يوسف شاهين… العبقري الذي سبق عصره

بقلم: ضحى ناصر

«يوسف شاهين مدفون هنا»… هكذا بادرني سائق السيارة الأجرة التي توقفت بي أكثر بكثير مما تحركت، ونحن ننتظر أمام منطقة مدافن الروم الكاثوليك بالإسكندرية.

لا أعرف ما سر تلك الحالة التي انتابتني حينئذ، فانصرف ذهني وجميع حواسي عن ثرثرة السائق حول مراسم نقل جثمان الراحل الكبير، بعد نحو أربعين يومًا فقط من وفاته، وما صاحبها من ازدحام مروري. لكنني تخيلت أنه يطالعني بابتسامته الطفولية، وعيناه اللتان يتقد فيهما التمرد والبراءة في تمازج لطيف، يشعر بمحبتي وتقديري له ويبادلني إياهما.

لطالما أحببت شخصية يوسف شاهين، ولم يكن مقبولًا لدي أبدًا اتهام الكثيرين له باعتباره «مخرج الأفلام اللي ما بتتفهمش»، بل إن معظم مروّجي هذا الادعاء يؤكدون في معظم الأحيان أنهم لم يشاهدوا أفلامه من الأساس، فقرروا اختزال أعماله في رباعية السيرة الذاتية، والتي رمز شاهين لنفسه خلالها بشخصية «يحيى شكري مراد»، ليروي من خلالها أجزاء من حياته، راصدًا في الجزء الأول «إسكندرية ليه» التحولات التي حدثت في المجتمع المصري، بالتوازي مع تحولات حياته، لتنتهي أولى فصول رباعيته بسفره إلى الولايات المتحدة الأميركية لدراسة فن السينما.

بينما يستكمل القصة في «حدوتة مصرية»، موضحًا معاناته مرض القلب الذي استدعى سفره إلى لندن لتلقي العلاج، ومن هنا جاء مشهد المحكمة الشهير، الذي استخدمه البعض للتدليل على أن أعمال شاهين قائمة على الإرباك، لاعتماده بعض الشيء على التذكّر للأحداث المهمة؛ إذ تصوّر شاهين أن بإمكانه عقد محاكمة داخل قلبه لأفلامه وشخصياتها، وشخصيات حياته، وكأن قلبه المثقل يصرخ من كثرة ما يحمل.

ولعل جزءًا كبيرًا من حبي ليوسف شاهين أنني أقدّر تجربته الإنسانية كاملة؛ فما أقسى أن يُرغم المرء دومًا على رفع صوته عاليًا ليقتنص حقه في أن يعبّر دون خوف، وأن يُخبر الناس بما ينبغي عليهم سماعه، وليس ما يرغبون في سماعه. وأن يُوصَف بأنه قد كسر حاجز الطموح إلى الجموح لمجرد الاختلاف ورفض القولبة، متحديًا مجتمعًا يطالبه بأن يتنازل عن أفكاره ليصبح كما يرغب المجتمع.

استطاع يوسف شاهين، على مدار نصف قرن، أن يكرّس تجربة إنسانية كاملة، ملخّصها أن كل ما على المرء هو أن «يرضي الله ونفسه»، وحين يحقق أحلامه بتوفيق من الله، ويحيا كما يرغب، سيكتشف أن جميع مخالفيه سيتمنون لو فعلوا مثله.
وربما لم يكن يوسف شاهين يومًا في حاجة لأن يُفهمه الجميع، بقدر ما كان في حاجة لأن يكون صادقًا مع نفسه.
فالمبدعون الحقيقيون لا يسعون في الحياة لتبرير اختياراتهم أو توضيحها للآخرين، بل ليتركوا أثرًا يربك السائد ويكسر المألوف. ولهذا، لم يكن شاهين «العبقري الذي لم يفهمه أحد» بقدر ما كان العبقري الذي سبق زمنه، فبدا غريبًا على عصره، مفهومًا فقط لمن يملك شجاعة الإصغاء.

أفقت من شرودي على صوت السائق، الذي لا يزال يثرثر عن الزحام والطرق والمواصلات، ومع ذلك لم أمنح انتباهًا لما يقول، إذ إنني لعدة أيام بعد ذلك لم أستطع الخروج من حالة التأمل في رحلة يوسف شاهين، وكأن روحه المتشبعة بالجدعنة الإسكندرانية أرادت أن تصحبني في رحلتي داخل معشوقته الأثيرة، “الإسكندرية”.

أجواء برس

“أجواء” مجموعة من الإعلام العربي المحترف الملتزم بكلمة حرّة من دون مواربة، نجتمع على صدق التعبير والخبر الصحيح من مصدره، نعبّر عن رأينا ونحترم رأي الآخرين ضمن حدود أخلاقيات المهنة. “أجواء” الصحافة والإعلام، حقيقة الواقع في جريدة إلكترونية. نسعى لنكون مع الجميع في كل المواقف، من الحدث وما وراءه، على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى