ما الشروط الأميركية التي فتحت باب صفقة F-35 للسعودية، وهل تتغير موازين القوة في الشرق الأوسط؟
واشنطن أمام معادلة معقدة: تسليح الرياض بأحدث مقاتلاتها مع حماية التفوق العسكري الإسرائيلي، ومنع تسرب التكنولوجيا الحساسة، وضبط علاقة السعودية بالصين والملف النووي
كتب احمد سمير
تُعدّ مقاتلة الجيل الخامس F-35 Lightning II الجوهرة التكنولوجية لسلاح الجو الأمريكي ورأس الحربة في الاستراتيجية الدفاعية للدول الحليفة لـ واشنطن. لا تُعامل الإدارات الأمريكية نقل هذه التقنية الحساسة كصفقة تجارية تقليدية، بل كـ قرار استراتيجي وجيوسياسي يُعيد هيكلة موازين القوى في الشرق الأوسط.
صفقة الـ F-35 للسعودية ليست صفقة طائرات. هي إعادة هندسة لميزان القوة في الشرق الأوسط.
في 17 سبتمبر من الشهر الجاري 2026، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية موافقتها على بيع محتمل لـ 48 مقاتلة F-35A للسعودية بقيمة 24.3 مليار دولار. الحزمة تشمل 48 طائرة و 49 محرك Pratt & Whitney F135-PW-100 بمحرك احتياطي واحد، لتجعل السعودية ثاني دولة في الشرق الأوسط بعد إسرائيل تحصل على الشبحية الأمريكية، وأول دولة عربية.
لكن هذه الموافقة ليست عقد بيع،هي إخطار للكونغرس يبدأ فترة مراجعة يمكن للنواب خلالها الاعتراض قبل بدء المفاوضات الرسمية بين الحكومتين. ولماذا تأخرت كل هذه السنوات رغم أن السعودية تطلب الطائرة منذ 2017؟ لأن واشنطن لا تبيع F-35 إلا ضمن منظومة شروط قانونية، تقنية، وسياسية معقدة، وليس كسلعة.
وتأتي هذه الموافقة بعد أن طلبت المملكة العربية السعودية مقاتلات F-35 منذ سنوات طويلة، في إطار تحديث سلاحها الجوي وتعزيز قدراتها الردعية تجاه إيران والتهديدات الإقليمية. قاومت الإدارات الأميركية السابقة (خصوصاً في عهد بايدن) هذا الطلب لأسباب متعددة: الالتزام القانوني بالحفاظ على تفوق إسرائيل العسكري النوعي في الشرق الأوسط (الذي أصبح قانوناً في 2008 عبر تعديل قانون مراقبة تصدير الأسلحة)، مخاوف من تسرب تكنولوجيا التخفي والرادار وأجهزة الاستشعار إلى الصين عبر الشراكة السعودية-الصينية المتزايدة، وقضايا أخرى مثل مقتل جمال خاشقجي والعلاقات مع الصين (هواوي وZTE في البنية التحتية).
تغير المشهد جذرياً مع عودة الرئيس دونالد ترامب. في نوفمبر 2025، أعلن ترامب استعداده لبيع الطائرات، واستقبل ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وصنف السعودية “حليفاً رئيسياً من خارج الناتو”، ووقع الجانبان “اتفاقية دفاع استراتيجي”. في 17 سبتمبر 2026، وافقت وزارة الخارجية الأميركية رسمياً على صفقة محتملة (Foreign Military Sale) تشمل 48 مقاتلة F-35A (الإقلاع والهبوط التقليدي) و49 محركاً من طراز Pratt & Whitney F135، بتكلفة تقديرية 24.3 مليار دولار، مع معدات اتصالات آمنة وتشفير ودعم حرب إلكترونية وتدريب ولوجستيات. تخضع الصفقة الآن لمراجعة الكونغرس لمدة 30 يوماً، ويمكن للكونغرس محاولة حظرها بقرار مشترك (صعب التحقيق عملياً، ويتطلب أغلبية ساحقة لتجاوز الفيتو الرئاسي).
هذه الموافقة تمثل تحولاً سياسياً كبيراً: السعودية ستكون أول دولة عربية تشغل مقاتلة من الجيل الخامس، والثانية في الشرق الأوسط بعد إسرائيل. لكنها ليست موافقة غير مشروطة؛ الشروط التقنية والأمنية والسياسية ما زالت تشكل جوهر الصفقة النهائية التي ستُحدد في مفاوضات Letter of Offer and Acceptance.
وهنا تظهر القضية الأساسية: كيف يمكن لواشنطن أن تمنح السعودية طائرة حصلت عليها إسرائيل باعتبارها سلاحًا نوعيًا، من دون أن يؤدي ذلك إلى تقويض التفوق العسكري الإسرائيلي؟
فالولايات المتحدة لديها التزام قانوني وسياسي طويل الأمد بالحفاظ على التفوق العسكري النوعي لإسرائيل QME، وهو مبدأ يعني أن أي صفقة سلاح أميركية لدولة في الشرق الأوسط يجب تقييم تأثيرها على قدرة إسرائيل على الحفاظ على تفوقها العسكري النوعي.
ومن هنا، فإن شروط الصفقة لا يمكن اختزالها في شرط واحد؛ بل تتعلق بمجموعة من الملفات: إسرائيل، التكنولوجيا، الصين، الاستخدام العسكري، الترتيبات الأمنية، والبيئة النووية السعودية.
ترتكز الفلسفة الأمنية الأمريكية في منح الترخيص لهذه المقاتلات على مفهوم “إدارة المخاطر الاستراتيجية”. بالنسبة لواشنطن، لا تنطوي F-35 على خطورة عسكرية تفوقية فحسب، بل تُعتبر منصة جمع بيانات واستخبارات سيبرانية مشفرة ومربوطة بشبكات قيادة ومراقبة متطورة. بناءً على ذلك، تضع الإدارة الأمريكية حزمة من القيود الشارطة، الصريحة والضمنية، تهدف إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية:
ضمان التفوق العسكري الإقليمي لحلفاء محددين (وعلى رأسهم إسرائيل).
حماية التكنولوجيا الفائقة للمقاتلة من التسريب أو الجاسوسية التكنولوجية (خاصة لمنافسيها كـ الصين وروسيا).
ربط التكنولوجيا العسكرية المتقدمة بالتزامات سياسية وجيوسياسية طويلة المدى تعزز نفوذ واشنطن في المنطقة.
بين قانون أمريكي مُلزم يحمي التفوق الإسرائيلي، ومخاوف تكنولوجية من تسرب أسرار التخفي، وضغوط سياسية تربط الصفقة أحيانًا بالتطبيع مع إسرائيل، تتحول F-35 من طائرة مقاتلة إلى أداة هندسة سياسية وأمنية للشرق الأوسط. فإذا مرت الصفقة، فهي إعادة تعريف للتحالف الأمريكي،السعودي ورسالة ردع لإيران. وإذا تعطلت، فهي إشارة إلى أن واشنطن لا تزال تضع أمن إسرائيل في قلب معادلة الأمن الإقليمي، حتى لو كان الثمن تأجيل شراكة استراتيجية مع أكبر شريك خليجي.
هكذا، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل ستحصل السعودية على F-35؟ بل: ما الثمن الذي ستضطر الرياض لدفعه من سيادتها العسكرية، وما الثمن الذي ستقبله واشنطن من تفوق إسرائيل النوعي، مقابل إعادة تشكيل ميزان القوى في الشرق الأوسط؟
تحليل الشروط التي وضعتها امريكا أمام السعودية لمنحها المقاتلات:
شرط التفوق النوعي الإسرائيلي QME – الشرط القانوني الأقدس
بموجب قانون مراقبة تصدير السلاح AECA وقانون نقل السفن البحرية لعام 2008، الولايات المتحدة ملزمة قانونا بضمان احتفاظ إسرائيل بتفوق عسكري نوعي على كل جيرانها. نفس القانون يلزم واشنطن بتقييد نقل السلاح المتقدم للدول العربية للحفاظ على هذا التفوق.
ترجمة ذلك عمليا:
• الطائرات السعودية ستُباع “بدون بعض المكونات” بما يمنع السعودية من تغيير الأنظمة، وبذلك يضمن أن ميزان القوى لن يتغير.
• الخارجية بررت أن الصفقة لن تزعزع التوازن العسكري في المنطقة.
• النسخة السعودية ستكون منزوعة القدرات: بدون أنظمة الحرب الإلكترونية المتقدمة، وبدون الذخائر المعززة، وبدون المكونات السرية التي تملكها إسرائيل.
• إسرائيل وحدها تملك إذن خاص لتعديل F-35 بذخائر محلية وأنظمة تشويش رادار دون موافقة أمريكية، بينما السعودية ممنوعة من أي تعديل. حتى صاروخ AIM-260 الجيل الجديد سيبقى حصريا لإسرائيل على الأرجح.
الضمانات الأمنية ضد التسرب التكنولوجي إلى الصين :
هذا الشرط الأكثر حساسية حالياً. أصدرت وكالة استخبارات الدفاع (DIA) تقارير تحذر من أن الشراكة الدفاعية السعودية-الصينية، ووجود أفراد عسكريين صينيين في بعض القواعد، واستخدام معدات هواوي وZTE في الاتصالات والبنية التحتية، قد يتيحان للصين جمع معلومات عن الرادار المتقدم وأنظمة الاستشعار والتخفي والبرمجيات وبيانات العمليات عبر التجسس أو القرب الجغرافي. التوصيات تشمل: تقييد الوصول إلى مواقع تخزين وصيانة F-35 على الضباط والمقاولين السعوديين والأميركيين فقط؛ إزالة معدات هواوي وZTE من الشبكات والمنشآت المرتبطة بالطائرة؛ والحد من الاتصال مع الأفراد الاستخباراتيين والعسكريين الصينيين. لم تُعلن التفاصيل النهائية بعد في إخطار الخارجية، لكنها ستكون جزءاً أساسياً من أي اتفاقية نهائية، مشابهة لما عطل صفقة الإمارات سابقاً.
وبالتالي، من المتوقع أن تشمل الترتيبات:
حماية المنشآت التي ستتمركز فيها الطائرات.
ضوابط على الوصول إلى الأنظمة الحساسة.
حماية شبكات الاتصالات والبيانات.
إجراءات لمنع التجسس الإلكتروني.
قيود على وصول أطراف ثالثة إلى الطائرة أو معداتها.
آليات أميركية للمتابعة والصيانة والتحديث.
وقد أثيرت بالفعل مخاوف في واشنطن من علاقات الرياض المتنامية مع بكين، رغم تأكيد مسؤولين أميركيين أن صفقات الأسلحة تخضع لمراجعة قانونية واستراتيجية لحماية التفوق التكنولوجي الأميركي.
الإجراءات القانونية والسياسية :
موافقة الكونغرس (فترة 30 يوماً).
عدم الحاجة إلى تعيين ممثلين أميركيين إضافيين دائمين في السعودية (حسب الإخطار)، لكن الدعم الفني واللوجستي مستمر من الولايات المتحدة.
عدم وجود اتفاق تعويضات (offset) معلن حتى الآن، رغم أن السعودية ستسعى إلى مشاركة صناعية محلية في إطار رؤية 2030.
الاعتماد المستمر على الولايات المتحدة في البرمجيات والتحديثات والصيانة، مما يمنح واشنطن نفوذاً طويل الأمد.
لم يعد التطبيع مع إسرائيل شرطاً صريحاً وملزماً كما كان في السابق (في عهد بايدن كان مرتبطاً باتفاقيات أبراهام)، رغم استمرار الضغط الإسرائيلي والكونغرس في بعض الأوساط. التركيز الآن على تعزيز الشراكة الدفاعية والردع الإقليمي ضد إيران.
التحليل: تنظر واشنطن إلى F-35 كـ “مكافأة استراتيجية” تُمنح فقط للدول المفصلية في مشروع إعادة تشكيل الشرق الأوسط. يضمن هذا الشرط تحويل الصفقة من مجرد صفقات سلاح إلى مظلة أمنية شاملة تربط حلفاء واشنطن بشبكة إنذار مبكر ودفاع جوي مشترك لمواجهة التهديدات الإقليمية مثل الطائرات المسيّرة والصواريخ البالستية .
ترامب مهد الطريق سياسيا: في نوفمبر 2025 أعلن نيته بيع F-35 بالتزامن مع زيارة ولي العهد وتوقيع اتفاقية تصنيف السعودية حليف رئيسي خارج الناتو MNNA. المقابل الاقتصادي المعلن: تعهد سعودي برفع الاستثمارات في أمريكا إلى تريليون دولار.
الاستخدام الأميركي المنضبط للطائرة
الولايات المتحدة، في صفقات الأسلحة الكبرى، لا تتعامل فقط مع عملية البيع، وإنما مع كيفية استخدام السلاح.
وهذا يعني أن واشنطن ستكون مهتمة بأن تكون الطائرات جزءًا من منظومة دفاعية سعودية مرتبطة بأهداف الأمن الإقليمي، وليس أداة يمكن استخدامها بطريقة تؤدي إلى أزمة استراتيجية جديدة.
وهذا مهم خصوصًا في ظل حساسية المنطقة، من إيران واليمن إلى الخليج والبحر الأحمر.
استمرار التعاون العسكري والاستخباراتي مع واشنطن
F-35 تعتمد بصورة كبيرة على منظومة متكاملة من:
التدريب.
الصيانة.
قطع الغيار.
تحديث البرمجيات.
الدعم الفني.
المعلومات الاستخباراتية.
الاتصالات والربط الشبكي.
وبالتالي، فإن شراء الطائرة يخلق اعتمادًا طويل الأمد على الولايات المتحدة.
وهذه ليست نقطة تقنية فقط، وإنما أداة استراتيجية أميركية للحفاظ على نفوذها داخل المؤسسة العسكرية السعودية.
الملف النووي السعودي يدخل في الحسابات الاستراتيجية
هنا يجب التفريق بين أمرين:
ليس هناك في المصادر العلنية التي راجعتها شرط معلن يقول حرفيًا إن السعودية لن تحصل على F-35 إلا إذا طبقت شرطًا نوويًا محددًا.
لكن الملف النووي السعودي أصبح جزءًا واضحًا من العلاقة الاستراتيجية الأميركية السعودية.
وفي يوليو 2026، أعلنت إدارة ترامب ترتيبات مرتبطة بالتعاون النووي المدني السعودي، بينما ظلت قضية تخصيب اليورانيوم نقطة حساسة في المفاوضات. كما ربط ترامب علنًا التعاون النووي بالتطبيع السعودي مع إسرائيل، بينما تشير تقارير أخرى إلى تعقيدات بشأن صيغة الاتفاق النووي ومدى السماح بالتخصيب.
لذلك، من الأفضل إعلاميًا عدم القول إن “التطبيع مع إسرائيل شرط معلن لبيع F-35” ما لم يصدر نص رسمي يربط الأمرين بصورة مباشرة.
الأدق القول بأن :
هناك حزمة استراتيجية أميركية أوسع تشمل الدفاع والتعاون النووي والعلاقة السعودية الإسرائيلية، لكن الشروط التفصيلية الخاصة بـF-35 ليست كلها معلنة للرأي العام.
موافقة الكونغرس
وهذه نقطة مهمة جدًا.
موافقة وزارة الخارجية على الصفقة المحتملة ليست نهاية الطريق.
الصفقة خضعت للإخطار الكونغرس وفق إجراءات مبيعات الأسلحة الأميركية، ولذلك يظل للكونغرس دور رقابي ويمكن أن تظهر اعتراضات سياسية وأمنية خلال فترة المراجعة.
وهناك ملفات يمكن أن يستخدمها أعضاء الكونغرس في تقييم الصفقة، من بينها:
الأمن الإقليمي.
العلاقة مع إسرائيل.
حقوق الإنسان.
العلاقة مع الصين.
حماية التكنولوجيا الأميركية.
طبيعة استخدام الأسلحة الأميركية.
ولهذا فإن الموافقة التنفيذية لا تعني بالضرورة تسليم أول طائرة للسعودية في المدى القريب.
هل ستحصل السعودية على نفس قدرات الطائرات الإسرائيلية؟
الطائرات ستكون من التكوين التصديري القياسي مع قيود إضافية على البرمجيات والأسلحة وأنظمة الحرب الإلكترونية. إسرائيل تحتفظ بتفوق نوعي عبر التعديلات السيادية والخبرة العملياتية والوصول المحتمل إلى أسلحة متقدمة مثل AIM-260. هذا يحافظ على الالتزام القانوني الأميركي، لكنه يجعل الطائرات السعودية قوية جداً ضد إيران وتهديدات أخرى.
ما مدى خطورة تسرب التكنولوجيا إلى الصين، وهل يمكن تطبيق الضمانات؟
الخطورة حقيقية وفق تقييمات الاستخبارات الأميركية، خاصة مع وجود معدات صينية في البنية التحتية السعودية. الضمانات المقترحة (تقييد الوصول، إزالة هواوي/ZTE) قابلة للتنفيذ تقنياً لكنها تتطلب التزاماً سعودياً مستمراً ومراقبة أميركية. فشل تطبيقها قد يؤدي إلى تعليق الصفقة أو تأخيرها، كما حدث مع الإمارات.
هل التطبيع مع إسرائيل شرط ملزم أم ورقة تفاوض؟
هو شرط ضمني وليس نصا في العقد. القانون الأمريكي لا يشترط التطبيع، لكنه يشترط الحفاظ على QME. إسرائيل تستخدم QME كفيتو سياسي: إما أن تطبيع الرياض وتمنح إسرائيل ضمانات أمنية إضافية (ممرات جوية، تنسيق استخباراتي)، أو تطلب واشنطن تعويض إسرائيل بطائرات F-35 إضافية وصواريخ بعيدة المدى. التطبيع يجعل بيع نسخة منزوعة للسعودية مقبولا سياسيا في الكونغرس.
هل 24.3 مليار دولار سعر نهائي؟
هذا تقدير يشمل الطائرات والمحركات والدعم. التكلفة الحقيقية على 30 سنة تشغيل ستتجاوز 40 مليار مع التدريب والبنية التحتية المحصنة والصيانة. والأهم: السعودية لا تملك بنية تحتية لصيانة الشبحية (غرف طلاء RAM الخاصة). ستبقى مرتبطة بعقد دعم أمريكي طويل الأجل.
ماذا لو رفض الكونغرس؟
الكونغرس يملك 30 يوما لتمرير قرار رفض. تاريخيا، لم ينجح الرفض إلا نادرا، لكنه يؤخر ويفرض شروطا إضافية. السيناريو المرجح: الكونغرس لن يرفض، لكن سيفرض تعديلات:
حظر استخدام F-35 في اليمن بدون تنسيق، وتقرير نصف سنوي عن حماية التكنولوجيا من الصين.
هل يمكن أن تفتح الصفقة الباب أمام سباق تسلح جديد؟
هذا احتمال يحتاج إلى مراقبة، وليس نتيجة مؤكدة.
فإذا حصلت السعودية على F-35، فمن الطبيعي أن تراقب دول أخرى في المنطقة مستوى القدرات الجديدة التي تدخل إلى القوات الجوية السعودية.
وقد يدفع ذلك بعض الدول إلى المطالبة بأنظمة دفاع جوي أو مقاتلات أكثر تقدمًا.
لكن في المقابل، تستطيع واشنطن إدارة هذا التوازن من خلال سياسة مبيعات مختلفة لكل دولة، بحيث تحصل كل دولة على قدرات متقدمة دون نسخ كامل لقدرات دولة أخرى.
وهنا تعود القضية إلى التفوق الإسرائيلي النوعي باعتباره أحد المحددات الأساسية للسياسة الأميركية في مبيعات السلاح بالشرق الأوسط.
هل F-35 ستغير موازين القوى في الخليج؟
ستضيف بالتأكيد قدرة نوعية جديدة إلى القوة الجوية السعودية إذا اكتملت الصفقة ودخلت الطائرات الخدمة.
لكن التأثير الحقيقي لن تحدده الطائرة وحدها.
فالقوة الجوية الحديثة تعتمد على منظومة كاملة تشمل:
الطائرات ، التزود بالوقود ، الإنذار المبكر ، الدفاع الجوي ، الأقمار الصناعية ، الاستخبارات ، الحرب الإلكترونية ، التدريب ، القيادة والسيطرة.
وبالتالي فإن الأثر الاستراتيجي الحقيقي سيظهر مع اكتمال هذه المنظومة، وليس بمجرد وصول الطائرات.
هل الصفقة رسالة إلى إيران؟
بالتأكيد تحمل الصفقة بعدًا ردعيًا تجاه إيران، حتى وإن كانت واشنطن تقدمها رسميًا في إطار تعزيز الدفاع السعودي والاستقرار الإقليمي.
امتلاك السعودية قدرات جوية أكثر تطورًا يمكن أن يرفع تكلفة أي مواجهة عسكرية محتملة، ويعزز قدرات المملكة على حماية منشآتها ومجالها الجوي.
لكن لا ينبغي تفسير الصفقة باعتبارها استعدادًا أميركيًا أو سعوديًا لحرب جديدة؛ فالتسليح قد يكون جزءًا من سياسة الردع ومنع الحرب وليس بالضرورة مؤشرًا على قرار بخوضها.
ماهي البدائل المتاحة أمام السعودية في حال تعثرت الصفقة بسبب القيود السياسية الأمريكية؟
في حال تعثر الصفقة أو فرض شروط غير مقبولة، تمتلك الرياض بدائل تكتيكية واستراتيجية متعددة:
الخيار الأوروبي (Eurofighter Typhoon / Rafale): استكمال تحديث أسطول التايفون أو التوجه نحو شراء مقاتلات داسو رافال الفرنسية، والتي لا تخضع لرقابة الكونغرس الأمريكي ولا ترتبط بشرط التفوق الإسرائيلي.
الانضمام لمشاريع الجيل السادس: التوجه للاستثمار والشراكة في برنامج مقاتلة الجيل السادس العالمي (GCAP) الذي تقوده بريطانيا وإيطاليا واليابان، مما يضمن للرياض نقل التقنية وتوطين الصناعة دون شروط تقييدية حادة.
الخيار الصيني (FC-31 / J-35): المقاتلة الشبحية الصينية المخصصة للتصدير؛ ورغم أنها خيار مطروح، إلا أن اعتماده رسمياً سيعني تحولاً جذرياً في العقيدة العسكرية السعودية وقطعاً نهائياً لإمكانية الحصاة على السلاح الأمريكي المتقدم.
هل تشمل الصفقة مشاركة صناعية سعودية؟
لم يُعلن عن اتفاق تعويضات بعد. السعودية ستسعى إلى ذلك ضمن رؤية 2030 (تصنيع محلي أو صيانة)، لكن الولايات المتحدة تسيطر على البرمجيات الحساسة والمصدر، مما يحد من نقل التكنولوجيا الحقيقية.
ما الدوافع الأميركية وراء الموافقة الآن؟
تعزيز الحليف الرئيسي ضد إيران، منع انجراف السعودية أكثر نحو الصين وروسيا، دعم القاعدة الصناعية الدفاعية الأميركية، وتحقيق مكاسب. اقتصادية وسياسية لترامب. الصفقة جزء من حزمة أوسع بلغت مليارات الدولارات في 2025.
صفقة F-35 السعودية تكشف أن الولايات المتحدة لا تتعامل مع السلاح باعتباره سلعة تجارية فقط، وإنما باعتباره أداة لإعادة تشكيل التحالفات وموازين القوة.
فالرياض تحصل على قدرة جوية غير مسبوقة بالنسبة لدولة عربية، وواشنطن تحصل في المقابل على فرصة لتعميق الارتباط العسكري مع السعودية في مواجهة تمدد النفوذ الصيني، بينما تحاول في الوقت نفسه المحافظة على التفوق العسكري النوعي لإسرائيل.
لكن التحدي الحقيقي أمام واشنطن سيكون في المعادلة الدقيقة بين ثلاثة أهداف متعارضة ظاهريًا: منح السعودية قدرات عسكرية متقدمة، حماية التكنولوجيا الأميركية من التسرب، وعدم إضعاف التفوق الإسرائيلي في المنطقة.
أما الملف النووي والعلاقة مع إسرائيل والصين، فهي ملفات تقع داخل الصورة الاستراتيجية الأكبر للعلاقات الأميركية السعودية، لكن يجب عدم الخلط بينها وبين شروط تعاقدية معلنة للـF-35 لم تكشف واشنطن تفاصيلها كاملة.
وبذلك تصبح الصفقة أكبر من مجرد 48 مقاتلة؛ إنها اختبار جديد لقدرة الولايات المتحدة على إدارة توازنات الشرق الأوسط في الوقت الذي تتنافس فيه مع الصين على النفوذ، وتواجه فيه المنطقة تهديدات متصاعدة من إيران ووكلائها، فهل تنجح واشنطن في تسليح السعودية دون أن تعيد رسم ميزان القوى الإقليمي بصورة يصعب التحكم في نتائجها؟



