مضيق هرمز يدخل أسبوعاً حاسماً
عودة أقساط المخاطر الجيوسياسية والنفط يتأرجح بحثاً عن اتجاه
البرلمان الإيراني يُقر بالإجماع خطة استراتيجية للسيطرة على المضيق، والولايات المتحدة تواصل نهج “شبه التفاوض”، والسوق النفطية تتقلب بين توقعات انقطاع الإمدادات وضغوط المخزونات الفعلية.
كتب : أحمد سمير
تدخل أسواق النفط مرحلة شديدة الحساسية، إذ لم تعد حركة الأسعار مرتبطة فقط بمعادلة العرض والطلب التقليدية، وإنما أصبحت رهينة مباشرة لمسار التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، ومستقبل الملاحة عبر مضيق هرمز، ومع بداية تعاملات الاثنين 10 أغسطس، ارتفعت أسعار النفط وسط استمرار الغموض بشأن إمكانية التوصل إلى ترتيبات تضمن إعادة فتح المضيق أمام حركة الشحن، في وقت تتضارب فيه الإشارات بشأن المفاوضات.
في الأيام الأخيرة، ارتفع خام برنت بنحو 1% ليتداول قرب 84.5 دولار للبرميل، بينما صعد خام غرب تكساس الوسيط إلى حوالي 78.8 دولار، مستعيداً جزءاً من الخسائر التي سجلها الأسبوع الماضي وسط آمال سابقة بقرب التوصل إلى ترتيبات لإعادة فتح المضيق، هذا السلوك السعري يعكس سوقاً أصبحت حساسة للغاية لأي إشارة دبلوماسية أو أمنية، بعد أشهر من الاضطرابات التي بدأت مع تصاعد التوترات في مطلع 2026 وأدت إلى تعطيل كبير في حركة الناقلات.
مع استمرار الضبابية بشأن إعادة فتح المضيق، ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت إلى مستويات 84.79 دولار، بينما تماسك غرب تكساس فوق 79 دولاراً، وفي تداولات أخرى استقر برنت عند 83.27 دولار وغرب تكساس عند 77.79 دولار مع ميل صاعد واضح. الارتفاع الأخير جاء مدفوعاً باستمرار حالة الضبابية بشأن إعادة فتح مضيق هرمز بعد إعلان إيران أن اتفاقها مع سلطنة عمان بشأن ممرات ملاحية جديدة في مراحله النهائية. نحن أمام سوق لا يخاف من نقص النفط اليوم، بل يخاف من عدم وصوله غداً.
فخلال عطلة نهاية الأسبوع، لم تفلح المفاوضات بين إيران وسلطنة عمان في التوصل إلى اتفاق بشأن إعادة فتح الملاحة في المضيق. وفي الوقت ذاته، صادقت لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني بالإجماع على الإطار العام لـ”خطة العمل الاستراتيجي لضمان أمن وتطوير مضيق هرمز”،وقال الناطق باسم الحرس الثوري الإيراني، العميد محمد مخبر، بوضوح: “الاستراتيجية الإيرانية الراهنة تقوم على الاحتفاظ بالسيطرة الكاملة على مضيق هرمز، ولن يُرفع الحظر إلا بعد قبول العدو بجميع الشروط الإيرانية والاعتراف بهزيمته”.
لماذا تتحرك أسعار النفط في نطاق متذبذب مع ميل للارتفاع رغم بعض الإشارات الدبلوماسية الإيجابية؟
يعود التذبذب إلى التضارب المستمر بين الإشارات. من جهة، أعلنت إيران أن المحادثات مع سلطنة عمان بشأن تحديد ممرات ملاحية جديدة في مضيق هرمز دخلت مراحلها النهائية، ما أثار آمالاً مؤقتة بانخفاض الأسعار الأسبوع الماضي بأكثر من 7%. ومن جهة أخرى، أكدت طهران أن أي اتفاق لن يؤدي إلى إعادة فتح فورية للمضيق ما لم تستجب الولايات المتحدة لشروط إضافية، أبرزها التعويض عن الأضرار ورفع الحصار البحري وإنهاء ما تعتبره انتهاكات لاتفاق مؤقت سابق.
هذا الوضع يجعل السوق في حالة «ترقب مشروط». المتداولون يرفضون تفكيك علاوة المخاطر الجيوسياسية بالكامل قبل رؤية أدلة ملموسة مثل حركة ناقلات مؤكدة أو اتفاق رسمي مكتمل. في الوقت نفسه، تستمر حوادث متفرقة، مثل الهجمات على منشآت نفطية سعودية أو استهداف سفن، مما يعيد ضخ علاوة المخاطر ويدفع الأسعار إلى الأعلى. النتيجة هي نطاق تداول متذبذب يميل إلى الصعود كلما ظهرت عقبات جديدة أمام التسوية.
لماذا يتمسك النفط بالمنطقة الخضراء رغم التذبذب اليومي؟
لأن علاوة المخاطر الجيوسياسية حلت محل أساسيات السوق. المضيق الذي ينقل نحو خُمس إمدادات النفط العالمية أصبح نقطة الضغط المحورية في الحرب، وأي طلقة تحذيرية أو احتجاز لناقلة يعيد تسعير المخاطر فوراً.
هناك ثلاثة عوامل تبقي الميل صاعداً:
أولاً، ارتفاع تكاليف التأمين البحري ورسوم الشحن، وهو ما رصده محللون عندما سجل برنت ارتفاعاً 3% ليقترب من 78 دولاراً مع ترقب قدرة السفن على العبور بأمان.
ثانياً، ضعف التدفقات الفعلية عبر هرمز وباب المندب، رغم بعض التحركات المحدودة، ما يبقي المعروض شحيحاً في السوق الفورية.
ثالثاً، تعلم السوق من درس يونيو: حتى مع الثقة في القوة العسكرية الأمريكية لمنع الإغلاق طويلاً، فإن أي إغلاق ولو لأيام يرفع الأسعار بعنف.
هل تمّ التوصل إلى اتفاق بشأن مضيق هرمز فعلاً؟ ولماذا تتناقض التصريحات الرسمية بهذا الشكل؟
شهد الأسبوع الماضي حالةً من الفوضى المعلوماتية حول مضيق هرمز، حيث بدت التصريحات الرسمية وكأنها حرب معلومات بامتياز، تاركةً المتعاملين في السوق حائرين بين الروايات المتناقضة.
فمن ناحية، أحرزت إيران وسلطنة عمان تقدماً على المستوى الفني. فقد صرّح المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، في الخامس من أغسطس، بأن طهران ومسقط أجرتا خلال الشهرين الماضيين مفاوضات حول ترتيبات مسارات الملاحة الآمنة للسفن التجارية، وتمكّنا من الاتفاق على الإحداثيات الجغرافية للمسار الجديد المقترح، وأن البيان المشترك بين البلدين دخل مراحل الصياغة النهائية. وهذا ما من شأنه أن يوحي بوجود بوادر إيجابية.
لكن بقائي شدد في الوقت نفسه على شرط أساسي لا يمكن تجاوزه، وهو أن أي اتفاق مع سلطنة عمان “لا يعني استعادة الملاحة الآمنة في مضيق هرمز”. إذ يعود إغلاق المضيق بالأساس إلى العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران، واستمرار الحصار البحري الأمريكي وغيره من “الإجراءات التهديدية”. وبالتالي، لم يطرأ أي تحسن جوهري على الوضع الأمني في المضيق. بمعنى آخر، فإن الاتفاق الإيراني-العماني هو مجرد تنسيق فني للممرات البحرية، بينما تبقى العقبة السياسية الكأداء -ألا وهي الجمود في الموقف الأمريكي-الإيراني- قائمة دون أي تغيير يُذكر.
والأكثر إرباكاً هو التباين العلني بين الطرفين حول حقيقة وجود مفاوضات أم لا. ففي الثالث من أغسطس، أعلن ترامب أن المحادثات مع إيران جارية، وأن مرحلتها الأولى تتعلق بفتح مضيق هرمز، والثانية بـ”نزع السلاح النووي”. بيد أن بقائي نفى ذلك في اليوم ذاته، مؤكداً أنه “لم يتم استقبال أي وفد إيراني أو إرساله خلال هذه الأيام”، وأن إيران لا تخوض أي مفاوضات مع الولايات المتحدة حالياً. وفي التاسع من أغسطس، عاد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ليوضح مجدداً: “لا توجد مفاوضات بين إيران وأمريكا حالياً، ولن تتوفر شروط استئنافها قبل أن تعوض واشنطن انتهاكاتها السابقة للالتزامات”.
هذا التناقض الغريب بين “واشنطن تقول إنها تتفاوض وطهران تقول العكس”، يعكس في جوهره خلافاً جذرياً حول شروط البدء: فإيران تطلب رفع الحظر وإلغاء العقوبات أولاً وتعويض أضرار الحرب، بينما تريد أمريكا أن تفتح طهران المضيق أولاً على أن يُناقش الباقي لاحقاً. إنها أزمة “الدجاجة والبيضة” بامتياز.
وما صادق عليه البرلمان الإيراني بالإجماع في التاسع من أغسطس من خطة استراتيجية للمضيق، لم يفع سوى تقنين هذا الموقف المتصلب، إذ تحظر الخطة عبور السفن الأمريكية والإسرائيلية (والسفن التابعة للدول المعادية) عبر المضيق، وتفرض غرامات تصل إلى 20% من قيمة البضائع على المخالفين.
الخلاصة: لا يوجد حالياً سوى تفاوض فني إيراني-عماني حول المسارات البحرية، أما التفاوض السياسي المباشر بين واشنطن وطهران فلا يزال عالقاً في عقدة “من يبادر أولاً”. ولا يوجد أي أفق قريب لكسر هذا الجمود.
إلى أي مدى تشكل المحادثات الأمريكية – الإيرانية عامل حسم حقيقي؟
المحادثات هي صمام الأمان الوحيد الآن، لكنها هشة ومشروطة.
واشنطن قدمت تنازلاً تكتيكياً كبيراً: سمحت ببيع النفط الإيراني وتخفيف عقوبات قائمة منذ عقود، عبر ترخيص عام من وزارة الخزانة يتيح إنتاج وتسليم وبيع الخام الإيراني حتى 21 أغسطس. وزير الخزانة سكوت بيسنت ربط ذلك بتعهد إيراني بالحفاظ على حرية الملاحة والسماح لمفتشي الطاقة الذرية بالدخول.
في المقابل، تقول طهران إن اتفاقاً متعلقاً بمضيق هرمز بينها وبين مسقط بات في مراحله النهائية، ومسؤول أمريكي أكد أن تقدماً يُحرز واتفاقاً قريباً متوقعاً. لكن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي نفسه يصر على أنه لا محادثات مباشرة ما دامت واشنطن تنتهك الاتفاق المؤقت المبرم في يونيو. إذن نحن أمام مسارين متوازيين: مسار عُماني فني لتقسيم الممرات، ومسار.
ما هي الأوضاع الفعلية في مضيق هرمز حالياً؟ وما مدى تأثيرها على إمدادات النفط العالمية؟
إذا كانت الإشارات السياسية غامضة، فإن الوقائع الملموسة على مياه مضيق هرمز قاتلة وضوحاً وصدمة.
أعداد السفن العابرة انهارت إلى أرقام فردية. فوفقاً لبيانات شركة “كبلر” (Kpler)، لم يتجاوز عدد السفن العابرة للمضيق في الثاني من أغسطس 8 سفن فقط، وفي الأول من أغسطس 11 سفينة، بينما كان المعدل الطبيعي قبل الأزمة يتجاوز 100 سفينة يومياً. وفي الفترة من 6 إلى 8 أغسطس، لم ترافق السفن الأمريكية سوى 40 سفينة فقط، في حين كان متوسط العبور اليومي لعام 2025 يبلغ نحو 138 سفينة. وفي الثامن من أغسطس، لم يمر عبر المضيق سوى 8 سفن بضائع وناقلتي نفط فقط.
الأوضاع الأمنية في تدهور مستمر. أوضح التقييم الأخير لمركز المعلومات البحرية المشتركة (JMIC) أن عدد الحوادث الأمنية المؤكدة منذ الأول من مارس بلغ 84 حادثة، محذراً من أن “الهجمات العدائية المتعمدة” تعتبر “محتملة جداً” في الأيام المقبلة. وفي الثامن من أغسطس، تعرضت ناقلة تابعة لشركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك) لهجوم في المضيق، كما أعلنت جماعة الحوثي اليمنية استهداف مصفاة سعودية قرب البحر الأحمر.
التهديدات تجاوزت المضيق إلى خارجه. يرى المحللون أن التهديدات التي تواجه ناقلات النفط في الشرق الأوسط بلغت أعلى مستوياتها منذ حرب إيران. وأدى إغلاق مضيق هرمز بالتزامن مع استهداف الملاحة في البحر الأحمر إلى تكدس الأزمات بعضها فوق بعض، معبراً عن ذلك الاتحاد الدولي لأصحاب الناقلات المستقلة بقوله إن القطاع “يواجه وضعاً أمنياً آخذاً في الاتساع والتدهور والتعقيد”.
وآثار ذلك على إمدادات النفط العالمية عميقة وخطيرة. فقبل الأزمة، كان نحو 20% من النفط والغاز في العالم يمر عبر مضيق هرمز. واليوم، مع انسداد هذا الشريان الرئيسي، تتعرض سلاسل الإمداد العالمية لضغوط هائلة. وقد علق ماثيو رايت، المحلل في “كبلر”، بالقول: “من حيث التهديدات التي تواجه تجارة النفط الخام، فإننا نعيش أسوأ فترة منذ بداية هذه الأزمة”.
الخلاصة: الوضع الميداني في مضيق هرمز أكثر خطورة بكثير من الخطب السياسية. فقد هوى حجم العبور إلى ما دون 10% من معدله الطبيعي، وتتصاعد الحوادث الأمنية، وتمتد رقعة التهديدات. وما لم يتغير هذا الواقع، فإن خطر انقطاع الإمدادات سيظل يخيم على السوق النفطية العالمية.
هل يمكن أن يؤدي نجاح المفاوضات إلى هبوط سريع في أسعار النفط؟
نعم، ولكن الهبوط لن يكون بالضرورة مستدامًا أو فوريًا.
إذا تم التوصل إلى اتفاق واضح وقابل للتنفيذ يضمن أمن الملاحة، فإن أول رد فعل للسوق سيكون تقليص علاوة المخاطر الجيوسياسية، وهو ما قد يضغط على أسعار الخام.
لكن المشكلة تكمن في أن الاتفاق السياسي شيء، وعودة التدفقات النفطية والتجارية إلى مستوياتها الطبيعية شيء آخر.
فحتى في حال التوصل إلى تفاهم، تحتاج شركات الشحن إلى التأكد من سلامة الممرات، كما تحتاج شركات التأمين إلى إعادة تقييم مخاطرها، بينما تحتاج الناقلات إلى العودة تدريجيًا إلى خطوط الملاحة.
ولهذا تشير تحليلات حديثة إلى أن فتح المضيق بسرعة وأمان سيكون عاملًا ضاغطًا على أسعار النفط، لكن استعادة الإنتاج والتصدير قد تستغرق وقتًا أطول.
4. وماذا لو فشلت المحادثات؟
هنا يصبح السيناريو أكثر خطورة.
فشل المفاوضات لا يعني بالضرورة اندلاع مواجهة شاملة، لكنه يعني استمرار حالة عدم اليقين، وربما ارتفاع تكلفة التأمين والنقل وتراجع عدد السفن المستعدة للمخاطرة بالعبور.
وهذا السيناريو يمكن أن يبقي أسعار النفط تحت ضغط صعودي، خصوصًا إذا تزامن مع أي حادث أمني جديد ضد سفينة أو منشأة طاقة.
والأسواق أثبتت خلال الأشهر الماضية أنها شديدة الحساسية تجاه الأخبار المتعلقة بالمفاوضات؛ فقد أدت آمال سابقة بحدوث انفراج أمريكي–إيراني إلى هبوط حاد في أسعار الخام، قبل أن تعود المخاطر الجيوسياسية للظهور من جديد.
هل تستطيع الأسواق تعويض اضطراب هرمز بمصادر ومسارات بديلة؟
يمكن تعويض جزء من التدفقات، لكن ليس بسهولة ولا بسرعة.
هناك خطوط أنابيب ومسارات بديلة ومخزونات استراتيجية، إلا أن الطاقة الاستيعابية لهذه البدائل محدودة مقارنة بحجم التدفقات التي تمر عادة عبر منطقة الخليج.
كما أن تحويل مسارات السفن يضيف أيامًا إلى الرحلات ويرفع استهلاك الوقود وتكاليف التأمين والشحن.
ولهذا فإن البدائل تستطيع تخفيف الصدمة، لكنها لا تلغيها.
ما الذي يجب أن تراقبه الأسواق خلال الساعات والأيام المقبلة؟
هناك خمسة مؤشرات ستكون حاسمة:
نتائج الاتصالات والمفاوضات المتعلقة بإيران.
أي إعلان رسمي بشأن ترتيبات الملاحة في مضيق هرمز.
حركة ناقلات النفط فعليًا عبر المضيق، وليس التصريحات فقط.
أي حادث أمني جديد يستهدف سفنًا أو منشآت طاقة.
رد فعل شركات الشحن والتأمين على أي اتفاق جديد.
والنقطة الأهم أن السوق بدأ يتعلم عدم الاكتفاء بالعناوين السياسية؛ فالتصريحات الإيجابية قد تدفع الأسعار للهبوط، لكن استمرار انخفاضها يحتاج إلى دليل ميداني على عودة حركة الطاقة.
أين تتجه أسعار النفط في المرحلة القادمة؟ وهل أقساط المخاطر الجيوسياسية قابلة للاستمرار؟
مسار أسعار النفط راهناً هو في جوهره صراع بين أقساط المخاطر الجيوسياسية من جهة، ووقائع العرض والطلب الأساسية من جهة أخرى.
على الصعيد الجيوسياسي، تتزايد العوامل الداعمة للأسعار. وكما يقول هاريش خورشيد، كبير مسؤولي الاستثمار في “كاروبال كابيتال”: “ما دامت السوق تسعّر احتمال انقطاع الإمدادات، وليس تحقيق الاستقرار، فإن المعنويات ستظل صاعدة. ولن تتبدد أقساط المخاطر الجيوسياسية قبل عودة التدفقات النفطية الفعلية إلى طبيعتها”. وتجمع تقديرات عدة مؤسسات على أن المخاطر الجيوسياسية ستوفر أرضية صلبة للأسعار ما دامت الحركة الفعلية للناقلات معطلة.
وفي هذا السياق، توقع بنك غولدمان ساكس في تقرير صادر في الرابع من أغسطس أن يتحرك خام برنت في نطاق يتراوح بين 80 و90 دولاراً للبرميل قبل حلول المحطة التالية -سواء كانت اتفاقاً جديداً أو تصعيداً كبيراً في الصراع- معتمدةً هذا النطاق كمرجع أساسي لتوقعاتها للنصف الثاني من العام.
لكن على صعيد الأساسيات، هناك عوامل كابحة لا يمكن تجاهلها. أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA) للأسبوع المنتهي في 31 يوليو ارتفاع مخزونات النفط الخام الأمريكية بمقدار 2.479 مليون برميل، مخالفةً بذلك توقعات السوق التي كانت ترجح انخفاضاً. كما تراجع الاحتياطي البترولي الاستراتيجي إلى 304.8 مليون برميل، وهو أدنى مستوى له منذ عام 1983. وفي الوقت نفسه، أكد تحالف “أوبك+” زيادة سقف الإنتاج بـ188 ألف برميل يومياً اعتباراً من أغسطس. ويحذّر المحللون من أن تقلبات أسعار النفط في أغسطس مرتفعة، داعين إلى متابعة دقيقة للمفاوضات الأمريكية-الإيرانية وتوقعات الملاحة في المضيق وبيانات المخزونات.
والأكثر حساسية هو أنه إذا ما أعيد فتح مضيق هرمز فعلياً، فقد يتحول تركيز السوق فجأة من “انقطاع الإمدادات” إلى “وفرة المعروض”. ويقدر بعض المحللين أنه في حال توقفت الحرب، قد ينزل خام غرب تكساس الوسيط إلى نحو 67 دولاراً للبرميل.
في المدى القصير، وطالما بقي مضيق هرمز مغلقاً، فلن تختفي أقساط المخاطر الجيوسياسية. لكن الصعود محدود بفعل ضغوط المخزونات وزيادة إنتاج “أوبك+”. وتبقى منطقة 80-90 دولاراً للبرميل السيناريو الأكثر ترجيحاً في الأفق المنظور.
ما السيناريوهات السعرية المتوقعة على المدى القصير والمتوسط؟
السيناريو الأول، التهدئة الكاملة: إذا نجحت وساطة عمان وسمحت واشنطن بمرور آمن مقابل التزامات نووية، سيهبط برنت سريعاً نحو 75 – 79 دولاراً كما حدث عند ظهور إشارات التقدم.
السيناريو الثاني، وهو الأرجح حالياً، الجمود التفاوضي: يبقى برنت في نطاق 82 – 86 دولاراً، يرتفع مع كل تصريح متشدد وينخفض مع كل تسريب إيجابي. هذا هو التذبذب بميل للارتفاع الذي نراه اليوم.
السيناريو الثالث، التصعيد وإغلاق فعلي: هنا تخرج التوقعات عن السيطرة. وكالة فيتش حذرت أنه في حال استمرار إغلاق مضيق هرمز فعلياً لمدة 6 أشهر، فقد يصل متوسط سعر خام برنت إلى 120 دولاراً للبرميل هذا العام، وهو سيناريو سيعيد التضخم العالمي إلى الواجهة ويضرب اقتصادات مستوردة مثل مصر بقوة.
وفى نهاية الأمرتتصاعد لعبة الشطرنج في مضيق هرمز لتصل إلى منعطف دقيق للغاية. فمن جهة، صادق البرلمان الإيراني بالإجماع على خطة استراتيجية تُقنن المواقف المتصلبة، ويصر الحرس الثوري على أن “المقاومة مستمرة ولا نهاية لها”. ومن جهة أخرى، يختار ترامب نهج “التعامل الهادئ” معتبراً الملف مجرد “رقعة شطرنج”. كلا الطرفين ينتظر أن يرمش الآخر أولاً.
لكن صبر الأسواق محدود، فقد انخفض عدد السفن العابرة إلى أرقام فردية، وسجّلت 84 حادثة أمنية خطورة هذا الممر المائي، وما زال 20% من إمدادات النفط العالمية معلقاً في مهب الريح. تتأرجح الأسعار حول 80 دولاراً، مسعّرةً واقع الحال، وراهنةً في الوقت ذاته على ما سيحمله الغد.
فإذا لم يجد الطرفان مخرجاً وسطياً بشأن شروط رفع الحظر وإلغاء العقوبات وتعويضات الحرب، فقد تواصل الأسعار صعودها، وأما إذا طرأ اختراق تفاوضي، فإن التلاشي السريع لأقساط المخاطر الجيوسياسية قد يُحدث انهياراً حاداً في الأسعار.
ويبقى السؤال الأخير مفتوحاً أمام القارئ والمحلل على السواء: في ظل إقرار البرلمان الإيراني بالإجماع لخطة استراتيجية للمضيق، وإصرار الحرس الثوري على أن “المقاومة لا نهاية لها”، هل يتبقى أي مجال حقيقي للمناورة والتنازل بين واشنطن وطهران؟ وهل سينتهي جمود مضيق هرمز بـ”اتفاق على طاولة المفاوضات”، أم بـ”نصر يُحسم في ساحة المعركة”؟


