مقذوفات مجهولة تضرب شريان الطاقة العالمي

ناقلتا نفط تُصابان قبالة عُمان وفي مضيق هرمز والطاقم ينجو بأعجوبة

تصاعد الحرب البحرية الخفية في الخليج: ناقلتان تُستهدفان بمقذوفات مجهولة… ومضيق هرمز يتحوّل إلى ساحة مواجهة مفتوحة، مقذوفات مجهولة تصيب ناقلتي نفط قبالة عُمان وداخل مضيق هرمز.. هل دخلت الملاحة الدولية مرحلة جديدة من المخاطر؟

كتب أحمد سمير

في واحدة من أكثر الممرات المائية حساسية في العالم، حيث يمر نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية (UKMTO)في أقل من 48 ساعة، عن حادثين متطابقين في التوصيف ومختلفين في الموقع: الأول يوم السبت 3 أكتوبر عن إصابة ناقلة نفط خام بمقذوف مجهول على بعد أربعة أميال بحرية شرق سواحل عُمان، مع سلامة الطاقم وعدم تسجيل تأثير بيئي فوري. والثاني داخل مضيق هرمز نفسه، حيث أفاد ربان ناقلة أخرى بتعرضها لمقذوف تسبب بأضرار في غرفة المحركات واندلاع حريق صغير وانقطاع كامل للتيار الكهربائي. هذه الحوادث ليست معزولة؛ فهي جزء من سلسلة متصاعدة من الاستهدافات بـ”مقذوفات مجهولة” طالت عدة ناقلات خلال الأسابيع والأشهر الأخيرة،ما دفع خبراء إلى التحذير من أن تكرار هذه الهجمات يزيد المخاوف بشأن أمن أحد أهم طرق نقل الطاقة في العالم، ويؤثر مباشرة على حركة الشحن وتكاليف النقل البحري. والأخطر أن هذه الحوادث تأتي في ظل حرب إقليمية أوسع بدأت في أواخر فبراير 2026، حين شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات مشتركة ضد إيران، لتتحول المنطقة إلى مسرح صراع متعدد الجبهات يتقاطع فيه العسكري بالاقتصادي بامتياز،اللافت ليس الحادث بحد ذاته، بل توقيته وصياغته،الهيئة البريطانية أكدت في الحالتين أن جميع أفراد الطاقم بخير ولا يوجد أثر بيئي، وهو ما يشير إلى أن الهدف لم يكن الإغراق أو التسبب بكارثة بيئية، بل إرسال رسالة ردع محسوبة، في وقت تشهد فيه المنطقة تكراراً لحوادث مشابهة استهدفت سفناً تجارية في الأسابيع الأخيرة،نحن أمام مرحلة جديدة من حرب الظل البحرية، حيث المقذوف “المجهول” هو العنوان الرسمي، والفاعل “المجهول” هو الحقيقة التي يعرفها الجميع،الهجمات. فهذا الغموض يفتح الباب أمام سيناريوهات متعددة، تبدأ من هجمات محسوبة تستهدف الضغط على حركة الطاقة، ولا تنتهي عند احتمال توسع المواجهة الإقليمية وتحول السفن التجارية إلى أهداف في صراع أكبر من قدرتها على الاحتمال.
وبالتالي، فإن السؤال لم يعد: هل الملاحة في مضيق هرمز آمنة؟ بل أصبح: إلى أي مدى يمكن أن يستمر تدفق الطاقة عبر واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم إذا أصبحت الناقلات نفسها تحت خطر الاستهداف؟

لماذا يمثل استهداف ناقلات النفط قبالة عُمان وفي مضيق هرمز تطوراً بالغ الخطورة؟
لأن الأمر يتعلق بممر بحري لا يحمل أهمية إقليمية فقط، وإنما يرتبط مباشرة بأمن الطاقة العالمي. مضيق هرمز هو نقطة عبور رئيسية لصادرات النفط والغاز من منطقة الخليج، وأي اضطراب واسع في حركة السفن يمكن أن ينعكس سريعاً على أسعار النفط وتكاليف التأمين والشحن وأسواق الطاقة.
والخطورة تتضاعف عندما تنتقل الهجمات من مرحلة التهديد والتحذير إلى إصابة سفن تجارية فعلية؛ لأن شركات النقل قد تبدأ في إعادة تقييم مخاطر المرور، وقد تتجه بعض السفن إلى تغيير مساراتها أو انتظار تحسن الظروف الأمنية.
وهنا تصبح المشكلة اقتصادية بقدر ما هي أمنية وعسكرية.

من يقف وراء هذه الهجمات؟ ولماذا يظل مصدر المقذوفات “مجهولاً” رغم تكرار الحوادث؟
مسألة “المقذوف المجهول” — غموض مقصود أم عجز في التحديد؟
يُطرح في كل حادثة تقريباً وصف “المقذوف المجهول”، وهو توصيف يتكرر باستمرار في بيانات UKMTO. غير أن الغموض الرسمي لا ينفي وجود أصابع اتهام واضحة. فقد أعلنت بحرية الحرس الثوري الإيراني صراحةً، في بيان نقلته وسائل إعلام إيرانية، أنها استهدفت ناقلة نفط في مضيق هرمز بصاروخ، ما أسفر عن انفجار بها. كما ذكرت وكالة “فارس” الإيرانية أن ناقلة النفط العملاقة المستهدفة كانت “مخالفة” تعبر مضيق هرمز عبر مسار غير مصرح به جنوب الممر المائي، وأنها استُهدفت على بعد 8 كيلومترات من ساحل عُمان.
ويبدو أن طهران اختارت استراتيجية “الإنكار الغامض”: فهي لا تعلن المسؤولية رسمياً عبر قنواتها الدبلوماسية، لكنها تسرّب التفاصيل عبر وسائل إعلام مقربة، تاركةً المجال مفتوحاً لقراءات متعددة مع الحفاظ على “المظلة الرمادية” التي تمنحها صيغة “المقذوف المجهول”. ووفقاً لتقرير لصحيفة “فاينانشال تايمز”، تعرّضت منذ 10 سبتمبر ما لا يقل عن 13 سفينة، معظمها ناقلات نفط، لهجمات، ما يشير إلى نمط ممنهج لا يمكن أن يصدر عن فاعل غير دولتي بهذا الانتظام.

كيف تؤثر هذه الحوادث على أسواق الطاقة العالمية وتكاليف الشحن والتأمين؟
التأثير على أسواق الطاقة والشحن:
كل ضربة، حتى لو لم تسفر عن تسرب نفطي أو خسائر بشرية كبيرة، ترفع علاوة المخاطر. شركات التأمين ترفع أقساطها على السفن العابرة، وأصحاب السفن يلجأون إلى إغلاق أجهزة التتبع أو تغيير المسارات أو تأخير الرحلات. حركة المرور عبر المضيق بقيت منخفضة بنسبة كبيرة (تصل إلى 75% في بعض التقديرات مقارنة بما قبل التصعيد). هذا ينعكس مباشرة على أسعار النفط والغاز، ويضغط على الدول المستوردة الكبرى في آسيا وأوروبا. حتى الحوادث “البسيطة” (حريق محدود أو ضرر في غرفة المحركات) تؤدي إلى تأخيرات وتكاليف إنقاذ وإصلاح، وتضعف الثقة في استمرارية الإمدادات. النتيجة ليست أزمة فورية في الإمداد بالضرورة، بل ارتفاع مزمن في تكلفة الطاقة العالمية.

لماذا التوقيت والموقع الآن؟ هل نحن أمام تصعيد تكتيكي أم جزء من استراتيجية ضغط أوسع؟
التوقيت والموقع – رسالة ببعدين:
اختيار موقعين مختلفين لكنهما في نفس الممر الاستراتيجي ليس صدفة. الحادث الأول على بعد 4 أميال شرق عُمان يقع خارج المياه الإقليمية الضيقة للمضيق، في منطقة يعتقد أنها آمنة نسبياً. أما الحادث الثاني داخل المضيق أثناء رحلة مغادرة فهو يضرب قلب الممر. الرسالة مزدوجة: لا يوجد مكان آمن، لا داخل المضيق ولا خارجه. التوقيت يأتي بعد أسابيع من هدوء نسبي، مما يعيد الملاحة إلى حالة التأهب القصوى التي أصدرتها UKMTO في تحذيرها رقم 148-26-ATTACK.
من يقف خلف المقذوفات المجهولة؟ وما دلالة استخدام تعبير “مقذوف مجهول” بدلاً من مسيرة أو صاروخ؟
الفاعل المجهول واللغة الدبلوماسية:
تستخدم UKMTO مصطلح “مقذوف مجهول” عن قصد لتجنب التصعيد السياسي المباشر. فنياً، الإصابة في الجانب الأيسر وغرفة المحركات تشير إلى استهداف دقيق من مسافة، غالباً بطائرة مسيرة انتحارية أو صاروخ مضاد للسفن صغير، وليس لغماً بحرياً. في سياق هرمز، الدائرة تضيق حول فاعلين يملكون القدرة على العمل في هذه المنطقة ويستفيدون من الغموض: جماعات مرتبطة بمحور إقليمي تستخدم البحر كورقة ضغط في مفاوضات سياسية أوسع. عدم التبني هو جزء من الاستراتيجية – تحقيق التأثير دون تحمل المسؤولية القانونية.

ما هي الرسائل الجيوسياسية والأمنية المتوقعة من هذا الاستهداف المتزامن وفي هذا التوقيت؟
توسيع رقعة التوتر: استهداف ناقلة قبالة سواحل عُمان – المشهورة تاريخياً بالحياد والدبلوماسية – بالتوازي مع مضيق هرمز، يشير إلى رغبة الجهات المنفذة في نقل الصراع من المساحات التقليدية إلى عمق الممرات الدولية، مما يفرض واقعاً أمنياً جديداً على جميع دول المنطقة.
اختبار الإرادة الدولية: تُعد هذه الهجمات بمثابة اختبار مباشر لرد فعل القوى البحرية الدولية ومدى جاهزية التحالفات البحرية في المنطقة لتوفير حماية فورية للشحن التجاري.
الحرب الهجينة والإنكار: استخدام “مقذوفات مجهولة” يعكس الاعتماد على التكتيكات الرمادية (Gray-zone warfare) للتهرب من المسؤولية المباشرة مع تحقيق أقصى قدر من الردع والتأثير الإقتصادي والنفسي.
كيف تؤثر هذه الحوادث على أسواق الطاقة العالمية وتكاليف الشحن والتأمين؟
التأثير على أسواق الطاقة والشحن:
كل ضربة، حتى لو لم تسفر عن تسرب نفطي أو خسائر بشرية كبيرة، ترفع علاوة المخاطر. شركات التأمين ترفع أقساطها على السفن العابرة، وأصحاب السفن يلجأون إلى إغلاق أجهزة التتبع أو تغيير المسارات أو تأخير الرحلات. حركة المرور عبر المضيق بقيت منخفضة بنسبة كبيرة (تصل إلى 75% في بعض التقديرات مقارنة بما قبل التصعيد). هذا ينعكس مباشرة على أسعار النفط والغاز، ويضغط على الدول المستوردة الكبرى في آسيا وأوروبا. حتى الحوادث “البسيطة” (حريق محدود أو ضرر في غرفة المحركات) تؤدي إلى تأخيرات وتكاليف إنقاذ وإصلاح، وتضعف الثقة في استمرارية الإمدادات. النتيجة ليست أزمة فورية في الإمداد بالضرورة، بل ارتفاع مزمن في تكلفة الطاقة العالمية.
ما دور إيران المحتمل أو غيره من الفاعلين، ولماذا يُوصف المقذوف بـ”المجهول” بشكل متكرر؟
طبيعة المقذوفات والمسؤولية:
وصف UKMTO المتكرر بـ”مقذوف مجهول” يعكس صعوبة التحقق الفوري في بيئة عمليات معقدة، حيث قد تكون الوسائل طائرات مسيرة أو صواريخ أو ألغام أو ذخائر أخرى. في بعض التقارير السابقة، أشارت مصادر إلى طائرات مسيرة دخلت مداخن السفن أو ضربات على جوانب الهيكل. إيران نفت أحياناً المسؤولية المباشرة أو نسبتها إلى ألغام أو حوادث أخرى، بينما تربط تقارير غربية وأمنية الحوادث بنشاط الحرس الثوري أو جماعات مرتبطة. غياب المطالبة العلنية بالمسؤولية في كثير من الحالات يخدم استراتيجية “الإنكار المعقول”، التي تسمح بالضغط دون التصعيد الكامل إلى مواجهة مباشرة. هذا الغموض يزيد من صعوبة الرد الدولي ويُبقي المنطقة في حالة تأهب دائم.
ماذا يعني استهداف ناقلتين في منطقتين متقاربتين جغرافياً؟
التزامن يفرض التعامل مع الحادثتين باعتبارهما جزءاً من بيئة أمنية واحدة إلى أن تثبت التحقيقات خلاف ذلك.
فوقوع حادث قبالة السواحل العُمانية وآخر في مضيق هرمز يعني أن نطاق الخطر قد لا يكون محصوراً في نقطة واحدة، وهو ما يثير مخاوف شركات الملاحة من أن تكون السفن التجارية معرضة للخطر أثناء اقترابها من المضيق أو عبورها له أو مغادرتها المنطقة.
لكن من المهم أيضاً عدم القفز إلى استنتاجات نهائية بشأن الجهة المسؤولة قبل اكتمال التحقيقات، خصوصاً مع وصف المقذوفات بأنها مجهولة.
هل يمكن أن تكون هذه الهجمات جزءاً من صراع أوسع على السيطرة على حركة الطاقة؟
هذا أحد السيناريوهات التي لا يمكن تجاهلها.
استهداف ناقلات النفط يحمل قيمة استراتيجية تتجاوز الضرر المباشر للسفينة. فالرسالة المحتملة ليست فقط تدمير ناقلة أو إلحاق الضرر بها، وإنما رفع تكلفة المخاطر على كل سفينة تفكر في عبور المنطقة.
إذا ارتفعت المخاطر الأمنية، سترتفع معها أقساط التأمين وتكاليف النقل والحماية، وقد تبدأ شركات الطاقة والملاحة في حساب تكلفة بديلة للمرور في المنطقة.
وبذلك يمكن أن تتحول الضربة المحدودة إلى تأثير اقتصادي واسع دون الحاجة إلى إغلاق المضيق فعلياً.

لماذا لم تستهدف الهجمات إغراق الناقلات أو تفجير حمولتها رغم سهولة ذلك؟
منطق الضرر المحدود – الحرب الرمزية:
في الحالتين، النتيجة كانت حريق صغير وأضرار مادية دون إصابات أو تسرب نفطي. هذا نمط عملياتي مدروس يسمى “الاستهداف المعطل لا المدمر”. الهدف ليس إحداث كارثة بيئية تدفع العالم للتدخل، بل:
إثبات القدرة على الوصول والإصابة.
رفع كلفة المخاطرة لدى شركات الشحن.
إبقاء الباب مفتوحاً للإنكار السياسي. لو أراد الفاعل إغراق ناقلة خام محملة بالكامل، لكان استهدف خزانات النفط مباشرة.

ما هي التداعيات المباشرة على سوق النفط العالمي وتكاليف التأمين والشحن؟
الاقتصاد هو الهدف الحقيقي:
مضيق هرمز يمر عبره 20% من تجارة النفط العالمية. أي مقذوف، حتى لو لم يغرق سفينة، يرفع فوراً:
أ‌- أقساط التأمين الحربي (War Risk Premium) من 0.1% إلى 0.5-0.7% من قيمة السفينة والشحنة.
ب‌- أسعار الشحن الفوري (Spot Freight).
ج- أسعار النفط بنحو 2-4 دولارات كعلاوة خوف.
التكرار هو الأخطر. فبلاغ واحد يمكن احتواؤه، لكن تكرار البلاغات كما حدث في الأسابيع الأخيرة يخلق حالة “تطبيع الخطر” التي تدفع كبرى الشركات لتغيير مساراتها أو طلب حماية عسكرية.

هل تمثل هذه الهجمات ضغطاً تكتيكياً أم تحولاً نحو استراتيجية أوسع للسيطرة على الممر؟
ضغط تكتيكي أم استراتيجية أوسع؟
يبدو أن النمط الحالي يجمع بين الضغط التكتيكي (تعطيل السفن وإرسال رسائل ردع) ومحاولة فرض واقع جديد على قواعد العبور. استهداف غرف المحركات تحديداً في عدة حوادث يشير إلى نية تعطيل القدرة على المناورة دون بالضرورة إغراق السفن أو التسبب في كوارث بيئية كبرى. هذا يحافظ على مستوى تصعيد يمكن التحكم فيه نسبياً، بينما يرفع تكلفة استخدام المضيق. إذا استمر النمط، فقد يتحول من حوادث متفرقة إلى أداة مستدامة للتأثير في حسابات القوى الكبرى بشأن الملف الإيراني.

كيف تتعامل القوى الدولية مع هذه التهديدات؟ وما حدود استراتيجيات الحماية البحرية القائمة؟
حدود استراتيجيات الحماية البحرية ، بين المرافقة واللامبالاة
رغم الجهود الأمريكية لتأمين الملاحة، بما في ذلك الإعلان عن “ضمانات تأمينية” للسفن، تشير البيانات إلى أن تدفقات النفط عبر هرمز لا تزال متوقفة أو شبه متوقفة في فترات متعددة. وقد أظهرت تقارير أن طهران تعمل على تشغيل “منطقة استبعاد” بحرية أوسع، تمتد إلى ما بعد المضيق نفسه.
وفي المقابل، أبدت المنظمة البحرية الدولية (IMO) قلقاً بالغاً إزاء “استخدام إيران للطائرات المسيّرة والصواريخ والألغام البحرية” في مضيق هرمز ومحيطه. وقد وثّقت المنظمة 80 هجوماً على سفن تجارية، أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 22 بحاراً حتى الآن.
لكن المفارقة الأكبر تكمن في أن تدفقات النفط الخام شهدت تعافياً ملحوظاً في الأسابيع الأخيرة، مع اقتراب الأحجام من مستويات ما قبل الحرب، رغم استمرار المخاطر. ويُعزى ذلك إلى مزيج من العوامل: المرافقة العسكرية الأمريكية، وإضعاف الرادار والاتصالات الإيرانية في هرمز عبر ضربات سابقة، وتوسع استخدام آلية “النقل من سفينة إلى سفينة”.
ومع ذلك، يحذّر محللون من أن هذا التعافي قد يكون هشاً؛ إذ يكفي استهداف ناجح واحد لناقلة كبرى في نقطة حرجة لتعطيل الممر بالكامل. ووفقاً لمصادر استخباراتية، فإن “معظم الهجمات لا تجد رداً عليها”، ما يعني أن تكرارها في الأسابيع المقبلة يظل مرجحاً.

ما التداعيات الاقتصادية الفورية لاستمرار هذه الهجمات على أسواق الطاقة العالمية؟
التداعيات الاقتصادية ، ما بعد “علاوة المخاطر”
بلغت أسعار خام برنت حوالي 100 دولار للبرميل، مع توقعات باحتمال ارتفاعها إلى 120 دولاراً في سيناريو التصعيد الأقصى. وقد رفع المحللون توقعاتهم لسعر برميل برنت في 2026 إلى 91 دولاراً، مستندين إلى “استمرار الحرب في إيران وتأثيرها على الصادرات من الشرق الأوسط”.
والأخطر من ذلك هو التأثير المحتمل على الاقتصاد العالمي. فوفقاً لدراسة صادرة عن بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، فإن إغلاق مضيق هرمز لمدة 90 يوماً (ربع سنة) يُرجّح أن يؤدي إلى انخفاض بنسبة 2.9% في الناتج المحلي الإجمالي ربع السنوي، وإذا استمر الإغلاق لربعين سنويين، فإن الانخفاض قد يتفاقم بشكل كبير.
وفي هذا السياق، يبدو أن “علاوة المخاطر” التي تُضاف إلى أسعار النفط لم تعد قائمة على احتمال انقطاع العرض فقط، بل على “واقع فعلي” يتمثل في أن التأمين على السفن ارتفع بشكل حاد، وأن شركات الشحن الكبرى بدأت تحوّل مساراتها حول رأس الرجاء الصالح، مما يزيد زمن الرحلات والتكاليف.
ماذا يعني وصف المقذوفات بأنها “مجهولة”؟
هذه النقطة بالذات شديدة الأهمية سياسياً وأمنياً.
غياب تحديد الجهة المسؤولة يترك المجال مفتوحاً أمام عدة احتمالات، ويجعل من الصعب بناء رد عسكري مباشر على أساس معلومات غير مكتملة.
كما أن تحديد مصدر المقذوف ونوعه ومساره ومكان إطلاقه سيكون حاسماً في فهم الحادثتين.
ولهذا فإن التحقيقات البحرية والاستخباراتية خلال الساعات والأيام التالية ستكون أكثر أهمية من التصريحات السياسية المتسرعة؛ لأن تحديد المسؤولية قد يغير طبيعة الأزمة بالكامل.
هل يمكن أن يصبح مضيق هرمز ورقة ضغط في الصراع الإقليمي؟
بالتأكيد، لأن المضيق ليس مجرد ممر مائي، بل يمثل ورقة استراتيجية شديدة القوة،أي طرف قادر على تهديد حركة السفن دون الحاجة إلى إغلاق المضيق بالكامل يستطيع التأثير في حسابات الخصوم والأسواق،لكن استخدام هذه الورقة يحمل مخاطرة كبيرة؛ لأن أي اضطراب واسع قد يدفع القوى الدولية إلى تدخل أكبر، وقد يؤدي إلى تصعيد عسكري يصعب التحكم في مساره،ومن هنا تكمن المفارقة: القدرة على تهديد الملاحة تمنح نفوذاً، لكن الإفراط في استخدامها قد يؤدي إلى رد دولي واسع.
كيف سترد القوى البحرية الكبرى وسلطنة عُمان، وما هي سيناريوهات الانزلاق نحو إغلاق جزئي أو كلي لمضيق هرمز؟

السيناريوهات القادمة:
سلطنة عُمان، التي وقع الحادثان قرب سواحلها، ستجد نفسها في موقف حرج بين الحياد التقليدي وضرورة حماية مياهها. أما الرد الدولي، فسيكون على مستويين: تكثيف الدوريات البحرية الأمريكية-البريطانية-الفرنسية في إطار التحالف البحري، وإصدار تحذيرات ملاحية تدعو السفن لتوخي الحذر والإبلاغ عن أي نشاط مشبوه. السيناريو الأخطر ليس الإغلاق الكلي للمضيق – فهو انتحار اقتصادي للفاعل نفسه – بل الإغلاق النفسي، حيث يصبح العبور ممكناً لكنه مكلف ومرعب، مما يحقق نفس هدف الضغط السياسي دون إطلاق رصاصة حرب شاملة.

حرب بحرية بلا جبهة معلنة… واقتصاد عالمي رهينة ممر واحد
يتكشّف من تحليل هذه الحوادث المتلاحقة أن مضيق هرمز لم يعد مجرد نقطة اختناق استراتيجية، بل تحوّل إلى ساحة حرب بحرية غير معلنة تُدار عبر “مقذوفات مجهولة” و”سفن مخالفة” و”ناقلات مكوكية”. صيغة “المقذوف المجهول” لم تعد توصيفاً محايداً، بل أداة سياسية بامتياز — تسمح لطهران بإبقاء الردع الإيراني فعّالاً دون تحمّل تبعات الإعلان الرسمي المسؤولية، وتتيح للقوى الغربية بتجنّب التصعيد الشامل الذي قد يحوّل الخليج إلى ساحة حرب مفتوحة.
غير أن حسابات كل الأطراف تقوم على افتراض خطير: أن استهداف الناقلات يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية دون أن ينزلق الوضع إلى مواجهة شاملة. وفي هذا السياق، يبدو أن العالم بات يعيش على “حدّ حافة” مزدوج: حافة الجغرافيا (32 كيلومتراً عرض المضيق)، وحافة الاقتصاد (100 دولار للبرميل). وأي هجوم ناجح على ناقلة عملاقة في نقطة حرجة قد لا يكتفي بإشعال غرفة محركات، بل قد يُشعل معه أزمة طاقة عالمية لا يريدها أحد، لكن الجميع يبدو مستعداً للمخاطرة بها.
والأخطر أن استمرار الغموض بشأن الجهة المسؤولة يترك المنطقة أمام مساحة واسعة من الاحتمالات، بينما أي خطأ في التقدير أو رد عسكري غير محسوب قد يحول استهداف ناقلة إلى أزمة إقليمية مفتوحة.
فهل نحن أمام حوادث أمنية منفصلة، أم أن استهداف الناقلات يمثل بداية مرحلة جديدة يصبح فيها مضيق هرمز نفسه ساحة ضغط في صراع أكبر على النفط والنفوذ والممرات البحرية؟

أجواء برس

“أجواء” مجموعة من الإعلام العربي المحترف الملتزم بكلمة حرّة من دون مواربة، نجتمع على صدق التعبير والخبر الصحيح من مصدره، نعبّر عن رأينا ونحترم رأي الآخرين ضمن حدود أخلاقيات المهنة. “أجواء” الصحافة والإعلام، حقيقة الواقع في جريدة إلكترونية. نسعى لنكون مع الجميع في كل المواقف، من الحدث وما وراءه، على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى