
تجربة العميل تكشف ما تحاول الإدارة إخفاءه
كيف تعكس رحلة العميل جودة القرارات القيادية ونضج المؤسسات في عصر الذكاء الاصطناعي؟
بقلم: رنا كريم *
قد تقدم المؤسسة خدمة جيدة، وتمتلك أحدث التقنيات، وتنفق الكثير على التسويق، ومع ذلك تخسر عملاءها. وهنا يبرز سؤال مهم: هل المشكلة دائمًا في جودة الخدمة، أم أن هناك خللًا أعمق في طريقة إدارة المؤسسة؟
في تقديري، أصبحت تجربة العميل واحدة من أكثر المؤشرات وضوحًا على حقيقة ما يحدث داخل المؤسسات؛ فهي لا تعكس فقط جودة المنتج أو كفاءة الموظف، بل تكشف أيضًا مدى اتساق القرارات الإدارية وقدرة المؤسسة على الوفاء بوعودها.
منذ عقود، وضع المفكر الإداري بيتر دراكر خلق العميل في قلب الغاية من النشاط الاقتصادي. ورغم التغير الهائل الذي شهدته بيئة الأعمال، لا تزال هذه الفكرة تحتفظ بأهميتها. فنجاح المؤسسة لا يتوقف على جودة ما تنتجه أو تطوره من خدمات، بل على قدرتها على خلق قيمة حقيقية تجعل العميل يختارها ويستمر في التعامل معها.
واليوم، أصبحت تجربة العميل أحد أهم الاختبارات العملية لقدرة المؤسسات على تحقيق هذه الغاية.
لسنوات، جرى التعامل مع تجربة العميل باعتبارها مسؤولية إدارة خدمة العملاء، وارتبط تحسينها غالبًا بتقليل وقت الانتظار، وتسريع الاستجابة، ورفع معدلات الرضا. لكن هذا التصور لم يعد كافيًا في بيئة تتقارب فيها المنتجات والخدمات، وتتزايد فيها توقعات العملاء، وتصبح فيها التجربة نفسها عاملًا حاسمًا في الاختيار والاستمرار.
وتؤكد الأبحاث الحديثة حجم هذه الفجوة. ففي دراسة مشتركة أجرتها Protiviti بالتعاون مع جامعة أكسفورد عام 2025، رأى 47% من القيادات التنفيذية العالمية أن تجربة العميل بالغة الأهمية لنجاح الأعمال، بينما لم تتجاوز نسبة من وصفوا مؤسساتهم بأنها شديدة الفاعلية في تحسين أدائها 17% فقط. وهي فجوة تكشف أن إدراك أهمية تجربة العميل لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة المؤسسية على تطويرها.
فالعميل لا يرى الهيكل التنظيمي للمؤسسة، لكنه يشعر بكل خلل ينتج عنه.
تأمل عميلًا يضطر إلى شرح مشكلته أكثر من مرة، أو يتلقى معلومات مختلفة من إدارات المؤسسة نفسها، أو يكتشف أن ما وعدته به الحملات التسويقية لا يتطابق مع تجربته الفعلية. هل يمكن اعتبار ذلك مجرد تقصير من موظف خدمة العملاء؟ أم أنه نتيجة لعمليات غير مترابطة، ومسؤوليات غير واضحة، وقرارات لم تضع رحلة العميل في مقدمة أولوياتها؟
قد تنجح كل إدارة في تحقيق مؤشرات الأداء الخاصة بها، بينما تفشل المؤسسة ككل في بناء علاقة مستدامة مع عملائها. وهنا تكمن المفارقة؛ فقد تكون المؤسسة راضية عن أدائها الداخلي، في الوقت الذي يغادر فيه العميل وهو غير راضٍ عن تجربته.
والأمر لا يتوقف عند الانطباع أو مستوى الرضا، بل يمتد إلى نتائج الأعمال. ففي استطلاع PwC لتجربة العملاء لعام 2025، والذي شمل 5,511 مستهلكًا أمريكيًا، ذكر 29% من المشاركين أنهم توقفوا عن التعامل مع علامة تجارية بسبب تجربة سيئة معها، سواء عبر الإنترنت أو في التعامل المباشر. وهذا يوضح أن تجربة العميل لم تعد مسألة تحسين صورة المؤسسة فحسب، بل أصبحت مرتبطة مباشرة بالاحتفاظ بالعملاء والإيرادات واستدامة النمو.
ومع التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي والأتمتة وتحليل البيانات، أصبحت أمام المؤسسات فرص كبيرة لفهم عملائها بصورة أفضل، وتقديم خدمات أسرع وأكثر تخصيصًا. لكن امتلاك التكنولوجيا لا يعني بالضرورة حسن استخدامها.
فأتمتة إجراء معقد لا تجعله أكثر كفاءة بالضرورة، وتطوير قنوات التواصل لا يحل مشكلة غياب التنسيق بين الإدارات. بل قد تجد المؤسسة نفسها تقدم تجربة سيئة بسرعة أكبر!
الفارق الحقيقي لا يكمن فقط في الأدوات التي تستخدمها المؤسسات، بل في قدرتها على مراجعة عملياتها، وتحديد ما يحتاج إلى تطوير، وما يجب إعادة تصميمه من الأساس.
فالمؤسسة التي تريد تحسين تجربة عملائها تحتاج أولًا إلى رؤية متكاملة لهم، بدلًا من ترك بياناتهم موزعة بين إدارات وأنظمة منفصلة. كما تحتاج إلى مراجعة إجراءاتها قبل أتمتتها؛ فليس كل إجراء قائم يستحق الاستمرار بالشكل نفسه، وأحيانًا يكون حذف خطوة غير ضرورية أكثر قيمة من تسريعها.
ولا يقل عن ذلك أهمية الحفاظ على البعد الإنساني في التجربة. فالذكاء الاصطناعي قادر على تحسين السرعة والتخصيص، لكنه لا ينبغي أن يكون بديلًا عن الفهم الإنساني، خاصة عندما يحتاج العميل إلى التقدير أو التعاطف أو التعامل مع موقف استثنائي. التكنولوجيا الناجحة هي التي تجعل التعامل أكثر سهولة، دون أن تجعل العميل يشعر بأنه يتعامل مع نظام لا يسمعه.
لكن من المسؤول عن قيادة هذا التحول؟
لا يمكن مطالبة موظفي خدمة العملاء بتحسين التجربة، بينما تظل القرارات المتعلقة بالميزانيات والعمليات والحوافز والاستثمار التكنولوجي بعيدة عن احتياجات العميل.
تجربة العميل ليست مشروعًا تتولاه إدارة واحدة، ولا حملة تسويقية تنتهي بانتهاء موعدها. إنها مسؤولية تبدأ من القيادة العليا، وتنعكس على ثقافة المؤسسة وطريقة عمل جميع إداراتها.
وعلى القيادات أن تطرح على نفسها سؤالًا يستحق التوقف أمامه: هل صممنا مؤسساتنا لتسهيل حياة عملائنا، أم نتوقع منهم التكيف مع تعقيدات مؤسساتنا؟
في النهاية، قد لا يعرف العميل من اتخذ القرار الذي تسبب في تعقيد تجربته، لكنه سيتذكر جيدًا كيف شعر تجاه المؤسسة بعده.
فتجربة العميل ليست الصورة التي تحاول المؤسسة تقديمها عن نفسها، بل الحقيقة التي يعيشها العميل معها.
* مدربة متخصصة في التسويق والمبيعات وتطوير الأعمال وتجربة العملاء



