من هم الجبناء أخلاقيا؟ انسحاب احتجاجي من قاعة الأمم المتحدة وأيسلندا ترد من المنبر نفسه
عندما تتحول أروقة الأمم المتحدة إلى ساحة إعادة تشكيل الموقف الدولي،فى حرب غزه ولبنان،نتنياهو يتحدث لقاعة نصف فارغة ،هل فقدت "إسرائيل" معركة الصورة فى نيويورك؟
كتب أحمد سمير
لم تكن كلمة بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 24 سبتمبر الجاري 2026 مجرد خطاب دبلوماسي عابر، بل حدث مشهد يلخص حالة العالم اليوم: انسحاب جماعي لوفود عدة مع صعود بنيامين نتنياهو إلى المنصة،لوفود عشرات الدول احتجاجاً على الحرب الإسرائيلية على غزةووفق تقارير إسرائيلية، لم يحضر الخطاب ممثلو 77 دولة، بينما غادرت وفود أخرى القاعة أثناء إلقاء الكلمة، وشمل الانسحاب 18 دولة عربية و14 دولة آسيوية وتركيا و20 دولة إفريقية غير عربية ، بينما كان بنيامين نتنياهو يستعد لإلقاء خطابه، ليصف المنسحبين بـ«الجبناء أخلاقياً»،نتنياهو لم يتعامل مع المشهد باعتباره احتجاجًا دبلوماسيًا، بل هاجم المغادرين، قبل أن يمضي في الدفاع عن العمليات الإسرائيلية، ومهاجمة إيران وخصوم إسرائيل، وحتى انتقاد عدد من الدول والحلفاء.
شمل الانسحاب الوفود العربية والإسلامية بشكل شبه كامل، حيث بقي ممثلو 3 دول عربية فقط في القاعة وقد طلب نتنياهو من أي شخص آخر يشعر في تصريح أشعل موجة واسعة من الجدل والسخط عبر المنصات الإعلامية والرقمية.
تحدثت المشاهد ما عجزت عنه البيانات الرسمية لعقود، لتبقى المنصة شبه فارغة أمام خطاب يصرخ في وجه العالم،لم يكن الانسحاب مجرد بروتوكول دبلوماسي بارد، بل كان لحظة صدام حضاري بين مفهومين للشرعية: شرعية القوة، وشرعية الضمير العالمي، وفي هذا المشهد المزدوج، برز أداء لبنان كخطاب ضائع في متاهة التناقضات، بينما جاء الرد الآيسلندي كصفعة أخلاقية موزونة على منبر واحد.
شكل رد وزيرة خارجية آيسلندا” ثورغيردور كاترين غونارسدوتير”، ومن المنبر نفسه، لحظة مفصلية أعادت التذكير بأسس القانون الدولي والمسؤولية القانونية الأخلاقية للمجتمع الدولي، لتتحول قاعة الجمعية العامة إلى مسرح لمواجهة علنية بين المنطق العسكري الحاكم وسيادة سيادة القانون الدولي،بعد وصف نتانياهو الدول المنسحبه بالجبناء أخلاقيا، وقالت الوزيرة: “لقد استمعنا من على هذا المنبر إلى مصطلح ‘الجبناء أخلاقياً’ الجبناء أخلاقياً هم أولئك الذين يرفضون الجلوس والتفاوض من أجل سلام عادل ودائم”
وأضافت غونارسدوتير أن الوصف ينطبق كذلك على “أولئك الذين يمنعون وصول المساعدات الإنسانية إلى الأشخاص الذين هم في أمسّ الحاجة إليها”، وعلى القادة الذين “ينتهكون القانون الدولي ولا يحترمونه بصورة متكررة” ،
ومن ينتهكون القانون الدولي مراراً ويستخفون به. وأضافت أن معاناة المدنيين الفلسطينيين لا يجوز أن تتحول إلى «ضجيج في الخلفية»، مشيرة إلى قتل الأطفال وتهجير العائلات واستمرار الاستيطان والعنف في الضفة.
هذا الردّ ليس مجرد ردّة فعل عاطفية،هو تذكير بأن الشرعية الدولية لا تُقاس بعدد الطائرات أو بحجم التحالفات، بل بمدى الالتزام بالقواعد التي وُضعت بعد الحرب العالمية الثانية لمنع تكرار المآسي.وقد قوبلت كلمات الوزيرة بالتصفيق داخل القاعة لم يكن الأمر مجرد تبادل كلمات دبلوماسية؛ كان اختباراً لمن يجرؤ على قول الحقيقة ومن يفضل الصمت أو اللغة الرمادية.
وهنا انتقلت المواجهة من مجرد احتجاج داخل القاعة إلى صراع على تعريف الشرعية السياسية والأخلاقية للحرب: من يملك حق تحديد معنى الدفاع عن النفس؟ ومن يحدد حدود القوة؟ وهل أصبحت الأمم المتحدة نفسها ساحة لمواجهة الروايات أكثر من كونها منصة لصناعة التسويات؟
ما الذي يميز ردّ آيسلندا ويجعله قوياً؟
ثلاثة عناصر:
أولاً، استخدام العبارة نفسها التي استخدمها نتنياهو وإعادة تعريفها، مما يفرغها من معناها الأصلي ويحوّلها إلى سلاح مضاد.
ثانياً، التركيز على المبادئ لا على الخصومة الشخصية؛ لم تذكر الوزيرة اسم نتنياهو، لكنها وجهت سهامها إلى السلوك: رفض التفاوض، منع المساعدات، انتهاك القانون.
ثالثاً، الربط بين غزة والضفة وأوكرانيا، لتأكيد أن المعايير الأخلاقية واحدة، وأن الصمت الانتقائي هو نفسه شكل من أشكال الجبن. دولة صغيرة مثل آيسلندا، التي انضمت إلى الأمم المتحدة قبل ثمانين عاماً، تذكّر الجميع بأن صوتها متساوٍ مع أصوات الكبار طالما التزمت بالمبادئ.
لماذا كان انسحاب 77 دولة لحظة فارقة في تاريخ الجمعية العامة؟
تحمل دلالات أعمق من مجرد احتجاج سياسي. الانسحاب لم يقتصر على الدول العربية والإسلامية، بل شمل دولاً من أربع قارات: إفريقيا، أمريكا اللاتينية، آسيا، وحتى أوروبا. ما جعل المشهد فارقاً هو أنه كشف عن انهيار السردية الإسرائيلية التي طالما اعتمدت على تأييد ضمني غربي. خروج إسبانيا وإيرلندا من القاعة، وهما دولتان أوروبيتان، مثل تحولاً في البوصلة الأخلاقية الأوروبية. والأهم أن 48 دولة فقط بقيت داخل القاعة من أصل 193، وهو ما وصفته الصحافة العبرية بـ”تسونامي الانسحاب”.
نتنياهو نفسه لم يتجاهل الموقف، بل استبقه بقوله: “إذا كان هناك أي جبناء أخلاقيين آخرين لم يغادروا هذه القاعة، فالرجاء أن يفعلوا ذلك الآن”. لكن هذه العبارة، التي بدت كتحدٍّ، كشفت في العمق عن إدراكه الكامل للعزلة، واختار مواجهتها بالاستفزاز بدلاً من المراجعة.
هل كان خطاب رئيس لبنان “ضعيفاً” فعلاً، أم أن التوقعات كانت مرتفعة بشكل مفرط؟
النقد الأساسي لخطاب الرئيس جوزاف عون جاء من كونه “باهتاً ومليئاً بالاعترافات الضمنية بالعجز”. لم يقدم الخطاب خارطة طريق واضحة لمواجهة التحديات، بل غرق في عرض فلسفي عن “لبنان الرسالة” و”التعايش”، في وقت كان الشعب اللبناني ينتظر موقفاً سيادياً حاسماً.
المفارقة أن الخطاب استشهد بشارل مالك الذي قال في 1948: “لا يهمني أن أكون في إطار الأكثرية أو الأقلية، رغبتي أن أكون في إطار الحقيقة فقط”. لكن الخطاب نفسه لم يلتزم بهذه الحقيقة، إذ قدم صورة لبنان مثالية تتناقض مع الواقع الميداني. الأكثر إشكالية كان موقفه من سلاح حزب الله: رفض استخدام القوة، دون تقديم آلية سلمية قابلة للتنفيذ، وأضاف عبارة “ليس في الوقت الراهن” التي فتحت الباب لاحتمالات غامضة.
الخطاب لم يكن “ضعيفاً” فقط، بل كان انعكاساً لأزمة بنيوية في الدولة اللبنانية: دولة تريد السيادة دون أدوات فرضها، وتتحدث عن السلام دون خارطة طريق، وتطلب الدعم الدولي دون تقديم التزامات واضحة. المؤسف أن الخطاب لم يستثمر اللحظة الأممية لتحويل لبنان من ضحية إلى فاعل، بل عزز صورة بلد عاجز ينتظر الحلول من الخارج.
لماذا اختار نتنياهو وصف المنسحبين بـ«الجبناء أخلاقياً» بدلاً من تجاهلهم؟
لأن الانسحاب يفضح العزلة. عندما تفرغ القاعة أمام زعيم يتحدث عن «الدفاع عن الحضارة»، يصبح الخطاب موجهاً في الأساس إلى جمهوره الداخلي وإلى الحلفاء الذين ما زالوا يؤيدونه. وصف المنسحبين بالجبن يحول الفعل الاحتجاجي إلى خيانة أخلاقية، ويحاول تجريد المنتقدين من الشرعية. لكن هذا الأسلوب ينقلب عليه: فالدول التي غادرت القاعة تمثل شعوباً تراقب الصور القادمة من غزة يومياً، وترى في الانسحاب موقفاً أخلاقياً لا جبناً.
ما الذي جعل رد وزيرة خارجية آيسلندا من المنبر نفسه يحمل هذا القدر من القوة والتأثير؟
شرعية المكان والزمان: التحدث من المنبر نفسه الذي وُجهت منه الادعاءات الإسرائيلية منح الرد دافعاً مباشراً وحاضراً فوراً في أذهان الحضور.
الاستناد إلى المبادئ بدلاً من المصالح: آيسلندا، كدولة صغيرة لا تملك أجندات إقليمية أو حسابات عسكرية معقدة في الشرق الأوسط، تتحدث بلغة “القانون الدولي” المباشر وحقوق الإنسان، مما يعطي صوتها مصداقية أخلاقية عالية أمام دول الجنوب والشمال العالمي على حد سواء.
تفنيذ الخطاب السائد: الرد لم يقتصر على المجاملات الدبلوماسية، بل وضع النقاط على الحروف فيما يتعلق بمسؤولية حماية المدنيين، وضرورة وقف إطلاق النار، ورفض سياسة الإفلات من العقاب. هذا التباين بين خطاب يستخدم المنطق القوي للمؤسسات الدولية وخطاب يستند فقط للغة القوة والتهديد، جعل الرد الآيسلندي نموذجاً لما ينبغي أن يكون عليه موقف الدول التي ترعى النظام الدولي القائم على القواعد.
هل نحن أمام تحول أوروبي حقيقي أم مجرد تنفيس عن الغضب؟
المؤشرات توحي بأننا أمام تحول بنيوي بطيء وليس مجرد انفعال لحظي. اعتراف دول أوروبية بدولة فلسطين، تصاعد الدعوات لتعليق اتفاقيات الشراكة مع إسرائيل، والمواقف القضائية المرتبطة بمحكمة العدل الدولية، كلها حلقات في مسار واحد. لكن يجب الحذر من المبالغة: أوروبا ما زالت منقسمة، والمصالح الاقتصادية والأمنية مع إسرائيل عميقة، والولايات المتحدة تملك حق النقض القادر على إجهاض أي تحرك ملزم في مجلس الأمن. ما يحدث هو تآكل تدريجي في “الحصانة المعنوية”، وهو أخطر على المدى الطويل من أي قرار عقابي فوري، لأنه يغير قواعد اللعبة التي بُنيت عليها الدبلوماسية الإسرائيلية منذ 1948.
هل يمكن أن يغيّر مثل هذا الردّ شيئاً على الأرض؟
الردود الدبلوماسية وحدها لا توقف القصف ولا تفتح المعابر. لكنها تبني سردية مضادة، وتُضعف شرعية الخطاب الذي يسوّغ استمرار العمليات، وتزيد من الضغط على الدول التي ما زالت تتردد في اتخاذ مواقف أكثر حزماً. كما أنها تشجع دولاً أخرى صغيرة ومتوسطة على الكلام بصراحة أكبر. في عالم تسيطر عليه حسابات المصالح، يصبح الصوت المبدئي نادراً وثميناً.
ماذا يعني هذا المشهد بالنسبة لمستقبل الأمم المتحدة؟
يعني أن المنظمة تواجه اختباراً وجودياً. إذا استمرت في كونها منبراً يتحدث منه من يتجاهل قراراتها بينما ينسحب منه من يطالب بتطبيقها، فإن شرعيتها تتآكل. الانسحاب والردّ الآيسلندي معاً يقولان إن هناك دولاً لم تعد مستعدة للعب دور المتفرج المهذب. السؤال هو: هل ستتحول هذه اللحظات إلى ضغط مؤسسي حقيقي، أم ستبقى لحظات إعلامية عابرة؟
الذي كشفه المشهد الأممي عن تحولات أعمق في النظام الدولي؟
المشهد الأممي لعام 2025 لم يكن حدثاً عابراً، بل صدى لتحول بنيوي في موازين الشرعية الدولية. هناك ثلاثة تحولات رئيسية:
أولاً: انهيار الحصانة الإسرائيلية في الغرب. لم تعد الانتقادات محصورة في دول الجنوب. اعتراف بريطانيا وكندا وأستراليا وفرنسا بالدولة الفلسطينية، ثم خروج إسبانيا وإيرلندا من القاعة، يشير إلى تصدع في الإجماع الغربي الذي حافظ على صمت مطبق عقوداً.
ثانياً: صعود الدبلوماسية الأخلاقية بديلاً عن الدبلوماسية البروتوكولية. كلمة آيسلندا، وهي دولة صغيرة بلا ثقل عسكري، كان لها صدى أوسع من بيانات دول كبرى. هذا يعني أن الشرعية الدولية لم تعد تُشترى بالقوة، بل تُبنى بالمواقف.
ثالثاً: عجز الخطاب العربي الرسمي عن مواكبة اللحظة. لبنان، الذي كان يمكن أن يكون رأس حربة في مواجهة الخطاب الإسرائيلي، قدم خطاباً دفاعياً منكفئاً. هذا لا يعكس ضعفاً شخصياً في الرئيس عون بقدر ما يعكس أزمة نظام سياسي لا يزال أسير توازنات داخلية تمنعه من التحرك بحرية.
هل أصبحت الأمم المتحدة ساحة حرب إعلامية أكثر منها ساحة دبلوماسية؟
إلى حد كبير، أصبحت الخطابات الأممية جزءًا من معركة الرواية السياسية.
نتنياهو دخل القاعة وهو يعرف أن خطابه سيواجه احتجاجًا، ولذلك بدأ من نقطة الصدام نفسها، ثم قدم روايته للحرب ولأمن إسرائيل. في المقابل، جاءت ردود دول أخرى لتقدم رواية مضادة تقوم على القانون الدولي والمساعدات وحق الفلسطينيين في الدولة.
وهذا يعكس أزمة أوسع داخل النظام الدولي: الدول تستطيع الحديث، لكنها لا تستطيع دائمًا فرض ما تقوله على أرض الواقع.
فالجمعية العامة يمكن أن تتحول إلى منصة شديدة التأثير على الرأي العام الدولي، لكن تنفيذ القرارات السياسية والقانونية يبقى مرتبطًا بتوازنات القوة، ومواقف مجلس الأمن، والتحالفات الدولية.
وهنا تكمن المفارقة: قد تكون القاعة مليئة بالاعتراضات، بينما تستمر العمليات العسكرية خارجها.
أين يقف لبنان وسط هذا المشهد؟
لبنان كان جزءًا من مشهد الانسحاب الجماعي خلال خطاب نتنياهو، لكن السياسة اللبنانية تجاه الأزمة الإقليمية تبدو أكثر تعقيدًا من مجرد مواجهة خطابية مع إسرائيل.
ففي نيويورك، أكد رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام أن لبنان لا يريد أن يكون «ساحة» للصراعات الإقليمية أو لتبادل الرسائل، وذلك خلال لقاء مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، كما تحدث عن بناء علاقة تقوم على احترام السيادة والاستقلال وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
وهنا تظهر خصوصية الموقف اللبناني: بيروت تواجه في الوقت نفسه الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية، وتعقيدات العلاقة مع إيران، ووجود حزب الله، والحاجة إلى تثبيت سيادة الدولة اللبنانية.
لذلك فإن الخطاب اللبناني لا يمكن تقييمه فقط من زاوية «قوة الكلمات»، وإنما يجب قراءته ضمن محاولة لبنان إبعاد أراضيه عن صراع إقليمي أوسع، مع الحفاظ على موقفه تجاه القضية الفلسطينية والسيادة اللبنانية.
هل انسحاب الوفود والرد الآيسلندي يمكن أن يغيرا مسار الحرب؟
بشكل مباشر، لا يكفي الانسحاب أو الخطاب وحدهما لتغيير مسار حرب بهذا الحجم.
لكن التأثير السياسي لا يُقاس فقط بإيقاف العمليات العسكرية فورًا. فالتراكم الدبلوماسي يمكن أن يؤثر في العلاقات الثنائية، وفي المساعدات، وفي الاعترافات السياسية، وفي المواقف داخل المؤسسات الدولية، وفي درجة العزلة التي تواجهها أي حكومة.
ومن هنا فإن أهمية مشهد الأمم المتحدة ليست في أنه أنهى الحرب، وإنما في أنه يكشف كيف تتغير البيئة السياسية المحيطة بالحرب.
كما أن خطاب آيسلندا يوضح أن إسرائيل لم تعد تواجه الانتقاد فقط من خصومها التقليديين، بل أصبح بعض حلفائها وشركائها الغربيين أكثر صراحة في الحديث عن القانون الدولي والوضع الإنساني وحل الدولتين.
المشهد الذي خرج من الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا الأسبوع يحمل أكثر من صورة: نتنياهو على المنبر، وفود تغادر القاعة، مقاعد شاغرة، خطاب إسرائيلي شديد اللهجة، ثم وزيرة خارجية آيسلندية تعود إلى العبارة نفسها وتضع لها تعريفًا معاكسًا.
لكن الأهم أن القضية لم تعد فقط مَن تحدث بشكل أقوى؟ بل أصبحت: أي رواية تستطيع أن تتحول من خطاب سياسي إلى موقف دولي قابل للتنفيذ؟
نتنياهو حاول تقديم إسرائيل باعتبارها دولة تخوض معركة دفاعية واسعة ضد خصومها، بينما ردت آيسلندا بإعادة النقاش إلى القانون الدولي والسلام والمساعدات الإنسانية. وبين الروايتين يقف لبنان في وضع شديد الحساسية؛ فهو يريد رفض تحويل أراضيه إلى ساحة للصراع الإقليمي، وفي الوقت نفسه يتعامل مع تداعيات المواجهة مع إسرائيل والتوازنات المرتبطة بإيران وحزب الله.
لذلك فإن صورة انسحاب الوفود قد تكون مؤثرة سياسيًا، لكن الصورة الأكبر ستتحدد بما يحدث بعد مغادرة القاعة: هل تتحول الاعتراضات إلى سياسات؟ هل يتسع الضغط الدبلوماسي؟ وهل تستطيع الأمم المتحدة استعادة دورها كمساحة لصناعة التسويات بدل أن تكون مجرد مسرح لتبادل الاتهامات؟
وهنا يبقى السؤال الأهم: هل نحن أمام مجرد مواجهة جديدة في حرب الخطابات، أم أن ما حدث في الأمم المتحدة يعكس تحولًا أعمق في شكل العلاقة الدولية مع إسرائيل وحرب غزة؟



