «أكتوبر الوردي» منح العنوان سياقه الطبيعي، فالحديث عن الثدي حديث عن الحياة والكشف المبكر والتضامن، لا عن الإثارة.
❝ أريد أن يصل العنوان كما أردته: شهقة امرأة تتنفس بعد صمت طويل. ❞
الإعلام والبيت الأول والغربة
هل منحكِ الإعلام طريقاً إلى الأدب؟
منحني طريقاً واسعاً، لكنه لم يكن مفروشاً؛ كان مدرسة أكثر منه جسراً. وقبله كان للبيت الذي نشأتُ فيه الأثر الأول.
نشأتُ في بيت مليء بالكتب، في مدينة القنادسة التي وُلدتُ فيها، وهي مسقط رأس كثير من الكتّاب الجزائريين الذين ذاع صيتهم في فرنسا. كان جدي مدرّس لغة عربية، فتعلّمتُ منه أن اللغة بيت يُسكن وأمانة تُصان. وكان والدي كاتباً بالفرنسية صدرت له عدة روايات، فرأيتُ الكتابة عملاً يومياً وحياةً كاملة.
وفي الإذاعة والتلفزيون ببشّار تعلّمتُ أن الكلمة تُقال لإنسان حقيقي يصغي. وفي جريدة «نوفيل كونفيدانس» الأسبوعية الناطقة بالفرنسية، الصادرة عن دار الصحافة بالجزائر العاصمة، تعلّمتُ الانضباط والكتابة في ضيق الوقت والمساحة. أما المنابر العربية، ومنها «الآداب والفنون»، فأخرجتني من حدودي المحلية وجعلتني أخاطب قارئاً في بغداد وباريس ولندن والخليج.
لكن الإعلام يطلب السرعة والمباشرة، والأدب يطلب التأنّي والعمق والغموض الجميل. ولذلك أحتاج دائماً إلى مسافة أحمي بها الشاعرة والروائية فيّ من إيقاع الصحافة، وربما كان هذا التوتر نفسه هو ما صقل تجربتي.
وهل غيّرت الغربة علاقتك بالعربية؟
جعلتني أتمسّك بها أكثر. حين يبتعد المرء عن سماعها كل يوم، يصغي إلى إيقاعها ومفرداتها بانتباه مختلف، ويدرك ما فيها من جمال لم يكن يلتفت إليه. العربية لغة الروح والإبداع عندي، بها أكتب شعري وروايتي، أما الفرنسية فلغة الحياة اليومية والعمل. وهذا الازدواج أغناني وجعلني أكثر حرصاً على صقل عربيتي.
كيف ترين المشهد الثقافي العربي اليوم؟
مشهد حيّ وغني، لكنه يعيش مفارقة: المواهب كثيرة، والإمكانات التي تحملها إلى القارئ قليلة. في الجزائر أصوات شابة تكتب بالعربية والفرنسية والأمازيغية وتبحث عن لغتها بجرأة جديدة، وفي العالم العربي حركة نشر نشطة ومعارض ضخمة وجوائز جعلت الرواية حاضرة بقوة، ومنحت وسائل التواصل الكاتب منبراً لا يمرّ بوصاية أحد.
غير أن التحديات حقيقية: ضعف التوزيع، فالكتاب الجزائري كثيراً ما لا يعبر حدوده. وهشاشة وضع الكاتب مادياً ومعنوياً، إذ تُمارس الكتابة غالباً على هامش العمل اليومي. وأن الإبداع يُقاس أحياناً بحجم الضجة لا بقيمة النص.
والجسر الأهم اليوم هو الترجمة والحضور في الفضاء الأوروبي. من يعيش بين لغتين يدرك أن الأدب العربي يملك ما يقوله للعالم، لكنه يحتاج إلى من يحمله إلى هناك. ولذلك أعمل على مشروع ترجمة روايتي إلى الفرنسية، وأرى في تظاهرات مثل المعرض الدولي للكتاب العربي بفرنسا فرصة ثمينة للقاء بين القارئ العربي في المهجر والقارئ الأوروبي.
هل توجد في فرنسا حياة ثقافية عربية للمغتربين؟
نعم، وأهمها في باريس. معهد العالم العربي مرجع أول بمعارضه وندواته وأمسياته الأدبية، ويستضيف حالياً معرض «الأعراس» حتى 31 يناير 2027. وفي الجنوب متحف MuCEM في مرسيليا، وندوات جامعة إكس-مرسيليا حول العالم العربي، وجمعيات ثقافية عربية ومغاربية محلية.
ماذا بعد «شهقة نهد»؟
ما مشاريعك القادمة؟
أرجو ألّا تكون روايتي هذه آخر ما أكتب.
مشروعي الروائي المقبل سيحمل بيبليوغرافيا عن مسيرتي الإعلامية والأدبية، أجمع فيها محطات هذه المسيرة في سردٍ واحد يكون وثيقةً عن رحلتي وقراءةً لها في آن. وبعده تأتي رواية لم تنضج بعد، ما زالت فكرةً تتخمّر، وأتركها تأخذ وقتها فالنصوص الحقيقية لا تُستعجل.
أما الشعر والمقالة فيرافقانني دائماً: قصيدة حين يلحّ الإحساس، ومقالة حين يلحّ السؤال.



