المدرّبة نيللي قاصوف: قوّتنا ليست في كبت مشاعرنا بل في فهمها والتحكّم بردّات فعلنا!

في عالمٍ تتسارع فيه الانفعالات وتتداخل فيه ضغوط الحياة مع تجارب الماضي، يجد كثيرون أنفسهم أسرى ردّات فعلٍ متكرّرة قد تؤذيهم وتنعكس سلبًا على علاقاتهم بالآخرين. وبين الغضب والرفض والموافقة الدائمة، تبرز أهمية الوعي العاطفي في فهم الذات وإدارة المشاعر واختيار الاستجابة المناسبة لكلّ موقف.
وفي هذا الإطار، نسلّط الضوء على دور الكوتشينغ العاطفي في مساعدة الإنسان على الانتقال من ردّات الفعل التلقائية إلى الخيارات الواعية، في حوارٍ مع المدرّبة نيللي قاصوف، المتخصّصة في التدريب على الحياة والوعي العاطفي، ومؤسّسة Emovia، التي تركز على فهم المشاعر وتحويل الوعي بها إلى خطوات عملية تساعد على تحقيق التوازن الداخلي وتعزيز جودة العلاقات الإنسانية.
– لماذا نندفع أحيانًا إلى ردّات فعل نندم عليها لاحقًا، رغم إدراكنا أنّها تؤذينا وتؤذي الآخرين؟
أحيانًا، نكون تحت تأثير مشاعر قويّة، فنتصرّف قبل أن نفهم ما يحدث في داخلنا. وقد يحرّك موقفٌ معيّن فينا خوفًا من الرفض أو شعورًا بعدم التقدير، فنردّ بطريقة تتجاوز حجم الموقف نفسه. لذلك، فإنّ فهم مشاعرنا والأسباب الكامنة وراءها يساعدنا على التوقّف قبل التصرّف، واختيار استجابة أكثر وعيًا وتوازنًا.
– إلى أيّ مدى ترتبط ردّات فعلنا بتجاربنا السابقة ومعتقداتنا عن أنفسنا والآخرين، وكيف تؤثّر هذه العوامل في طريقة استجابتنا للمواقف؟
تؤثّر تجاربنا السابقة ومعتقداتنا بشكلٍ كبير في الطريقة التي نفسّر بها المواقف. فأحيانًا، لا تكون استجابتنا مرتبطة بما حدث فعلًا، بل بالمعنى الذي أعطيناه لما حدث، انطلاقًا من تجاربنا ومخاوفنا السابقة. وقد تكون ردّة فعلنا مرتبطة بالماضي أكثر من ارتباطها بالموقف الذي نعيشه في الحاضر، ما يجعل الوعي بهذه الأنماط خطوة أساسية لفهم أنفسنا والتعامل مع الآخرين بطريقة مختلفة.
– لماذا نكرّر ردّات الفعل نفسها في المواقف التي تؤلمنا، حتى عندما نكون مقتنعين بأنّ علينا التصرّف بطريقة مختلفة؟
لأنّ المعرفة وحدها لا تكفي لإحداث التغيير. فبعض ردّات الفعل تتحوّل إلى أنماط تلقائية نكرّرها، حتى عندما ندرك أنّها تؤذينا. ويبدأ التغيير الحقيقي عندما نفهم ما الذي يحرّك هذه الأنماط، ونتدرّب على اعتماد استجابات جديدة وأكثر وعيًا. فنحن لا نغيّر سلوكنا من خلال لوم أنفسنا، بل من خلال فهمها واكتساب القدرة على التصرّف بطريقة مختلفة.
– كيف نميّز بين التعبير الصحي عن مشاعرنا وبين ردّة الفعل التي تتحكّم بنا وتؤثّر سلبًا في علاقاتنا؟
التعبير الصحي عن المشاعر يعني أن نفهم ما نشعر به، وأن نتمكّن من التعبير عنه بوضوح واحترام، من دون جرح الآخرين أو التخلّي عن حقوقنا. أمّا ردّة الفعل غير الواعية، فتحدث عندما يقودنا الانفعال إلى التصرّف قبل التفكير في النتائج. وهنا يأتي دور Emovia، حيث نتعلّم إيجاد مساحة بين الشعور والتصرّف، لأنّ الوعي لا يعني ألّا نشعر، بل أن نفهم مشاعرنا ونختار الطريقة المناسبة للتعبير عنها.
– كيف يمكن للإنسان أن يتعلّم ضبط انفعالاته في لحظات الغضب أو الاستفزاز، من دون أن يكبت مشاعره أو يتنازل عن حقّه في التعبير؟
ضبط الانفعال لا يعني كبت المشاعر أو التنازل عن الحقوق، بل الاعتراف بما نشعر به واختيار الطريقة المناسبة للتعبير عنه. يمكننا أن نغضب وأن نضع حدودًا واضحة، من دون اللجوء إلى التجريح أو الإهانة. فالقوّة الحقيقية ليست في ألّا نغضب، بل في أن نحافظ على حقوقنا وكرامتنا من دون أن نفقد السيطرة على تصرّفاتنا.
– كيف يمكننا التعامل مع أشخاص ينفعلون بسرعة، ويرفضون آراء الآخرين، أو يوافقون على كلّ شيء من دون نقاش، ويجدون صعوبة في الأخذ والعطاء في العلاقات؟
أعتقد أنّ صعوبة تقبّل الاختلاف قد تنبع أحيانًا من الخوف أو من التمسّك بقناعات نعتبرها حقائق مطلقة. لذلك، من المهمّ أن نتعلّم الإصغاء والفهم بدلًا من إصدار الأحكام، وأن نفتح المجال للحوار من دون فرض آرائنا على الآخرين.
النضج العاطفي يعني أن أستطيع احترام اختلافك من دون أن أشعر بأنّه يشكّل تهديدًا لي. يمكنني أن أتفهّم رأيك من دون أن أوافق عليه، وأن أحترمك من دون أن أتنازل عن قناعاتي أو كرامتي. فتقبّل الاختلاف لا يعني أن نتشابه، بل أن نختلف ونحافظ، رغم ذلك، على احترام إنسانية بعضنا البعض.

أجواء برس

“أجواء” مجموعة من الإعلام العربي المحترف الملتزم بكلمة حرّة من دون مواربة، نجتمع على صدق التعبير والخبر الصحيح من مصدره، نعبّر عن رأينا ونحترم رأي الآخرين ضمن حدود أخلاقيات المهنة. “أجواء” الصحافة والإعلام، حقيقة الواقع في جريدة إلكترونية. نسعى لنكون مع الجميع في كل المواقف، من الحدث وما وراءه، على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى