
التحرك المصري للدفاع عن السعودية واستراتيجية تحقيق الأمن القومي العربي والمصري
كتب د. ماجد أبو النجا الشرقاوي *
إن التحرك المصري دفاعًا عن الشقيقة المملكة العربية السعودية قد يسهم في إعادة تشكيل حسابات القوة والردع والتفاوض في منطقة تقف على حافة مواجهة إقليمية واسعة. وفي هذا السياق، تبرز أهمية دراسة القرار المصري المحتمل بالانخراط في دعم الدفاع عن المملكة، وما قد يترتب عليه من تحقيق مجموعة من الأهداف الاستراتيجية المرتبطة بأمن المنطقة بوجه عام، والأمن القومي المصري بوجه خاص، وذلك على النحو الآتي:
أولا: قد يسهم التحرك المصري لتعزيز القدرات الدفاعية للمملكة العربية السعودية في دفع جماعة الحوثيين إلى إعادة تقييم حساباتها العسكرية والسياسية، في ضوء ما قد يترتب على هذا التحرك من تعزيز للقدرات الدفاعية ورفع لمستوى التنسيق العسكري بين الدول المعنية بأمن المنطقة. كما قد يشكل هذا التحرك حافزًا لدول عربية وإسلامية للتحرك نحو خط الدفاع عن أمن المملكة، بما يرفع التكلفة العسكرية والسياسية لاستمرار التصعيد، ويحد من فرص اتساع نطاق المواجهة.
ومن شأن التنسيق العربي والإسلامي للدفاع عن المملكة ، إذا تحقق، أن يعزز الضغوط الرامية إلى دفع الأطراف المعنية نحو طاولة المفاوضات، لتجنب الانزلاق نحو مواجهة عسكرية واسعة . فالتسوية السياسية لا تقتصر مكاسبها على تجنيب اليمن والمملكة العربية السعودية مزيدًا من الخسائر البشرية والاقتصادية، بل تمتد إلى تهيئة الظروف اللازمة لإنهاء الصراع، والحد من تداعياته الأمنية والسياسية الممتدة منذ سنوات، خاصة تدرك الرياض أن استمرار الصراع من شأنه أن يفرض عليها أعباء أمنية واقتصادية وسياسية متزايدة، لا سيما في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتشابك بؤر الصراع في المنطقة.
وانطلاقًا من ذلك، فإن تقييم التحرك العسكري المصري المحتمل لا ينبغي ينظر اليه من ناحية حجم القوات أو طبيعة المشاركة العسكرية، وإنما يجب أن يستند بالأساس إلى مدى قدرته على تعزيز الردع، والحد من الهجمات، وتقليص احتمالات اندلاع حرب إقليمية شاملة، فضلًا عن تهيئة البيئة الاستراتيجية الملائمة للتوصل إلى تسوية سياسية مستدامة تحفظ أمن الدولتين ، وتحد من تداعيات الصراع على المنطقة بأسرها.
ثانيًا: إن غياب الدور المصري الفاعل في ظل الظروف المعقدة التي يشهدها الصراع السعودي اليمني قد يترك فراغًا امنيا ويعزز من الفرقة العربية وعدم التماسك ، وهو ما يمهد الطريق لأطراف إقليمية ودولية للاستفادة من هذه الفرقة وعدم التماسك العربي لتعزيز حضورها ونفوذها في منطقة الشرق الأوسط، من خلال تقديم أشكال مختلفة من الدعم العسكري والاستخباراتي للمملكة العربية السعودية، وهو مالا يتوافق بالضرورة مع المصالح الاستراتيجية العربية، أو مع متطلبات حماية الأمن القومي المصري.
وفي المقابل، فإن استمرار التصعيد واتساع نطاق الصراع قد يدفع جماعة الحوثيين إلى تكثيف التهديدات المرتبطة بأمن الملاحة البحرية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، بما ينعكس سلبًا على حركة التجارة الدولية، ويزيد المخاطر التي تواجه قناة السويس باعتبارها أحد الشرايين الحيوية للاقتصاد المصري والتجارة العالمية. ومن ثم، فإن تداعيات الصراع لا تظل محصورة في نطاق المواجهة السعودية اليمنية، بل تمتد لتشمل أمن الخليج العربي، واستقرار المنطقة العربية، وسلامة الممرات البحرية، والمصالح الاقتصادية والاستراتيجية لمصر.
وفي هذا الإطار، فاننا نري ان أهمية وضرورة إقرار التحرك المصري نحو خط الدفاع عن المملكة السعودية مع تحديد نطاقه لتعزيز أمن المملكة العربية السعودية، والحد من احتمالات اتساع نطاق المواجهة، ودعم منظومة الأمن القومي العربي. كما انه سيفوت الفرصة علي الأطراف الأخرى من استغلال التوترات الإقليمية لتوسيع نفوذ ها في المنطقة ، كما ان هذا التحرك سيدفع نحو تعزيز التنسيق بين الدول المعنية بأمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
وأخيرا : فإن التحرك المصري للدفاع عن المملكة لا يرتبط فقط بمساندة المملكة العربية السعودية في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها، وإنما يتجاوز ذلك إلى حماية المصالح الاستراتيجية المصرية، وفي مقدمتها أمن البحر الأحمر، وتأمين الملاحة في مضيق باب المندب، والحفاظ على انتظام حركة المرور بقناة السويس. وهي اعتبارات تجعل من أمن المملكة العربية السعودية جزءًا لا يتجزأ من معادلة الأمن الإقليمي التي تؤثر بصورة مباشرة في الأمن القومي المصري والعربي.
* أستاذ الاقتصاد السياسي



