
فرنسا والعراق على خط أمن مضيق هرمز: شراكة استراتيجية أم حسابات طاقة وأمن؟
باريس وبغداد توقعان 6 مذكرات تفاهم وتتفقان على تعزيز التعاون العسكري وتطوير طرق بديلة لمضيق هرمز وسط تصاعد التوترات الإقليمية وارتفاع أسعار النفط،هل تتحول باريس وبغداد إلى طرفين فاعلين في إعادة رسم أمن الممرات الاستراتيجية؟
كتب أحمد سمير
في خطوة تعكس تحولاً استراتيجياً في السياسة الخارجية الفرنسية تجاه الشرق الأوسط، استقبل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي في قصر الإليزيه يومي 13- 14 سبتمبر 2026، في زيارة وصفتها باريس بأنها “محطة أولى” في جولة أوروبية للزيدي تشمل أيضاً برلين. هذه الزيارة، التي جاءت قبل أسبوعين فقط من الموعد النهائي لانسحاب ما تبقى من قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة من العراق في 30 سبتمبر 2026، تحمل دلالات استراتيجية عميقة تتجاوز البروتوكول الدبلوماسي التقليدي.
جاءت زيارة رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي لتفتح صفحة جديدة في التعاون الفرنسي-العراقي. لم تقتصر المباحثات مع الرئيس إيمانويل ماكرون على توقيع ست مذكرات تفاهم في الدفاع والطاقة والطيران والتعليم، بل امتدت إلى تأكيد مشترك على حرية الملاحة في المضيق، وتنويع طرق تصدير النفط، وتعزيز القدرات الدفاعية العراقية بعد انتهاء مهمة التحالف الدولي. هذه الخطوة ليست مجرد دبلوماسية روتينية؛ إنها تعكس محاولة أوروبية لاستعادة دور في أمن الطاقة، واستغلال عراقي للحظة حساسة لتقليل الاعتماد على ممر واحد أصبح رهينة للتوترات. في عالم تتداخل فيه المصالح الاقتصادية مع الحسابات الأمنية، يبدو أن باريس وبغداد تسعيان إلى صياغة توازن جديد، لكنه توازن محفوف بالأسئلة حول مدى فعاليته واستدامته.

باريس التي تتبنى نهجا مستقلا في سياستها الخارجية منذ حرب 1967 وغزو العراق 2003، ترى اليوم أن أي عملية عسكرية لإعادة فتح المضيق دون قرار من مجلس الأمن غير شرعية وغير عملية. وبغداد التي حذرت من أن أي تعطيل لتدفق النفط عبر هرمز قد يطلق أزمة طاقة كبرى، تجد نفسها المتضرر الأول، فأزمتها الاقتصادية ناجمة مباشرة عن إغلاق المضيق وحاجتها الماسة لمسارات بديلة لتصدير النفط. التقاء المصالح هذا هو ما أنتج البيان المشترك الأخطر منذ سنوات.
الأكثر أهمية أن باريس وبغداد طرحتا تنويع مسارات تصدير الطاقة، فيما شدد ماكرون على ضرورة إيجاد طرق بديلة لمضيق هرمز لتأمين إمدادات الطاقة.
وبالتالي، فإن المسألة تتجاوز مجرد تعاون ثنائي بين فرنسا والعراق؛ فهي ترتبط بإعادة بناء شبكة أوسع لأمن الطاقة والممرات التجارية، في لحظة أصبحت فيها قدرة المنطقة على تصدير النفط والغاز مرتبطة مباشرة بالتطورات العسكرية والسياسية.

ما الدوافع الجوهرية التي تدفع فرنسا إلى تعزيز حضورها الأمني في مضيق هرمز بالتعاون مع العراق تحديداً، في ظل الانسحاب الأميركي المرتقب؟
الدوافع الاستراتيجية الفرنسية: ما بعد الانسحاب الأميركي
تتقاطع الدوافع الفرنسية في هذه الشراكة مع العراق عند ثلاثة محاور رئيسية. الأول طاقي بحت: فرنسا، كغيرها من الدول الأوروبية، تعتمد بشكل حيوي على إمدادات الطاقة من منطقة الخليج، وأي اضطراب في مضيق هرمز يترجم فوراً إلى ارتفاع أسعار الوقود في المحطات الفرنسية. وقد ربط ماكرون هذا الأمر بشكل مباشر بالسياسة الداخلية عندما قال: “تأمين إمدادات الطاقة لدينا من خلال العمل على خفض التصعيد وتطوير طرق بديلة لمضيق هرمز سيخفف الضغط على أسعار الوقود”. هذا الربط بين الأمن الخارجي والقوة الشرائية للمواطن الفرنسي يكشف عن رؤية براغماتية لسياسة باريس الخارجية.
المحور الثاني استراتيجي عسكري: مع انسحاب التحالف الدولي من العراق، تسعى فرنسا إلى ترسيخ وجودها الثنائي مع بغداد لضمان عدم تفكك المنظومة الأمنية. وقد أكد ماكرون أن “تطوير التعاون الدفاعي والأمني مع العراق يعني مواصلة مكافحة الإرهاب معاً”، وهو ما يشير إلى رغبة باريس في الحفاظ على قاعدة عملياتها في المنطقة عبر قواتها المنتشرة في إطار عملية “شمال” لمكافحة الإرهاب منذ 2014. وتجدر الإشارة إلى أن فرنسا دفعت ثمناً دموياً في هذا السياق، إذ قُتل جندي فرنسي في هجوم بطائرات مسيرة على أربيل في كردستان العراق، مما يمنح باريس مصلحة ملموسة في تعزيز أمن المنطقة.
المحور الثالث جيوسياسي: يتعلق بمحاولة فرنسا لعب دور “توازن” في الشرق الأوسط، كما عبر ماكرون صراحة، وهو دور تريد باريس أن تملأ به الفراغ الذي يخلقه التراجع الأمريكي التدريجي عن المنطقة. ويبدو أن اختيار الزيدي لفرنسا كمحطة أولى في جولته الأوروبية كان بمثابة تأكيد عملي على قبول بغداد بهذا الدور الفرنسي.
ما هي المحركات الاقتصادية والاستراتيجية التي تدفع بغداد وباريس نحو التنسيق المباشر حول مضيق هرمز؟
الدوافع الاقتصادية والاستراتيجية للطرفين
بالنسبة للعراق: يعتبر مضيق هرمز المنفذ شبه الوحيد لصادرات النفط العراقي المنقولة بحراً عبر الخليج العربي. أي تعطل أو تهديد للملاحة في هذا الممر ينعكس فوراً على إيرادات الدولة المالية والاستقرار الداخلي. من هنا، يسعى العراق لتأمين غطاء دولي وإقليمي متعدد الأطراف يحمي شريانه الحيوي، ويقلل من ارتهانه للتجاذبات الحادة في المنطقة.
بالنسبة لفرنسا: تسعى باريس لتأمين إمدادات الطاقة لأوروبا، إلى جانب تثبيت حضورها الاستراتيجي في المياه الدافئة كقوة تعادل ولا تعتمد كلياً على المظلة الأمريكية. من خلال دعم التعاون مع العراق، تعمل فرنسا على إرساء “أمن دولي قائم على القوانين البحرية” وليس على سياسة الأحلاف المغلقة.
كيف يمكن أن يؤثر التعاون الدفاعي والطاقة بين البلدين على معادلة القوة في الخليج، خاصة مع وجود أطراف إقليمية ودولية أخرى؟
التعاون الدفاعي كرافعة للتأثير.
لم يقتصر الأمر على التصريحات السياسية. وقع الجانبان خريطة طريق استراتيجية لتسليح القوات العراقية بمعدات فرنسية، وخطاب نوايا مع شركة “هارماتان” للذكاء الاصطناعي حول منظومات دفاع جوي ذاتية التشغيل، مع إمكانية التوسع نحو المدفعية ومكافحة المسيّرات والمراقبة. هذا التعاون يأتي بعد انتهاء مهمة التحالف الدولي، ويمنح بغداد إطاراً ثنائياً يعزز سيطرتها على حدودها وسيادتها، بينما يتيح لباريس حضوراً أمنياً مستداماً دون الالتزامات الثقيلة للتحالفات متعددة الأطراف. في سياق أزمات المضيق، يمكن لهذا التعاون أن يسهم بشكل غير مباشر في استقرار المنطقة من خلال تقوية دولة عراقية قادرة على حماية مصالحها ومصالح شركائها، بدلاً من الاعتماد على قوات خارجية. غير أن التحدي يكمن في كيفية توازن هذا الدور مع وجود قوى أخرى لها مصالح راسخة في الخليج.

لماذا العراق وليس الخليج؟
فرنسا لا تبحث عن قاعدة عسكرية جديدة، بل عن شرعية سياسية. العراق هو الدولة الوحيدة التي تحتفظ بقنوات اتصال مع طهران وواشنطن وأوروبا في آن واحد. رسائل ماكرون كانت واضحة: تحييد العراق وعدم زجه في الصراع الدائر، والمطالبة بفتح هرمز فورا لضمان التجارة العالمية.
اختيار بغداد يمنح باريس غطاء القانون الدولي. البيان المشترك جدد الالتزام بالأمن البحري وحرية الملاحة باعتبارها مبدأ أساسيا في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وهو خطاب يختلف جذريا عن الخطاب الأمريكي الذي يركز على الردع بالقوة. فرنسا تقود عمليا مسار التخطيط الأمني، بينما تقود بريطانيا المسار الدبلوماسي، ضمن 4 مجموعات عمل تشمل الدفاع عن حرية الملاحة واتخاذ تدابير اقتصادية ضد إيران إذا ظل المضيق مغلقا.
ماذا يريد العراق؟
بغداد تخوض معركة وجودية على ثلاث جبهات. أولا، اقتصادياً: رئيس الوزراء أكد أن أزمة هرمز أثرت بشكل مباشر على قدرات العراق في تصدير النفط وحركة التجارة واستقرار موارد الدولة. ثانيا، أمنياً: مع اقتراب موعد انسحاب قوات التحالف الدولي، تريد بغداد تطوير قدراتها في حماية الحدود ودعم سيادتها على كامل أراضيها في إطار ثنائي يحترم السيادة.
لذلك تضمنت الاتفاقيات الست التي وقعت في باريس تزويد العراق بمعدات عسكرية فرنسية، وأنظمة دفاع جوي ومكافحة مسيرات ومدفعية ونقل عسكري، وهو ما يخدم هدف حكومة الزيدي المركزي: حصر السلاح بيد الدولة. ثالثا، سياسياً: إعادة تموضع العراق كشريك استراتيجي لأوروبا وليس مجرد ساحة نفوذ إيراني – أمريكي، عبر تفعيل اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الموقعة عام 2023 والتي صادقت عليها فرنسا وينتظر أن يصادق عليها العراق قريبا.
هل يمثل التركيز على تنويع طرق التصدير حلاً استراتيجياً طويل الأمد للعراق، أم مجرد رد فعل ظرفي على أزمة المضيق؟
تنويع طرق التصدير كاستراتيجية استباقية.
أدرك الجانبان أن الاعتماد المفرط على مضيق هرمز يشكل نقطة ضعف استراتيجية. لذا شددا على أهمية الترابط الإقليمي وتطوير طرق بديلة، وربط العراق بأوروبا. هذا التوجه يخدم العراق في تقليل تعرض اقتصاده لأي إغلاق أو اضطراب، ويخدم فرنسا في تأمين مصادر طاقة أكثر استقراراً وتنوعاً. شركة “توتال إنرجيز” دخلت على الخط بتفاهمات حول الغاز والكهرباء والنفط، مما يعزز البعد الاقتصادي للشراكة. لكن النجاح يتطلب استثمارات ضخمة في البنية التحتية وخطوط الأنابيب والموانئ البديلة، بالإضافة إلى توافق إقليمي أوسع قد لا يكون مضموناً في ظل التوترات الحالية.
هل يمكن للعراق أن يتحول إلى محور بديل في خريطة الطاقة؟
نظريًا، يمتلك العراق مقومات تؤهله لذلك، لكنه يواجه في الوقت نفسه تحديات كبيرة.
العراق يمتلك احتياطيات وإنتاجًا نفطيًا ضخمًا وموقعًا جغرافيًا يسمح بربط الخليج بتركيا والبحر المتوسط، لكن تحويل هذه المزايا إلى شبكة تصدير بديلة يحتاج إلى استثمارات ضخمة واستقرار أمني وسياسي وبنية تحتية قادرة على التعامل مع كميات كبيرة من الطاقة.
ولهذا فإن التعاون مع فرنسا يمكن أن يأخذ أهمية أكبر إذا تحول من اتفاقات سياسية إلى مشروعات فعلية في الطاقة والنقل والبنية التحتية.

هل تحمل الشراكة الفرنسية ـ العراقية رسالة إلى الولايات المتحدة وإيران؟
يمكن قراءة التحرك في سياق أوسع، لكن من المهم عدم اختزاله في كونه رسالة موجهة إلى طرف واحد.
باريس تؤكد رسميًا دعمها للحلول الدبلوماسية واحترام السيادة وعدم التدخل، بينما تؤكد بغداد كذلك سياسة تقوم على الحوار والتوازن.
لكن تعزيز التعاون الدفاعي والطاقة بين باريس وبغداد، بالتزامن مع البحث عن طرق بديلة لهرمز، يعني عمليًا أن بعض الدول بدأت التفكير في تقليل تعرضها للاضطرابات الجيوسياسية بدل انتظار انتهاء الأزمة.
وهذه نقطة شديدة الأهمية؛ لأنها تعني أن تداعيات الصراع قد تستمر حتى بعد تراجع العمليات العسكرية، من خلال إعادة تشكيل طرق التجارة والطاقة.
كيف يمكن تفسير إصرار ماكرون على طرح “طرق بديلة” لمضيق هرمز بدلاً من الاكتفاء بالحديث عن تأمين الملاحة عبره مباشرة؟
لغز “الطرق البديلة”: ما وراء الخطاب المعلن
يستحق طرح ماكرون المتكرر لـ”طرق بديلة” عن مضيق هرمز تحليلاً أعمق. فمن الناحية التقنية، لا توجد حالياً بدائل فعلية قادرة على استيعاب الحجم الهائل من النفط الذي يمر عبر هرمز. لكن الطرح الفرنسي يحمل في طياته عدة رسائل استراتيجية. أولاً، هو اعتراف ضمني بأن باريس لا ترى إمكانية لتأمين الملاحة عبر هرمز في المدى القصير، وأن استراتيجية “الاحتواء” قد تكون أكثر واقعية من استراتيجية “المواجهة”. ثانياً، يشير الحديث عن الطرق البديلة إلى خطط محتملة لاستخدام خطوط أنابيب النفط العراقية الممتدة نحو تركيا أو الأردن، أو حتى نحو موانئ البحر المتوسط، وهو ما ينسجم مع الاتفاق على تعزيز “الربط الإقليمي وتنويع مسارات التصدير وسلاسل الإمداد”.
ثالثاً، وقد يكون هذا الأهم، أن “الطرق البديلة” تمثل استراتيجية طويلة المدى لتقليص قدرة إيران على استخدام هرمز كورقة ضغط. فإذا نجحت جهود تطوير مسارات تصدير بعيدة عن المضيق، فإن ذلك سيُضعف القبضة الإيرانية على أحد أهم نقاط الخنق الاقتصادي في العالم. ومن هنا يمكن فهم الإشارة العراقية إلى أن “مصلحة أوروبا في استقرار العراق تتصل بمصالحها الاقتصادية والأمنية”، في إشارة واضحة إلى أن استقرار العراق وتنويع مسارات طاقته يصب في صميم المصالح الأوروبية.
نحن أمام مهمة بحرية عسكرية أوروبية جديدة في هرمز، أم مسار دبلوماسي بديل عن التصعيد الأمريكي؟
مهمة عسكرية أم هندسة دبلوماسية؟
ما يحدث ليس نشر فرقاطات فرنسية جديدة فقط. فرنسا سبق أن قادت مهمة بحرية أوروبية في هرمز تحسبا للاستفزازات الإيرانية، لكن النموذج الجديد مختلف. ماكرون صرح بوضوح أن تأمين إمدادات الطاقة يتطلب تطوير مسارات بديلة لمضيق هرمز لتخفيف الضغط على أسعار الوقود.
التحرك الفرنسي – العراقي هو مزيج من الردع الناعم والبديل الاقتصادي. الجانب الدفاعي موجود عبر اتفاقيات التسليح، لكن الجوهر هو الدبلوماسية الوقائية: التأكيد على أن مهام فرنسا في المنطقة ذات طبيعة دفاعية وتتم بالتشاور مع الدول الإقليمية. باريس لا تريد حربا لفتح المضيق، بل تريد تفريغ سلاح إغلاقه من قيمته.
ما التأثير المحتمل على أوروبا إذا استمرت أزمة هرمز؟:
استمرار اضطراب الملاحة يمكن أن يفرض ضغوطًا متعددة على أوروبا: ارتفاع تكاليف الطاقة، زيادة تكاليف النقل والتأمين، واحتمال انتقال آثار ارتفاع أسعار النفط إلى التضخم.
لذلك فإن اهتمام فرنسا بتأمين بدائل لا يرتبط فقط بمصالحها الوطنية، بل يتصل أيضًا بأمن الطاقة الأوروبي.
وهنا تتحول أزمة هرمز من أزمة جغرافية في الخليج إلى اختبار لقدرة أوروبا على بناء منظومة مستقلة نسبيًا لإدارة مخاطر الطاقة.
ما الإمكانيات العملية والقدرات الفعلية التي يمكن للعراق أن يقدمها في إطار تعاون أمني بحري مع فرنسا، وهو بلد شبه منزوع من القدرات البحرية؟
القدرات العراقية: إمكانيات محدودة وأهمية جيوسياسية كبيرة
يثير التعاون الفرنسي-العراقي في مجال أمن هرمز تساؤلاً جوهرياً: ما الذي يمكن للعراق، وهو بلد ذو قدرات بحرية محدودة للغاية، أن يقدمه في هذا الإطار؟ الجواب يكمن في أن قيمة العراق في هذه المعادلة ليست عسكرية بحرية، بل جيوسياسية ولوجستية. فالعراق يتمتع بحدود بحرية ضيقة على الخليج لا تتجاوز 58 كيلومتراً، لكنه يمتلك موقعاً استراتيجياً فريداً كدولة عربية شيعية ذات نفوذ إقليمي معقد. وجوده في أي ترتيب أمني إقليمي يمنحه شرعية سياسية لا يمكن تجاهلها.
علاوة على ذلك، يعاني العراق نفسه بشكل مباشر من أزمة هرمز. فقد صرح رئيس الوزراء العراقي بأن “أزمة مضيق هرمز أثرت بشكل مباشر على قدرات العراق في تصدير النفط وحركة التجارة واستقرار موارد الدولة”. هذا يعني أن العراق لديه مصلحة ذاتية في استقرار المضيق، مما يجعله شريكاً طبيعياً في أي ترتيب أمني. كما أن الاتفاق على اعتماد “خريطة طريق استراتيجية” لمشتريات الجيش العراقي من الأسلحة الفرنسية، بما في ذلك منظومات الدفاع الجوي الذاتية التشغيل من شركة “HARMATTAN AI” الفرنسية، يشير إلى أن التعاون يتجاوز البعد البحري الضيق ليشمل بناء قدرات عسكرية شاملة.
هل تمثل هذه الخطوة بداية تحول استراتيجي في ميزان القوى الإقليمي، أم أنها مجرد ترتيب مؤقت لملء الفراغ الذي سيتركه الانسحاب الأمريكي؟
الأبعاد الاقتصادية: النفط والغاز في قلب المعادلة
لم يقتصر التعاون الفرنسي-العراقي على الجانب الأمني، بل امتد ليشمل قطاع الطاقة بشكل جوهري. فقد وقعت الحكومة العراقية وشركة “توتال إنرجيز” الفرنسية إعلان نوايا لإطلاق مشاريع طاقة واسعة النطاق تشمل الكهرباء والنفط، بهدف زيادة إنتاج العراق من النفط وتعزيز كفاءة استخدام الطاقة. وكشف الرئيس التنفيذي للشركة عن رغبة في زيادة استثماراتها في العراق من 12 مليار دولار إلى “16 مليار دولار مستقبلاً”.
هذه الاستثمارات الضخمة تمنح فرنسا نفوذاً اقتصادياً كبيراً في العراق، وتخلق مصلحة مشتركة في استقرار البلاد وأمن ممرات التصدير. لكنها في الوقت ذاته تضع باريس في موقع حساس، إذ ستصبح أهدافاً محتملة للفصائل المسلحة الموالية لإيران إذا ما تصاعدت التوترات. وقد شهد العراق بالفعل قصفاً متكرراً للمنشآت الأمريكية منذ اندلاع الحرب على إيران في نهاية فبراير 2026، في ضربات تبنتها فصائل موالية لإيران. فهل ستكون المنشآت الفرنسية، بما فيها استثمارات “توتال إنرجيز”، عرضة لخطر مماثل؟
فى نهاية الأمر قد تشكل الشراكة الفرنسية-العراقية الجديدة محاولة طموحة لإعادة تشكيل خريطة الأمن في مضيق هرمز في مرحلة ما بعد الانسحاب الأمريكي. وهي تعكس رؤية فرنسية براغماتية تقوم على ربط الأمن القومي الفرنسي – ببعديه الطاقي والاقتصادي – بالاستقرار الإقليمي، واستخدام العلاقات الثنائية مع العراق كجسر لبناء ترتيبات أمنية أكثر استدامة. لكن هذه الاستراتيجية محفوفة بالمخاطر: فمن جهة، قد لا تمتلك فرنسا القدرات العسكرية الكافية لفرض نظام أمني في منطقة تبعد عنها آلاف الكيلومترات وتمتلك فيها إيران نفوذاً عميقاً. ومن جهة أخرى، فإن الاعتماد على شريك واحد – العراق – في ترتيب أمني معقد قد لا يكون كافياً لتحقيق الأهداف المرجوة.
الأكيد أن السنوات القادمة ستكشف ما إذا كانت هذه الشراكة ستنجح في تحقيق توازن دقيق بين حماية المصالح الغربية، واحترام السيادة العراقية، وتجنب التصعيد مع إيران. وفي خضم هذا التحول الاستراتيجي، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً معلقاً: هل تستطيع فرنسا والعراق، بتحالفهما الجديد، رسم ملامح نظام أمني مستدام في مضيق هرمز، أم أنهما يضعان الأساس لمرحلة جديدة من التنافس الإقليمي المفتوح؟



